كشفت صفقة استحواذ شركة ناس للاستثمارات القابضة الإماراتية على 25 بالمئة من أسهم الشركة المالية والصناعية المصرية مقابل نحو 5 مليارات جنيه عن استمرار الزحف الإماراتي داخل قطاع الأسمدة والكيماويات المصري، أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الزراعي والصناعة والتعدين والطاقة والتصدير وتوفير مستلزمات الإنتاج للفلاحين.
وتأتي الصفقة الجديدة ضمن مسار بدأ قبل سنوات ولم يعد مجرد استثمارات متناثرة أو حصص مالية محدودة، بل تحول إلى شبكة متداخلة من الملكيات الإماراتية داخل شركات مصرية استراتيجية، بالتزامن مع سياسة حكومية توسعت في بيع حصص من أصول رابحة بينما يعاني السوق المحلي من ارتفاع أسعار الأسمدة ونقصها وضغوط متزايدة على المزارعين.
وتكشف خريطة الصفقات أن أبوظبي لا تدخل السوق المصرية كمستثمر يبحث عن فرصة عابرة، وإنما تتحرك داخل قطاعات مترابطة تبدأ من الزراعة والأسمدة وتمتد إلى الموانئ والطاقة والنقل والتعدين، بما يمنح الشركات الإماراتية قدرة متزايدة على التحكم في حلقات كاملة من الإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل تبدو الحكومة المصرية وكأنها تتعامل مع الأصول العامة باعتبارها مخزنًا جاهزًا للبيع للحصول على تدفقات دولارية سريعة، دون نقاش جاد حول ما يعنيه انتقال حصص مؤثرة في شركات الأسمدة إلى مستثمرين أجانب بالنسبة للأمن الغذائي أو تكلفة الزراعة أو قدرة الدولة على التدخل وقت الأزمات.
بيع الشركات الرابحة للأموال الإماراتية
استحوذت ناس للاستثمارات القابضة على ربع أسهم المالية والصناعية المصرية التي تأسست عام 1929 وتعمل في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والكيماويات وحامض الكبريتيك، لتصبح الشركة الإماراتية صاحبة ثاني أكبر حصة في واحدة من الشركات المصرية التاريخية العاملة في قطاع شديد الحساسية للاقتصاد والزراعة.
وجاءت الحصة الإماراتية الجديدة بعد بيع جزء من ملكية ميدفيرت مصر للاستثمار، لتصبح ناس مالكة لنحو 25 بالمئة من الشركة، مقابل 27.6 بالمئة للقابضة للصناعات المعدنية، بينما تتوزع النسب الأخرى بين صندوق التأمين الاجتماعي للعاملين بالقطاع الحكومي وميدفيرت والسعودية المصرية للاستثمارات الصناعية.
وتزداد أهمية الصفقة بالنظر إلى حجم الشركة نفسها، إذ جاءت المالية والصناعية المصرية في المرتبة الثالثة والثلاثين بين أكبر خمسين شركة مصرية من حيث القيمة السوقية خلال عام 2026 وفق التصنيف الوارد في البيانات المنشورة، بقيمة سوقية تقارب 462 مليون دولار، مع امتلاكها ثلاثة مصانع داخل مصر.
كما تدير الشركة مصانع في كفر الزيات ومنقباد بأسيوط والعين السخنة، وحققت أكثر من 343 مليون جنيه أرباحًا نصف سنوية، بينما أظهرت بيانات سابقة نمو الإيرادات ورفع رأس المال، وهو ما يطرح السؤال الأكثر إلحاحًا بشأن أسباب التخلي عن حصص في شركات تحقق أرباحًا ولديها أصول إنتاجية حقيقية.
ولا تقف القصة عند هذه الشركة، إذ أعلنت وزارة المالية في أغسطس بيع ما تبقى للدولة من أسهم في عدد من الشركات الاستراتيجية، بينها أبو قير للأسمدة ومصر لإنتاج الأسمدة موبكو وسيدي كرير للبتروكيماويات والإسكندرية للزيوت المعدنية، في استمرار واضح لسياسة تقليص ملكية الدولة داخل قطاعات رابحة.
ويزداد التناقض حين ترفض جهات حكومية بيع حصصها في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات أمام محاولة استحواذ واسعة، بينما تستمر في الوقت نفسه عمليات التخارج من شركات الأسمدة، وكأن هناك خطوطًا حمراء في بعض القطاعات لا تجد طريقها إلى قطاع يمس بصورة مباشرة غذاء المصريين ومستقبل الزراعة.
من أبو قير إلى موبكو السيطرة تتسع
بدأ التوسع الإماراتي الكبير داخل قطاع الأسمدة المصري بصورة واضحة في أبريل 2022، عندما استحوذت القابضة ADQ عبر ذراعها ألفا أوريكس على 21.5 بالمئة من أبو قير للأسمدة والبتروكيماويات مقابل نحو 391.9 مليون دولار، وعلى 20 بالمئة من مصر لإنتاج الأسمدة موبكو بنحو 266.5 مليون دولار.
