محمد أبو رمان

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع

 

لا تقرأ إجابة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (في مقابلته أخيرًا مع مجلة التايم) بالمعنى الحرفي المباشر، عندما سُئل عن غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وأحد أبرز منافسي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة، فقال باقتضاب: "لا أسمع عنه أمورًا سيئة"، فردّه يستدعي نقاشًا مهمًا في الولايات المتحدة اليوم عن جدوى العلاقة مع إسرائيل، إذ تبدو الجملة، للوهلة الأولى، عابرة، لكن ما يجعلها مهمّة ليس فقط ما قاله ترامب، بل ما لم يقله، فعندما سُئل بوضوح ما إذا كان يريد نتنياهو رئيسًا للحكومة بعد الانتخابات، لم يمنحه التأييد المنتظر، ولم يقل إنه يفضله على منافسيه، بل ترك الباب مفتوحًا.

 

لو أخذنا المسألة من زاوية أيديولوجية بحتة، المتوقع العكس تمامًا. فالإنجيليون البيض يمثلون قرابة 17% من الناخبين المسجلين الأميركيين، لكنهم يشكلون نحو 30% من القاعدة الجمهورية، وكانوا قرابة 29% من ناخبي ترامب في 2024، وصوّتت غالبيتهم الساحقة له. ومعروف أنّ إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هؤلاء ليست مجرد حليف استراتيجي، بل جزء من رؤية دينية وثقافية ترتبط بالصهيونية المسيحية، وتميل تقليديًا إلى اليمين الإسرائيلي أكثر من اليسار والوسط.

 

حتى لو قرأنا العلاقة بين ترامب ونتنياهو من زاوية شخصية، تبدو الكيمياء بينهما مفهومة؛ إذ يعرف نتنياهو جيدًا كيف يخاطب ترامب، وكيف يتعامل مع "شيفرته" النفسية: القوة، الانتصار، الاعتراف، الولاء، وصورة الرجل الذي يصنع التاريخ. وفي شخصية نتنياهو السياسية ما يشبه ترامب أيضًا؛ الزعيم المحاصَر الذي يخوض معركة ضد خصومه والمؤسّسات والنخب والإعلام، ويعود في كل مرة بعد أن يعتقد الآخرون أن نهايته اقتربت. وقد لمّح ترامب نفسه إلى هذا التشابه (في مقابلة "التايم") عندما قال إنهم أعلنوا نهاية "بيبي" مرّات عديدة، كما أعلنوا نهايته هو أيضًا.

 

جرت مياهٌ كثيرة تحت الأقدام، خلال الشهور الماضية، فقد دخل عامل جديد على العلاقة بين الرجلين: إيران، إذ ظهر أكثر من مرّة أن حسابات ترامب ليست مطابقة لحسابات نتنياهو، وأن الرئيس الأميركي يريد أن يعرف أين تنتهي الحرب ومتى تتحوّل من استثمار في القوة إلى عبء عليها، بدا في مرحلة معينة كأنه شعر بأن الحرب أخذته إلى مساحةٍ أبعد مما كان يريد، وأن تقديرات نتنياهو مسارها ونهايتها لم تكن دائمًا متطابقةً مع حساباته، ثم جاءت لحظة وقف إطلاق النار لتكشف الفارق بصورة أوضح في كشف اتساع رقعة الخلاف بينهما.

 

من زاويةٍ أخرى، لا تقل أهمية عمّا سبق، فقد بدا أنّ شيئًا يتغير داخل الترامبية نفسها، فالسؤال الذي بدأ يتردّد داخل جزء من حركة MAGA آيتعلق بمراجعة السياسات الأميركية تجاه إسرائيل والعلاقة من جذورها، وأخذ كثيرون من التيار اليميني في داخل  الحركة يتناقشون؛ أين تكمن المصلحة الأميركية، وهل تتطابق بالضرورة مع كل ما تريده الحكومة الإسرائيلية. بل قبل أسابيع استخدم نائب الرئيس، جي دي فانس، لغة كان من الصعب تخيلها قبل أعوام قليلة في قلب الحزب الجمهوري، عندما قال إن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ينبغي ألا تصبح "تابعة لإسرائيل"، وإن ترامب يستطيع الاختلاف مع نتنياهو عندما تختلف المصلحة الأميركية عن حسابات حكومته.

