أعلنت أربعة أحزاب سياسية مغربية التوصل رسمياً إلى اتفاق نهائي لتشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، وذلك بعد جولات مكثفة من المفاوضات التي أفرزت تكتلاً برلمانياً متماسكاً يضم 207 مقاعد في مجلس النواب.

 

وفي هذا الشأن، جاء الإعلان الحاسم عقب انتهاء الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الجهاز التنفيذي، والتي انطلقت في 30 سبتمبر الماضي، بغية بلورة صيغة سياسية وتوافقية لقيادة العمل العام في المرحلة المقبلة.

 

 

توزيع المقاعد البرلمانية وتوازنات التحالف

 

وبناءً على ذلك، استند هذا المسار إلى التكليف الصادر في 29 سبتمبر، حين جرى تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الفريق الوزاري، إثر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات البرلمانية بحصوله على 97 مقعداً.

 

وعلاوة على ذلك، شهدت موازين القوى الانتخابية حلول حزب التجمع الوطني للأحرار ثانياً برصيد 66 مقعداً، بينما جاء حزب الاستقلال في المركز الثالث محققاً 65 مقعداً نيابياً في هذا الاستحقاق التشريعي العام.

 

ومن هذا المنطلق، أظهرت النتائج النهائية نيل حزب العدالة والتنمية 54 مقعداً، متبوعاً بحزب الحركة الشعبية الذي حاز بدوره 29 مقعداً برلمانياً، ليعكس المشهد تنوعاً واسعاً في خارطة التمثيل النيابي بمختلف الجهات.

 

وبالتوازي مع تلك الحصيلة، أفرزت صناديق الاقتراع حصول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، في حين استقر تمثيل حزب التقدم والاشتراكية عند 19 مقعداً في الهيئة النيابية وفق المعطيات الرسمية المعتمدة.

 

وتأسيساً على تلك الأرقام، امتلكت الأحزاب الأربعة الموقعة على التحالف 207 مقاعد مشتركة، لتتجاوز بذلك الأغلبية المطلوبة في مجلس النواب والبالغة 198 مقعداً من إجمالي 395 مقعداً يتألف منها المجلس النيابي بأكمله.

 

فضلاً عن ذلك، يمنح هذا التفوق العددي للأغلبية المشكلة ضمانة حقيقية للاستقرار السياسي المنشود، مما يمهد الطريق أمام تمرير القوانين والتشريعات الاستراتيجية ومشاريع الموازنات المالية العامة بسلاسة تامة ودون عراقيل إجرائية معقدة.

 

وفي ضوء هذه المعطيات، يمثل هذا التوافق الحزبي الواسع خطوة جوهرية لتأمين حزام سياسي متين يدعم استقرار المؤسسات الدستورية، ويعزز من فعالية التنسيق المشترك لمواجهة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية الملحة في البلاد.

 

 

رؤية مشتركة ومحددات الفريق التنفيذي

 

وانطلاقاً من هذه التوجهات، أوضح البيان المشترك أن الاتفاق يستهدف تشكيل أغلبية سياسية منسجمة تفرز حكومة قوية، تتكون من قوى تتمتع بالتقارب الفكري والسياسي، وتتفق على رؤية إصلاحية وطنية شاملة تخدم المواطنين.

 

وبالإضافة إلى ذلك، أكدت القوى المتحالفة أنها ستعمل على اقتراح أسماء وزيرات ووزراء يتمتعون بالكفاءة العالية، والحس السياسي المتقدم، والنزاهة والاستقامة التامة، لضمان قيادة مختلف القطاعات الحيوية بقدر عال من الفعالية والمصداقية.

 

وعلى هذا الأساس، تتطلع هذه التشكيلة المرتقبة إلى صياغة برنامج عمل منسجم وقوي في أسرع وقت، يستجيب لتطلعات الشارع المغربي ويسرع وتيرة إنجاز الأوراش التنموية الكبرى بمختلف المجالات الخدمية والإنتاجية ذات الأولوية.