ولم تكن تلك الصفقات منفصلة عما جرى بعدها، ففي فبراير 2023 تم توقيع اتفاقية لإقامة مصانع للكيماويات والأسمدة الفوسفاتية باستثمارات تقارب 400 مليون دولار في مجمع فوسفات أبو طرطور بالوادي الجديد، حيث يقع واحد من أهم احتياطيات الفوسفات التي تمتلكها مصر.
ثم جاءت صفقة أدنوك خلال عام 2024 للاستحواذ على حصة أو سي آي في فيرتيغلوب، لتصبح الشركة الإماراتية مالكة لنحو 86.2 بالمئة من شركة تمتلك وتدير منشآت كبرى لإنتاج الأسمدة النيتروجينية والأمونيا في مصر والإمارات والجزائر، ما وسع الحضور الإماراتي إقليميًا داخل صناعة الأسمدة.
وفي يونيو 2025 رفعت ناس للاستثمارات حصتها في سماد مصر إيجيفرت إلى أكثر من 51 بالمئة عبر صفقة تجاوزت 186 مليون جنيه، ولم تتوقف خطتها عند الأغلبية، إذ تستهدف زيادة حصتها إلى 90 بالمئة في شركة ترتبط بدورها باستثمارات وحصص داخل عدد من شركات الأسمدة والكيماويات الأخرى.
وبذلك لم يعد الحديث عن حصة في شركة أو شركتين، وإنما عن بنية ملكية تمتد من أبو قير وموبكو إلى إيجيفرت والمالية والصناعية وفيرتيغلوب، وتضع جزءًا متزايدًا من صناعة الأسمدة المصرية داخل دائرة نفوذ صناديق وشركات إماراتية تمتلك قدرة مالية ضخمة واستراتيجية توسع طويلة المدى.
ووفق تقديرات نشرها المحلل الاقتصادي محمد النجار فإن شركات ومؤسسات إماراتية باتت تسيطر على أكثر من 60 بالمئة من إنتاج الأسمدة الأزوتية في مصر، وهي نسبة إن صحت بهذا الحجم فإن القضية تتجاوز الاستثمار الأجنبي التقليدي إلى سؤال مباشر بشأن من يملك مفاتيح قطاع استراتيجي مرتبط بإنتاج الغذاء.
ولا يمكن فصل ذلك عن توسع الشركات الإماراتية في الأراضي الزراعية نفسها، إذ تعمل شركات مثل الظاهرة وجنان وغيرها في مساحات واسعة من الأراضي داخل توشكى وشرق العوينات ووادي النطرون والصالحية والمنيا، بما يجعل المصالح الإماراتية موجودة في الأرض وفي مستلزمات الزراعة وفي منافذ التصدير أيضًا.
الفلاح يدفع وأرباح التصدير تتضخم
يتزامن هذا التوسع مع أزمة يعانيها الفلاح المصري منذ سنوات، رغم التزام الدولة بتوفير نحو ثلاثة ملايين طن من الأسمدة المدعومة سنويًا لصغار المزارعين، إذ شهد السوق ارتفاعات حادة في أسعار الأسمدة بينما تكررت شكاوى نقص المعروض المدعوم واضطرار كثيرين إلى اللجوء للسوق الحرة.
وتشير الأرقام الواردة إلى أن سعر طن اليوريا الحر الذي كان يتحرك قبل سنوات بين خمسة وسبعة آلاف جنيه وصل إلى مستويات تتراوح بين 24 و35 ألف جنيه، بفعل عدة عوامل تشمل انهيار قيمة الجنيه وأزمات الغاز وتكاليف الإنتاج، لكن النتيجة النهائية واحدة وهي تضخم فاتورة الزراعة.
وهنا تبرز المفارقة الصارخة، فبينما يواجه الفلاح أسعارًا متصاعدة للأسمدة تتحدث بيانات التصدير عن مليارات الدولارات التي يحققها القطاع في الخارج، بما يحول أحد أهم مدخلات الأمن الغذائي إلى مصدر أرباح ضخم للشركات والمساهمين في الوقت الذي يزداد فيه الضغط على المنتج الزراعي المحلي.
وبحسب المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة بلغت صادرات القطاع نحو 7.065 مليار دولار خلال أول سبعة أشهر من عام 2026 بزيادة تقترب من 25 بالمئة، ليواصل احتلال موقع متقدم بين الصادرات غير البترولية، وهو ما يكشف حجم القيمة الاقتصادية للأصول التي يجري التخارج منها.