 

يعيد ذلك كلّه طرح السؤال الأكثر أهمية، وربما الذي يجعل موقف ترامب تجاه الانتخابات الإسرائيلية ونتنياهو أكثر غموضًا في اللحظة الراهنة، وهو ما تبدّى في مقابلة "التايم"، وهو: هل ما يزال نتنياهو مفيدًا لترامب؟ لا يتعلّق الأمر بإسرائيل وحدها، فقد أصبح نتنياهو اليوم عبئًا دوليًا كبيرًا، إذ تغيرت مواقف دول أوروبية رئيسية بصورة واضحة، وتراجعت صورة إسرائيل في الرأي العام الغربي، ولم يعد الخلاف مقتصرًا على خصومها التقليديين، بل وصل إلى داخل معسكر حلفائها نفسه. حتى في الولايات المتحدة تظهر استطلاعات الرأي تحولًا يصعب تجاهله؛ النظرة السلبية إلى إسرائيل ارتفعت، والثقة بنتنياهو تراجعت، بل أصبح الجمهوريون أنفسهم شبه منقسمين تجاهه.

 

الأكثر أهمية أن الفصل بين إسرائيل ونتنياهو أصبح ممكنًا حتى داخل قطاعات واسعة من اليهود الأميركيين المؤيدين إسرائيل، إذ يمكن أن تكون مؤيدًا لإسرائيل، وفي الوقت نفسه، ترى أن نتنياهو وحكومته أصبحا عبئًا عليها، لأن المشكلة بالنسبة إلى الحلفاء الأميركيين لم تعد دائمًا في الدفاع عن إسرائيل، بل في الكلفة المتزايدة للدفاع عن كل ما تفعله حكومة نتنياهو، بخاصة مع وجود شخصياتٍ مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

 

إذن، ماذا لو خرج نتنياهو من المشهد؟ لن يعني هذا أن إسرائيل ستتغير فجأة، أو أن سياساتها الأمنية والاستراتيجية ستنقلب رأسًا على عقب، لكن تخيّلوا رئيسًا جديدًا للحكومة بخلفية عسكرية وأمنية قوية، آيزنكوت مثلًا، ومن دون الحمولة السياسية والشخصية التي تراكمت حول نتنياهو وحكومته، بالنسبة إلى ترامب، قد يكون هذا أكثر راحة مما نعتقد، فهو يريد العودة إلى مشروع أكبر من نتنياهو: إعادة هندسة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، توسيع العلاقات العربية - الإسرائيلية، ترتيب العلاقة مع دول الخليج، إنهاء الملف الإيراني بالطريقة التي تسمح له بإعلان الانتصار، ثم القول للأميركيين إنه أعاد ترتيب المنطقة من دون حروب مفتوحة لا تنتهي. في ضوء هذه المعادلة، أصبح نتنياهو مشكلة لا حلًا.

 

بيت القصيد أنّ الرجل الذي كان يمثل سنوات عنوانًا للقوة الإسرائيلية أصبح يحمل معه شبكة كبيرة من الأزمات والحساسيات والحسابات الشخصية، بينما يريد ترامب، في ما تبقى من رئاسته، نتائج يستطيع بيعها انتصارات، حتى بالنسبة إلى اللوبي التقليدي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، يمكن فهم المعضلة بالطريقة نفسها، الدفاع عن إسرائيل شيء، وتحويل نتنياهو إلى مرادف لإسرائيل شيء آخر، وربما كان أخطر ما حدث في الأعوام الأخيرة أن الدفاع عن نتنياهو نفسه أصبح أكثر كلفة على بعض المدافعين عن إسرائيل.

 

مع هذا، تبقى المفارقة الشخصية مثيرة، فترامب، في الأغلب، يفهم نتنياهو أكثر مما يفهمه كثير من السياسيين الإسرائيليين، وقد يرى فيه شيئًا من صورته هو: الرجل الذي يكرهه خصومه، وتحاصره التحقيقات والأزمات، ويعلن الجميع نهايته، ثم يفاجئهم بالعودة. لذلك لم يكن غريبًا أن يحذّر (في مقابلة "تايم")  من التقليل من شأنه، لكن ترامب، في نهاية اليوم، رجل صفقات قبل أن يكون رجل صداقات، يسأل عن الربح والخسارة، وعن القوة والعبء، وعن اللحظة التي ينبغي فيها الدخول واللحظة التي يصبح فيها الخروج هو الانتصار. لهذا تبدو عبارة ترامب عن آيزنكوت أكثر أهمية مما توحي به كلماتها القليلة: "لا أسمع عنه أمورًا سيئة"، فهو لم يؤيد آيزنكوت، ولم يتخل عن نتنياهو، ولا نعرف ماذا يريد فعليًا في الانتخابات الإسرائيلية، لكن مجرّد امتناعه عن إعطاء حليفه القديم تأييدًا واضحًا، وتركه الباب مفتوحًا أمام منافسه، يفتح سؤالًا كان يبدو حتى وقت قريب غريبًا: ليس ما إذا كانت إسرائيل قادرة على العيش من دون نتنياهو، بل ما إذا كان عالم بلا نتنياهو قد أصبح، بالنسبة إلى ترامب وحلفاء إسرائيل، وربما قطاعات داخل إسرائيل نفسها، أقل تعقيدًا من العالم الذي صنعه نتنياهو حوله.