كشفت أزمة استمارات الشهادة الإعدادية عن وجه آخر لما يسمى بالتحول الرقمي في التعليم، بعدما وجد آلاف أولياء الأمور أنفسهم عالقين بين تسجيل إلكتروني لا يكتمل وحده، وأوراق مطبوعة وإيصالات متعددة وطوابير أمام مكاتب البريد، بينما تلاحقهم مهلة تنتهي في 20 أكتوبر لتسليم الملفات كاملة.
وأظهرت شكاوى الأسر أن المنظومة لم تستبدل الإجراءات الورقية بالتكنولوجيا، بل أضافت إليها طبقة جديدة من التعقيد؛ فولي الأمر يسجل البيانات عبر الإنترنت، ثم يطبع الاستمارة، ويجمع الصور والإيصالات والطوابع، ويتنقل بين منافذ التحصيل، قبل أن يصطدم في النهاية بالعبارة الأكثر تكرارًا داخل مكاتب البريد: «السيستم واقع».
رقمنة تضاعف الأوراق والطوابير
وتحولت رحلة سداد الرسوم إلى عبء يومي على أسر لا تملك رفاهية إهدار ساعات العمل أمام منافذ البريد، خصوصًا مع تعطل الخدمة الإلكترونية بصورة متقطعة. بعض أولياء الأمور أكدوا اضطرارهم للمرور على أكثر من مكتب بريد بالقاهرة والجيزة، ليجدوا الإجابة نفسها دون حل أو بديل فوري.
وفيما يفترض أن تقلل الميكنة عدد الخطوات المطلوبة، حدث العكس تمامًا؛ إذ أصبح ولي الأمر مطالبًا بالتعامل مع النظام الإلكتروني والورقي معًا. تسجيل بيانات على موقع الوزارة، ثم طباعة أوراق، وإحضار صور شخصية ومستندات، وإرفاق إيصالات منفصلة، وكأن التكنولوجيا أضيفت فوق الروتين القديم بدلًا من أن تنهيه.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا عندما يصبح إثبات نجاح العملية الإلكترونية ورقة مطبوعة يجب حملها يدويًا وتسليمها داخل ملف. وهكذا لا توفر المنظومة الوقت ولا الجهد، بل تنقل الأسرة بين شاشة الكمبيوتر وطابور البريد والمدرسة، في سلسلة إجراءات تكشف فجوة كبيرة بين شعارات الرقمنة والواقع الذي يواجهه الطلاب.
كما أن تعدد جهات التحصيل والإيصالات يعيد السؤال الأساسي: لماذا لا توجد فاتورة موحدة تضم المستحقات المطلوبة للطالب؟ ولماذا يحتاج ولي الأمر إلى جمع عدد من الإيصالات والطوابع والصور لإثبات سداد مبالغ كان يمكن تحصيلها إلكترونيًا في معاملة واحدة تظهر مباشرة على قاعدة بيانات المدرسة؟.
رسوم متعددة ومنظومة مربكة
وتشمل الأوراق المتداولة بين أولياء الأمور بنودًا عديدة؛ منها طابع تعليم بقيمة 10 جنيهات، وطابع نقابة بخمسة جنيهات، ومصروفات دراسية، ورسوم استمارات وإتمام شهادة وحفظ قيد وديوان محافظة، إلى جانب الصور الشخصية والملف الشفاف وإيصالات السداد المطلوبة لكل بند وفق تعليمات المدارس والإدارات التعليمية.
وفي الوقت نفسه، تحدد رسوم التقدم لامتحانات الشهادة الإعدادية بمبلغ 158 جنيهًا، منها 10 جنيهات رسم امتحان و148 جنيهًا مقابل خامات ومستلزمات الامتحانات، بينما توجد رسوم أخرى لاستخراج الشهادة الدائمة بقيمة 100 جنيه موزعة بين الطباعة والدمغة وتنمية الموارد ورسوم إضافية، ما يزيد ارتباك الأسر بشأن المستحقات المختلفة.
ولا تتوقف الأزمة عند قيمة الرسوم نفسها، بل تمتد إلى طريقة التحصيل وإثبات السداد. فعندما تفرض المنظومة دفع أكثر من بند والحصول على عدة إيصالات ثم تصوير بعضها وإرفاقها بملف ورقي، فإن الحديث عن تبسيط الإجراءات يصبح بعيدًا عن التجربة الفعلية التي يعيشها ولي الأمر.
وتزداد حدة الأزمة بالنسبة للأسر التي لديها أكثر من طالب، أو التي يعمل الأب والأم فيها لساعات طويلة، إذ يصبح إنجاز استمارة مدرسية مهمة تحتاج إلى إجازة من العمل وتنقل بين أكثر من جهة ومحاولات متكررة للدفع، بدلًا من عملية إلكترونية يفترض ألا تستغرق سوى دقائق.
مهلة ضيقة والطالب يدفع الثمن
ومع اقتراب 20 أكتوبر، تتحول الأعطال التقنية من مجرد إزعاج إداري إلى تهديد مباشر لحق الطالب في استكمال إجراءات الامتحان. فالتعليمات تلزم الأسر بإنهاء التسجيل والطباعة والسداد وتسليم المستندات في الموعد المحدد، بينما لا يملك ولي الأمر أي سيطرة على خادم يتعطل أو مكتب بريد تتوقف داخله الخدمة.
ولا يبدو منطقيًا أن تتحمل الأسر نتائج خلل تقني لم تتسبب فيه، أو أن يصبح مستقبل طالب مرتبطًا بقدرة شبكة إلكترونية على العمل في ساعة بعينها. فإذا كانت الجهات المسؤولة هي التي اختارت النظام وحددت منافذه، فإن مسؤوليتها الأولى ضمان استقراره وتوفير بدائل فورية عند تعطله.
كذلك فإن الإصرار على الموعد النهائي دون معالجة أعطال التحصيل يضع الأسر تحت ضغط لا مبرر له. وكان الأولى مد مهلة السداد وتسليم الملفات عند حدوث أعطال واسعة، وإصدار تعليمات واضحة للمدارس بعدم تحميل الطلاب نتيجة أي تأخير سببه تعطل الأنظمة أو ازدحام منافذ الدفع.
ومن الممكن إنهاء جانب كبير من الأزمة بإتاحة سداد الرسوم من خلال تطبيقات الدفع المعتمدة والمحافظ البنكية ومنافذ التحصيل الإلكتروني، مع ربط عملية الدفع تلقائيًا ببيانات الطالب، وإلغاء شرط تقديم نسخ ورقية من إيصالات يمكن التحقق منها إلكترونيًا داخل المدرسة.
وفي النهاية، تكشف أزمة استمارات الإعدادية أن المشكلة ليست نقص التكنولوجيا بقدر ما هي استمرار العقلية الورقية داخل نظام يرفع لافتة الرقمنة. فلا قيمة لتسجيل إلكتروني يعقبه طابور، ولا معنى لميكنة تجبر الأسر على حمل ملفات من الصور والإيصالات، ولا عدالة في معاقبة طالب لأن «السيستم واقع». المطلوب منظومة تختصر الإجراءات فعلًا، لا منظومة تنقل الروتين من الشباك إلى الشاشة ثم تعيده مرة أخرى إلى الشباك.

