آتى الله سليمان عليه السلام ملكًا عظيمًا وسلطانًا واسعًا، وأكرمه بالنبوة والعلم والحكمة، فاجتمعت له قوة الحكم ونور الهداية، وظل قلبه معلقًا بربه، معترفًا بفضله، شاكرًا لعطائه، مدركًا أن ما بين يديه من النعم أمانة تستوجب الطاعة وحسن العمل.
ومن تأمل سيرته في القرآن الكريم وجد قدوة في الجمع بين إعمار الدنيا والاستعداد للآخرة، وبين إدارة شؤون المملكة والقيام بحق العبودية، فقد أقام ملكه على الإيمان بالله والإسلام له، وجعل ما وهبه الله من العلم والقدرة معينًا على أداء رسالته.
ومن خلال قصته مع الهدهد وملكة سبأ، وموقفه حين سمع مقالة النملة، تتجدد أمام المؤمن معاني الافتقار إلى الله، وشكر النعمة، وتحمل المسؤولية، وتظهر دروس القيادة المؤمنة التي تعرف مصدر قوتها، وتخشى التقصير في حق ربها مهما اتسع سلطانها وعظم تمكينها.
العلم والحكمة قبل سلطان الملك
لقد قدم القرآن ذكر العلم في الحديث عن فضل الله على داود وسليمان عليهما السلام، وفي ذلك توجيه للقلوب إلى منزلة العلم الذي يهدي صاحبه، ويعينه على معرفة الحق، وحسن التصرف فيما استرعاه الله عليه.
وفي بيان هذا الفضل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: 15–16].
وهكذا اقترن العلم بالحمد، واقترنت المعرفة بالاعتراف بفضل المنعم، فكان ميراث سليمان عن أبيه ميراث العلم والنبوة والحكم، وكانت كلماته إعلانًا واضحًا بأن الفضل كله لله.
ولهذا يحتاج المؤمن إلى علم يزيده تواضعًا وطاعة، ويجعله أقدر على نفع الناس وأداء الأمانة، فكل معرفة نافعة تستدعي شكرًا، وكل قدرة يهبها الله لعبده تحمل معها مسؤولية استعمالها فيما يرضيه.
طلب المغفرة مع عظيم العطاء
ومن أعظم ما يوقظ القلب في دعاء سليمان عليه السلام أنه سأل ربه المغفرة، ثم سأله الملك، فظهر افتقاره إلى الله في مقام الطلب، وبقيت حاجته إلى عفو ربه حاضرة مع رجائه في واسع عطائه.
وقد حكى الله دعاءه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35].
وفي هذا الدعاء تربية للمؤمن على أن يطرق باب ربه بقلب مفتقر، وأن يجمع في دعائه بين صلاح دينه وخير دنياه، مستحضرًا أن الله هو الوهاب، وأن كل نعمة ينالها إنما تأتي بفضله ورحمته.
ولذلك ينبغي أن يصاحب طلب الرزق والمنزلة والقدرة سؤال المغفرة والهداية، وأن يظل العبد محتاجًا إلى ربه في حال القوة كما يحتاج إليه في حال الضعف، وفي ساعة السعة كما يلجأ إليه عند الضيق.
التوحيد أساس الملك وصلاح الأمة
كما تعلمنا سيرة سليمان عليه السلام أن الإيمان بالله هو الأصل الذي يوجه القوة ويضبط غايتها، فقد كان الإسلام لله حاضرًا في رسالته، وكانت دعوته تحمل الناس على الخروج من عبادة غير الله إلى توحيده وطاعته.
وفي سياق قصته مع ملكة سبأ جاء قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: 42–43].
ومن هنا يتعلم المؤمن أن صلاح الحياة يبدأ بصلاح الصلة بالله، وأن العلم والقوة يحتاجان إلى هداية تضبط استعمالهما، وتربط العمل بمراقبة الله وأداء الحقوق.
وعلى هذا الأساس تصبح المسؤولية ميدانًا للطاعة، ويغدو بناء المجتمع عملًا تحكمه الأمانة، ويستشعر القائم عليه أنه محاسب أمام الله على ما وهبه من قدرة وما ائتمنه عليه من شؤون الناس.
شكر النعمة وصيانة القلب
ويتجلى جمال العبودية في موقف سليمان عليه السلام حين سمع تحذير النملة لقومها من موكبه، فاستقبل هذه النعمة بالتوجه إلى الله، وسأله أن يعينه على الشكر والعمل الصالح، وأن يدخله برحمته في عباده الصالحين.
وهنا يقف المؤمن مع قلبه متسائلًا عن أثر النعم فيه، وعن مقدار ما تزيده من قرب إلى الله، وعن نصيب الآخرين من الخير الذي يستطيع تقديمه لهم.
فالشكر اعتراف بالقلب، وحمد باللسان، وطاعة بالجوارح، ومن شكر العلم تعليمه والعمل به، ومن شكر المال بذله في الخير، ومن شكر القوة نصرة المظلوم والرفق بالضعيف.
ومع تجدد النعم تتجدد الحاجة إلى محاسبة النفس، حتى يبقى العطاء سببًا للاستقامة، ويظل القلب واعيًا بأن النعمة ابتلاء يستدعي حسن الاستعمال وصدق التوجه إلى الله.
مسؤوليات الحكم لا تسقط العبودية
وأخيرًا، تقدم سيرة سليمان عليه السلام درسًا لكل من يحمل مسؤولية، فقد اجتمعت له مهام الملك وتدبير شؤون الجن والإنس والطير، وظل قائمًا بحق ربه، مستحضرًا أن غاية الحياة عبادته والعمل بمرضاته.
ومن هذا المعنى يستمد المؤمن منهجه في بيته وعمله ومجتمعه، فيؤدي واجباته بأمانة، ويرعى حقوق من تحت مسؤوليته، ويجعل إتقانه للعمل وإحسانه إلى الخلق من وجوه التقرب إلى الله.
فلنحمل من هذه السيرة علمًا يهدينا، وشكرًا يزكي قلوبنا، وتواضعًا يصون نفوسنا، ولنستعن بالله على أداء ما استرعانا عليه، سائلين إياه أن يجعل نعمه عونًا لنا على طاعته، وأن يرزقنا الإخلاص وحسن العمل.