كما حققت شركات تقع فيها حصص إماراتية أرباحًا ضخمة، إذ سجلت أبو قير للأسمدة مليارات الجنيهات من الأرباح، بينما وصلت أرباح موبكو خلال عام 2025 إلى نحو 11.3 مليار جنيه، مع استمرار نمو الإيرادات وصافي الأرباح خلال العام التالي وفق المؤشرات المالية المنشورة.
وتعني هذه الأرباح أن المستثمر الإماراتي لا يشتري شركات خاسرة تحتاج إلى إنقاذ، وإنما يدخل إلى كيانات قائمة تمتلك مصانع وأسواق تصدير وتحقق فوائض مالية كبيرة، ثم يحصل على نصيبه من توزيعات الأرباح وعوائد التصدير، وهو ما يثير تساؤلات حول من المستفيد الحقيقي من سياسة بيع الأصول.
وتزداد خطورة المشهد لأن الشركات الإماراتية لا توجد في قطاع الأسمدة فقط، وإنما تتمدد في الموانئ والخدمات اللوجستية أيضًا، من العين السخنة إلى سفاجا وموانئ أخرى، بما يخلق شبكة تستطيع من خلالها الشركات إنتاج السلع ثم نقلها وتصديرها عبر ممرات تديرها أو تشارك في تشغيلها.
وهكذا تتشكل أمام المصريين معادلة قاسية، فالدولة تبيع حصصًا في شركات تدر أرباحًا وتصدر بمليارات الدولارات من أجل الحصول على سيولة ونقد أجنبي، بينما ينتقل جزء من الأرباح المستقبلية إلى المستثمر الأجنبي وتبقى مصر مطالبة كل عام بالبحث عن دولارات جديدة لسد احتياجاتها المتزايدة.
كما أن توزيعات الأرباح المحولة إلى مساهمين أجانب تمثل في النهاية التزامًا بالنقد الأجنبي يخرج من الاقتصاد المحلي، وهو أمر طبيعي في أي استثمار أجنبي، لكن خطورته تتصاعد عندما تتحول الخصخصة إلى سياسة دائمة لتوفير الدولار بدلًا من بناء مصادر مستدامة للنقد الأجنبي والاحتفاظ بالأصول المنتجة.
والقضية هنا ليست رفضًا للاستثمار الإماراتي بسبب جنسيته، بل اعتراض على غياب الحدود الواضحة بين جذب الاستثمار وبين التخلي المتتابع عن حصص مؤثرة في قطاعات استراتيجية، لأن الدولة التي تبيع اليوم جزءًا من شركة أسمدة رابحة قد تجد نفسها غدًا أضعف في مواجهة احتياجات السوق المحلي.
كما أن تقييم أي صفقة لا يجب أن يتوقف عند المليارات التي تدخل الخزانة لحظة البيع، بل يجب أن يشمل الأرباح التي كانت ستتدفق مستقبلًا إلى الدولة، وقيمة الأصل بعد سنوات، وتأثير انتقال القرار الاستثماري إلى مساهم جديد، وانعكاس ذلك على الإنتاج المحلي والأسعار والتصدير.
وتبدو سياسة بيع الأصول أكثر خطورة عندما تأتي تحت ضغط أزمة العملة الأجنبية، لأن التفاوض في ظروف الاحتياج الشديد للنقد لا يمنح البائع أفضل أوراق القوة، كما يجعل الأموال المحصلة حلًا مؤقتًا لمشكلة هيكلية سرعان ما تعود بمجرد إنفاق حصيلة الصفقة وسداد الالتزامات الخارجية.
وبينما تتحدث الحكومة عن تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات، يظل السؤال الذي لا تجيب عنه الأرقام الرسمية بوضوح هو أين تقف حدود البيع، وما القطاعات التي تعتبرها الدولة غير قابلة للتفريط، وهل الأسمدة والطاقة والزراعة والموانئ أصول تجارية عادية أم أدوات مرتبطة بالأمن الاقتصادي.
إن استمرار هذا المسار دون رقابة عامة أو شفافية كاملة بشأن شروط الصفقات والتقييمات المالية وخطط المستثمرين يعني أن المصريين قد يكتشفون بعد سنوات أن شركات أنشئت بأموالهم وراكمت خبرات وأصولًا على مدار عقود انتقلت تدريجيًا إلى مساهمين أجانب مقابل دولارات استُهلكت سريعًا.
وفي النهاية لا تبدو أزمة الأسمدة المصرية مجرد أزمة أسعار أو نقص في حصص الجمعيات الزراعية، بل صورة مصغرة لسياسة اقتصادية أوسع تبيع الأصول الرابحة للحصول على سيولة عاجلة، وتمنح المستثمر الأجنبي حصة متزايدة من أرباح المستقبل، بينما يظل الفلاح والمستهلك والجنيه في مواجهة الفاتورة.

