منحت حرب أكتوبر 1973 الجيش المصري رصيدًا وطنيًا ضخمًا بعدما ارتبط اسمه بالعبور وكسر آثار هزيمة 1967 وفتح الطريق أمام استعادة سيناء، لكن ذلك الرصيد لم يبق داخل كتب التاريخ أو ميادين القتال، بل تحول تدريجيًا إلى شرعية سياسية استُخدمت لتبرير حضور المؤسسة العسكرية في قلب السلطة لعقود.
وكشفت السنوات التالية أن المسافة بين حماية الدولة والسيطرة على قرارها ظلت تضيق باستمرار، حتى أصبح السؤال في مصر ليس ما إذا كان للجيش دور سياسي، وإنما حجم المساحة التي بقيت أصلًا خارج نفوذه، بعد أن امتدت أدواره من الدفاع والأمن إلى الحكم والاقتصاد والتشريع وإدارة المشروعات الكبرى.
أكتوبر من رصيد وطني إلى شرعية سياسية
بدأ النفوذ السياسي للمؤسسة العسكرية قبل أكتوبر بسنوات طويلة، فمنذ حركة يوليو 1952 خرجت السلطة الجديدة من قلب الجيش، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى أحد أهم منابع النخبة الحاكمة، وظل الضباط السابقون في قمة الدولة عقودًا بينما بقيت فكرة الحكم المدني الكامل مؤجلة خلف شعارات الاستقرار والأمن وحماية الجمهورية.
لكن حرب أكتوبر أضافت عنصرًا أكثر قوة إلى هذه المعادلة، إذ لم يعد الجيش يستند فقط إلى كونه المؤسسة التي أنشأت نظام يوليو، وإنما إلى رصيد انتصار عسكري راسخ في الذاكرة الشعبية، وهو رصيد منح المؤسسة مساحة رمزية هائلة جعلت مساءلة دورها السياسي أكثر صعوبة كلما جرى خلط الجيش كقوة دفاعية بالسلطة كمنظومة حكم.
ومع مرور العقود تحولت ذكرى أكتوبر في الخطاب الرسمي من مناسبة للاحتفاء بجنود قاتلوا من أجل الأرض إلى جزء من سردية أوسع تضع المؤسسة العسكرية في موقع المنقذ والحارس والضامن، حتى باتت الحدود بين احترام الجيش وبين منحه حق التدخل في السياسة تُمحى عمدًا كلما دخلت الدولة أزمة أو واجه النظام تحديًا.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة، فالنصر الذي صنعه جنود قاتلوا لاستعادة أرض محتلة أصبح بعد نصف قرن مظلة رمزية يجري تحتها تثبيت نفوذ سياسي لا علاقة مباشرة له بالعبور أو الجبهة، وكأن تضحيات أكتوبر تحولت إلى شيك مفتوح يمنح المؤسسة حقًا دائمًا في تقرير من يحكم وكيف تُدار الدولة.
يناير كشف الحقيقة ويوليو حسمها
فجّرت ثورة يناير 2011 الاختبار الذي ظل مؤجلًا منذ قيام الجمهورية، فبعد رحيل حسني مبارك لم تنتقل إدارة البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة أو حكومة انتقالية مدنية، وإنما تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة الدولة مباشرة، لتظهر بوضوح حقيقة أن الجيش لم يكن بعيدًا عن مركز السلطة حتى عندما بدا خارج واجهتها اليومية.
وخلال المرحلة الانتقالية لم يقتصر دور المجلس العسكري على إدارة جدول زمني للانتخابات، بل امتلك سلطة التشريع وتحديد قواعد المرحلة وإدارة ملفاتها الرئيسية، بينما وثقت دراسات تلك الفترة سعي المؤسسة للحفاظ على وضعها الاستثنائي ومصالحها وصلاحياتها بعيدًا عن رقابة مدنية كاملة، وهو ما جعل انتقال السلطة منذ بدايته محكومًا بسقف عسكري واضح.
ثم جاءت انتخابات 2012 لتفتح نافذة قصيرة أمام تجربة حكم مدني منتخب، لكنها لم تستمر سوى عام واحد، وفي 3 يوليو 2013 انقلب الجيش على الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي بحجة احتجاجات شعبية، وجرى تعطيل الدستور وتشكيل سلطة انتقالية جديدة، في خطوة اعتبرها الاتحاد الأفريقي تغييرًا غير دستوري وقرر بسببها تعليق مشاركة مصر في أنشطته.
