دعت الحكومة الإريترية مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ تدابير رادعة ضد إثيوبيا، متهمة إياها بالسعي إلى فرض وصول سيادي إلى البحر الأحمر بالقوة، ومعتبرة أن التحركات الإثيوبية تمثل تهديدا مباشرا لأمنها وسيادتها.
ويأتي التصعيد الدبلوماسي المتبادل بين البلدين في وقت تتزايد فيه المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية بين الجارتين، على خلفية الخلاف بشأن الوجود العسكري على الحدود ومطالب أديس أبابا بالحصول على منفذ بحري.
وتبادلت إريتريا وإثيوبيا الاتهامات أمام الأمم المتحدة خلال الأيام الأخيرة، إذ تمسكت أديس أبابا بحقها في الدفاع عن النفس، واتهمت أسمرة بإرسال قوات إلى أراضيها ودعم جماعات متمردة، بينما رفضت الحكومة الإريترية الرواية الإثيوبية، وطالبت مجلس الأمن بإدانة ما وصفته بإعلان حرب صريح ضدها واتخاذ إجراءات لردع الجانب الإثيوبي.
إريتريا تطلب تدخلا دوليا رادعا
في رد رسمي موجه إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقعه وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، رفضت أسمرة المبررات التي قدمتها إثيوبيا بشأن الدفاع عن النفس، واتهمتها بمحاولة الحصول بالقوة على وصول سيادي إلى البحر الأحمر، في خطوة ترى الحكومة الإريترية أنها تتجاوز المطالب السياسية والدبلوماسية إلى تهديد مباشر لاستقرار المنطقة.
وطالبت الرسالة الإريترية مجلس الأمن بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب سافر من جانب إثيوبيا، داعية إلى اتخاذ تدابير رادعة استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة. وتعكس هذه المطالب رغبة أسمرة في نقل الخلاف إلى مستوى دولي أوسع، والضغط على المجتمع الدولي للتعامل مع الاتهامات المتبادلة باعتبارها أزمة تهدد السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي.
ولم تقتصر الرسالة على الاعتراض على الموقف الإثيوبي، بل استهدفت أيضا التشكيك في الأساس القانوني الذي تستند إليه أديس أبابا لتبرير تحركاتها. وترى إريتريا أن الحديث عن الدفاع عن النفس لا يبرر، من وجهة نظرها، السعي إلى فرض ترتيبات تتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر بالقوة، خصوصا في ظل حساسية ملف الحدود وتاريخ المواجهات العسكرية بين البلدين.
إثيوبيا تتمسك بحق الدفاع عن النفس
كانت إثيوبيا قد أبلغت مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة، بأنها تتخذ إجراءات للدفاع عن النفس في مواجهة إريتريا، متهمة جارتها بإرسال قوات عبر الحدود واحتلال أجزاء من شمال البلاد. وجاء الموقف الإثيوبي في رسالة رسمية وقعها وزير الخارجية جيديون تيموثيوس، استند فيها إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تتناول حق الدول في الدفاع عن النفس.
ولم يحدد وزير الخارجية الإثيوبي طبيعة الإجراءات التي قال إن بلاده تتخذها، كما لم توضح الرسالة بصورة تفصيلية نطاق التحركات العسكرية أو المناطق التي تتحدث أديس أبابا عن تعرضها للاحتلال. ويترك غياب هذه التفاصيل تساؤلات بشأن طبيعة التطورات الميدانية التي استندت إليها الحكومة الإثيوبية في عرض موقفها أمام المنظمة الدولية.
واتهمت الرسالة إريتريا بنشر وحدات من المشاة والقوات الميكانيكية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب تقديم الدعم والتمويل والتسليح والتوجيه لجماعات متمردة تنشط ضد الحكومة الإثيوبية. وكتب جيديون أن أديس أبابا دعت أسمرة مرارا إلى سحب قواتها، في إشارة إلى أن الحكومة الإثيوبية تعتبر استمرار الوجود العسكري المزعوم سببا أساسيا في تفاقم الأزمة.
لكن الرسالة لم تحدد المناطق التي قالت إثيوبيا إن القوات الإريترية احتلتها، ولم تتضمن، وفقا للمعلومات المتاحة، أدلة تفصيلية تدعم الاتهامات الواردة فيها. كما لم تتمكن وكالة أسوشيتد برس من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المزاعم، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين الاتهامات الرسمية والوقائع التي جرى إثباتها بصورة مستقلة.
ويكتسب الاستناد إلى المادة 51 أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تستخدم الدول هذا النص لتبرير إجراءات تتخذها ردا على هجوم مسلح، مع إخضاع المسألة لإطار ميثاق الأمم المتحدة. غير أن الإشارة إلى الحق في الدفاع عن النفس لا تحسم وحدها طبيعة الأحداث أو مدى انطباق المبررات القانونية على الوقائع، ولا تعفي الأطراف من تقديم المعلومات التي تتيح تقييم ادعاءاتها.
