تتسارع وتيرة الغلاء في الأسواق المحلية بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع إعلان صندوق النقد الدولي مراجعة صعودية حادة لمعدل أسعار المستهلكين السنوي، ليصل رسمياً إلى 14.8% مقارنة بنحو 11.1% في تقديرات شهر أبريل.
وتأسيساً على ذلك، تعكس هذه الفجوة التقديرية البالغة 3.7 نقطة مئوية عمق الاختلالات الهيكلية المتراكمة، حيث تواصل الأسعار استنزاف القدرات الشرائية للمواطنين، في ظل تآكل الدخول وثبات الأجور ومواصلة فرض زيادات متتالية في أسعار السلع الأساسية.
إخفاق المسارات التمويلية في كبح التضخم
في هذا السياق، يوضح الدكتور مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار، أن الارتفاعات المتتالية في تقديرات الأسعار تفضح عجز الإجراءات الحكومية الحالية عن احتواء الضغوط التضخمية، وتثبت أن الحلول المتبعة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية القائمة.
علاوة على ذلك، يرى نافع أن الاعتماد الحصري على أدوات امتصاص السيولة عبر رفع الفائدة قد استنفد فاعليته، وبات يسهم بصورة عكسية في تعميق الركود الإنتاجي ومضاعفة أعباء خدمة الديون الداخلية المترتبة على الموازنة.
ارتباطاً بهذا الطرح، تؤدي الفجوة التمويلية المتسعة إلى لجوء الأجهزة التنفيذية لاقتراض خارجي إضافي، وهو ما يعيد إنتاج الضغوط السعرية نفسها عبر إضعاف القيمة الشرائية للعملة أمام سلة العملات الأجنبية الأساسية بصورة متكررة.
من جهة أخرى، أظهرت مراجعات الحسابات القومية أن محاولات ضبط عجز الموازنة تتم عبر تمرير تكلفة الأعباء للأسواق، الأمر الذي يعجل بتآكل الطبقة المتوسطة وتدهور مستويات المعيشة دون تقديم بدائل حقيقية لحماية الفئات المستضعفة.
وبناءً على ذلك، يؤكد نافع أن غياب خطة واضحة لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد الداخلية يزيد من تفاقم الصدمات، حيث تظل الأسواق رهينة لتقلبات الاستيراد، مما يجعل المواطن هو الممول الإجباري لتسديد فواتير العجز المتراكم.
بالتوازي مع ذلك، يتسبب تصاعد التضخم المستهدف في تقويض بيئة الأعمال المحلية، حيث يفر المستثمرون من تسعير العقود طويلة الأجل، مما يشل حركة المشروعات المتوسطة والصغيرة ويدفع معدلات التشغيل نحو التراجع القسري المستمر.
على صعيد متصل، تبدو الوعود الرسمية باقتراب التعافي بعيدة المنال عن الواقع اليومي، إذ يلتهم الغلاء أي زيادات طفيفة في الدخول، لتتحول الأرقام المتفائلة إلى حبر على ورق لا يغير شيئاً من واقع الأزمة.
نتيجةً لهذا المسار، يجد أصحاب الأجور أنفسهم محاصرين بين تضخم جامح وسياسات مالية تفضل التقشف الجائر على دعم الإنتاج الحقيقي، مما يكرس حالة من الركود التضخمي الذي يهدد استقرار السوق الداخلي بشكل غير مسبوق.
تسعير الوقود يشعل تكاليف المعيشة
في المقابل تماماً، تشدد الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، على أن التحريك المتواصل لأسعار الطاقة والمحروقات يمثل المحرك الفعلي للصدمات السعرية التي تضرب كافة القطاعات الخدمية والسلعية.
ومن هذا المنطلق، تبين المهدي أن رفع تكاليف الوقود والخدمات العامة لا يقلص الفجوة التمويلية كما تزعم الرواية الرسمية، بل يرفع تكلفة النقل والتصنيع، مما ينعكس قفزات مباشرة في أسعار الخضراوات والسلع الغذائية اليومية.
إضافةً إلى ذلك، تبرهن البيانات الواقعية على أن لجان التسعير التلقائي تتبع مساراً أحادي الاتجاه برفع الأسعار دون خفضها عند تراجع النفط عالمياً، مما يثبت استخدام هذه الآليات كأداة جباية مالية على حساب المستهلكين.