 

وتماشياً مع هذه الرؤية، تسعى الأغلبية الجديدة إلى تعزيز مسار البناء الديمقراطي وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، بالتزامن مع توطيد دعائم العدالة الاجتماعية، وإرساء الإنصاف الحقيقي بين مختلف المناطق والأقاليم في التنمية الوطنية.

 

ومن ناحية أخرى، تمنح الخطط التوافقية أولوية بالغة لدعم القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، والارتقاء بتنافسية المقاولات المحلية لجذب الاستثمارات المنتجة، وتوليد فرص عمل مستدامة للشباب، وتحفيز معدلات النمو العام في القطاعات الصاعدة.

 

وارتباطاً بتلك المساعي، تركز المبادئ المعلنة على تحسين جودة الخدمات العمومية المقدمة للمواطنين، وفي مقدمتها قطاعات الصحة والتعليم والسكن اللائق، مع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي للمساهمة في تقليص الفوارق الطبقية والمجالية القائمة.

 

وبالمثل، يلتزم الفرقاء باعتماد آليات تشاور دورية منتظمة بين قيادات الأحزاب الأربعة، بهدف تذليل أي خلافات محتملة، وضمان التنسيق المتواصل لمواكبة تنفيذ الالتزامات المشتركة والدفاع عن السياسات العامة المتبناة طوال الولاية التشريعية.

 

 

استبعاد الأحرار واستعادة الكتلة التاريخية

 

وفي المقابل، لم يشمل هذا الائتلاف الحكومي حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حل ثانياً في السباق الانتخابي، وكان يقود التحالف المنتهية ولايته بقيادة عزيز أخنوش، مما يشكل تحولاً لافتاً في موازين المشهد الحزبي.

 

ونتيجة لذلك، جاء هذا الترتيب بعد خلافات حادة برزت بين فريقي التجمع والأصالة والمعاصرة أثناء الحملة، مع تبادل الانتقادات حول حصيلة التدبير السابقة، ولا سيما الملفات المرتبطة بالقطاعات الاجتماعية الحساسة ومستوى القدرة الشرائية.

 

ومن جهة مقابلة، اعتبرت التحليلات السياسية أن هذا الخلاف عمق التباعد بين الحزبين، ودفع باتجاه البحث عن خيارات بديلة قادرة على معالجة الاختلالات الاجتماعية والتجاوب الفعال مع التحديات المعيشية التي أثقلت كاهل الأسر.

 

وعلى صعيد متصل، يضم التحالف الجديد ثلاثة أحزاب تاريخية تشمل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، والتي ارتبط تعاونها الممتد تاريخياً بما عُرف في الأدبيات السياسية بمسمى الكتلة الديمقراطية أو الكتلة الوطنية الشهيرة بالمملكة.

 

وتأكيداً على تلك الخلفية، سبق لتلك المكونات الثلاثة المشاركة الفاعلة في تجارب حكومية متعددة، وكان من أبرزها المحطة التاريخية المتمثلة في حكومة التوافق عام 1998، التي قادت مرحلة مفصلية في مسار الانتقال الديمقراطي.

 

واستناداً إلى هذا الإرث، تراهن القيادات المتحالفة على استعادة روح التنسيق النضالي القديم، وتوظيف الخبرات التراكمية لتلك الأحزاب في تدبير الشأن العام، بهدف صياغة سياسات اجتماعية واقتصادية عادلة ومتوازنة تلبي تطلعات المواطنين كافة.

 

وحول مستقبل هذا التنسيق، يعول الائتلاف الرباعي على تماسك أغلبيته البرلمانية لضمان فاعلية الأداء التنفيذي، وتفادي الأزمات الداخلية التي قد تعرقل مسار الإصلاح المؤسساتي، بما يحقق استقراراً سياسياً ينعكس إيجاباً على مستقبل البلاد.

 

وإزاء هذه المعطيات الراهنة، تتجه الأنظار نحو الإعلان النهائي عن التشكيل الوزاري المرتقب وتوزيع الحقائب، لمباشرة تنزيل المشاريع التنموية الكبرى، وتجسيد الوعود الانتخابية على أرض الواقع بما يرقى إلى مستوى التطلعات الشعبية المعقودة.