البحر الأحمر محور الخلاف المتصاعد
يمثل الوصول إلى البحر الأحمر أحد أبرز الملفات التي تغذي التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، بعدما أعاد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد التأكيد، يوم الإثنين الماضي، على ضرورة أن تتمتع بلاده بإمكانية الوصول إلى هذا الممر البحري الحيوي.
وتنظر إثيوبيا إلى الوصول البحري باعتباره مسألة استراتيجية مرتبطة بمصالحها الاقتصادية والأمنية وموقعها في المنطقة، بينما تثير المطالب المتعلقة بالحصول على منفذ بحري مخاوف لدى جيرانها، وفي مقدمتهم إريتريا، التي تمتلك ساحلا على البحر الأحمر وتتمسك بسيادتها على أراضيها ومياهها.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى الأهمية الجغرافية والاستراتيجية للبحر الأحمر، الذي يمثل ممرا رئيسيا للتجارة الدولية وحركة السفن، ويرتبط بمصالح اقتصادية وأمنية لدول عديدة. كما أن أي توتر بين دول المنطقة بشأن الموانئ أو الحدود أو الوجود العسكري يمكن أن ينعكس على العلاقات الإقليمية، خصوصا عندما يترافق مع تصريحات سياسية حادة واتهامات باستخدام القوة.
وفي هذا الإطار، ترى إريتريا أن المطالب الإثيوبية لا يمكن فصلها عن التصعيد الحالي، بينما تؤكد أديس أبابا تمسكها بالحوار مع جيرانها. وأعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية أن بلادها تظل ملتزمة بالحلول الدبلوماسية، رغم الرسالة التي وجهتها إلى مجلس الأمن وتضمنت اتهامات مباشرة لأسمرة.
ويكشف الجمع بين التمسك المعلن بالحوار والاستناد إلى حق الدفاع عن النفس عن تعقيد الموقف الإثيوبي، إذ تسعى الحكومة إلى تأكيد استعدادها للتفاوض، وفي الوقت نفسه تعرض تحركات جارتها باعتبارها تهديدا يستدعي إجراءات دفاعية. أما إريتريا، فتطالب بإجراءات دولية رادعة، معتبرة أن التصريحات الإثيوبية بشأن الوصول إلى البحر الأحمر تتجاوز حدود النقاش السياسي.
تحالف سابق لم يمنع عودة التوتر
تكتسب الأزمة الحالية أهمية إضافية بسبب التاريخ القريب للعلاقات بين البلدين، إذ قاتلت القوات الإثيوبية والإريترية إلى جانب بعضها بعضا ضد جبهة تحرير شعب تيجراي خلال الفترة من عام 2020 إلى عام 2022. وشكل هذا التعاون العسكري مرحلة لافتة في علاقة الطرفين، بعدما شهدت السنوات السابقة خلافات وصراعات حادة.
لكن التعاون ضد خصم مشترك لم ينه الخلافات الاستراتيجية بين أديس أبابا وأسمرة، كما لم يمنع عودة الاتهامات المتبادلة بشأن الأمن والحدود. وتوضح الأزمة الحالية أن التحالفات العسكرية المؤقتة لا تعني بالضرورة وجود توافق دائم بشأن القضايا السيادية، خاصة عندما تتعارض المصالح الوطنية وتظهر ملفات خلافية جديدة.
وتبرز منطقة تيجراي وشمال إثيوبيا ضمن السياق الأوسع للأزمة، بسبب ما شهدته المنطقة من صراع مسلح وما يرتبط بها من اعتبارات أمنية وسياسية. ومع تبادل الاتهامات بشأن عبور الحدود وانتشار القوات ودعم الجماعات المتمردة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تدهور العلاقات إلى إحياء المواجهات في مناطق سبق أن شهدت اضطرابات عسكرية واسعة.
ومع ذلك، لا تكفي الاتهامات المتبادلة وحدها لتأكيد أن البلدين يتجهان حتما إلى حرب جديدة. فالمعلومات المتاحة لا تتضمن تحققا مستقلا من الادعاءات الإثيوبية بشأن احتلال أجزاء من شمال البلاد، كما لا تقدم تفاصيل كافية لتحديد طبيعة التحركات التي تتحدث عنها أسمرة باعتبارها تهديدا لسيادتها.
وتظل قدرة الطرفين على ضبط الخطاب السياسي والعسكري، وتجنب أي تحركات ميدانية قد تؤدي إلى اشتباكات مباشرة، من العوامل المهمة في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