في ضوء ذلك، ترى المهدي أن التراجع الحاد في القوة الشرائية أدى إلى إغلاق العديد من الورش والمصانع الصغيرة العاجزة عن مواكبة فواتير الكهرباء والمحروقات، وهو ما يقلص المعروض المحلي ويرفع معدلات الاستيراد مجدداً.
تأكيداً لهذا الواقع، يعاني القطاع الزراعي من مضاعفة تكاليف الري والنقل والأسمدة، الأمر الذي جعل أسعار المحاصيل ترتفع بمستويات تفوق بكثير معدل التضخم الرسمي المعلن، مما يضع أعباء خانقة على كاهل الأسر الريفية والمدنية.
تباعاً لهذه المعطيات، تتحول الزيادات المستمرة في تعريفة المواصلات إلى اقتطاع مباشر من موازنة الأسرة البسيطة، التي باتت عاجزة عن توفير الضروريات الأساسية بعد أن التهمت تكاليف الانتقال والخدمات العامة النصيب الأكبر من الدخل الشهري.
في غضون ذلك، يرفض المستهلكون تبريرات الجهات الرسمية التي تعلق أسباب الغلاء على شماعة الأزمات الخارجية، مدركين أن القرارات الحكومية المتكررة برفع أسعار الخدمات والمحروقات هي السبب الأساسي وراء هذه الموجة التضخمية الكاسحة المتواصلة.
بموازاة هذه التطورات، تتسع رقعة الفقر في المحافظات نتيجة عجز الأجور عن مواكبة أسعار السلع الغذائية المتطايرة، مما يضع المجتمع أمام اختبار معيشي شديد القسوة يتطلب مراجعة جذرية لسياسات التسعير الحكومية المتبعة حالياً.
تقليص الدعم يعمق الأزمة المجتمعية
من زاوية أخرى، يؤكد وائل جمال، الباحث في الاقتصاد السياسي ومدير وحدة العدالة الاجتماعية، أن التوجه الحكومي لتفكيك منظومة الدعم التمويني والخبز يمثل تراجعاً خطيراً عن الالتزامات الاجتماعية الأساسية المفروضة تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
تبعاً لهذا التحليل، يوضح جمال أن استبدال الدعم العيني ببدلات مالية متواضعة في ظل تضخم متسارع هو بمثابة إعدام حقيقي لقيمتها، حيث تلتهم الأسعار المتزايدة أي مبالغ محولة قبل أن تصل إلى جيوب المواطنين المستحقين.
وعلى هذا الأساس، تفتقر الخطط الرسمية إلى أي عدالة توزيعية حقيقية، إذ يُحمل الفقراء والطبقة المتوسطة العبء الأكبر لبرامج الإصلاح الهيكلي، بينما تُمنح التسهيلات الضريبية والامتيازات الاستثمارية لكبار المستثمرين والشركات الاحتكارية الكبرى.
انطلاقاً من ذلك، يعتبر جمال أن اشتراطات المؤسسات الدولية المقرضة بضبط وتيرة نمو السيولة وتقليص مخصصات الحماية الاجتماعية تؤدي مباشرة إلى خفض نصيب الفرد من السلع البروتينية الأساسية، مهددة الأمن الغذائي القومي بمخاطر بالغة.
إزاء هذا الوضع، يؤكد الواقع الميداني أن تقليص الدعم لم يوفر الموارد الكافية لتطوير خدمات الصحة والتعليم كما تم الترويج له، بل تراجعت جودة هذه الخدمات العامة، مما أجبر المواطنين على تحمل تكاليفها الباهظة منفردين.
خلافاً للتصريحات المعلنة، تدفع هذه الإجراءات التقشفية المتسارعة ملايين المواطنين إلى حافة العوز التام، حيث يعجز الحد الأدنى للأجور عن تلبية المتطلبات الغذائية الشهرية، مما يفرض ضغوطاً نفسية ومعيشية خانقة على ملايين الأسر الكادحة.
تأسيساً على ما سبق، يرى جمال أن التمسك بنهج التقشف دون النظر إلى التكلفة الإنسانية الباهظة ينذر بتمزيق النسيج الاجتماعي، داعياً إلى ضرورة وقف التفكيك الجاري لشبكات الأمان الاجتماعي وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الرأسمالية الضخمة.
وفي النهاية تبقى الفجوة بين الأرقام الرسمية وواقع الأسواق دليلاً قاطعاً على تعثر النهج الاقتصادي الراهن، مما يضع السياسات المتبعة في مواجهة مباشرة مع متطلبات الحياة اليومية للمواطنين المطالبين بحلول إنتاجية عادلة ومستدامة.