ولم يكن ما جرى مجرد تدخل مؤقت ينتهي بإعادة ترتيب المشهد السياسي ثم عودة القوات المسلحة إلى مهمتها الأصلية، بل أصبح نقطة انطلاق لمرحلة أكثر اتساعًا في نفوذ المؤسسة، قبل أن ينتقل عبد الفتاح السيسي من وزارة الدفاع إلى قمة السلطة في 2014 وتدخل مصر مرحلة أصبحت فيها العلاقة بين الجيش والحكم أكثر التصاقًا من أي وقت منذ عقود.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد وصف الجيش بأنه حارس للنظام السياسي مجرد تحليل نظري، فالتجربة نفسها أثبتت أن المؤسسة تملك القدرة الفعلية على حسم الصراع على السلطة عندما ترى أن المسار السياسي خرج عن الحدود التي تقبلها، وبذلك أصبح صندوق الانتخاب أحد عناصر السياسة وليس بالضرورة صاحب الكلمة الأخيرة فيها.
الأكثر دلالة أن المسألة لم تتوقف عند واقعة 2013، لأن تعديلات دستور 2019 أضافت إلى مهمة القوات المسلحة صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، وهي صياغة توسع المجال الدستوري للمؤسسة بعيدًا عن الوظيفة التقليدية المتعلقة بالدفاع عن الحدود وسلامة الأراضي.
وهكذا جرى تحويل مفهوم الحارس من خطاب سياسي إلى صياغات دستورية تثير سؤالًا لا يمكن الهروب منه، فإذا كانت المؤسسة العسكرية مكلفة بتحديد ما يحمي الديمقراطية ومدنية الدولة ومكتسبات الشعب، فمن يراقب تفسيرها لهذه المفاهيم ومن يملك الاعتراض إذا رأت القيادة العسكرية أن السلطة المدنية نفسها أصبحت خطرًا عليها.
من السياسة إلى اقتصاد الدولة
ولم يتوقف التمدد عند السياسة والدستور، فقد اتسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية بصورة كبيرة بعد 2013، وانتقلت جهاتها من مجالات إنتاج وخدمات ارتبطت تاريخيًا باحتياجات القوات المسلحة إلى قطاعات مدنية واسعة تشمل الإنشاءات والطرق والغذاء والزراعة والثروة السمكية والتعدين والإسكان وإدارة الأراضي ومشروعات البنية التحتية.
وتكشف دراسة اقتصادية منشورة في 2026 أن عدد الشركات العسكرية أكثر من تضاعف منذ 2013، وأن نحو ثلاثة أرباع الشركات العسكرية تعمل في إنتاج سلع وخدمات مدنية فقط، وهي أرقام تهدم الحجة القديمة التي كانت تبرر النشاط الاقتصادي باعتباره مجرد استغلال لطاقة إنتاجية فائضة في مصانع أنشئت أساسًا لخدمة الاحتياجات الدفاعية.
وأصبح النفوذ أكثر تعقيدًا لأن القضية لم تعد مجرد مصانع تبيع منتجات في الأسواق، بل امتدت إلى إدارة أراض ومشروعات عامة وعقود حكومية ومشروعات قومية ضخمة، بما منح الأجهزة العسكرية قدرة على التأثير في قطاعات اقتصادية كاملة بينما ينافس القطاع الخاص في بيئة لا تتساوى فيها أدوات المنافسة أو القدرة على الوصول إلى موارد الدولة.
وهنا يتحول سؤال أكتوبر من التاريخ إلى الاقتصاد والسياسة معًا، لأن المؤسسة التي اكتسبت شرعيتها الشعبية من الدفاع عن الأرض أصبحت بعد عقود طرفًا في إدارة الأرض والمشروعات والأسواق والسلطة، وهو تحول يجعل المقارنة بين جيش 1973 وموقع الجيش داخل دولة 2026 أكثر قسوة مما تسمح به الاحتفالات الرسمية.
فالجنود الذين عبروا قناة السويس لم يخوضوا الحرب لكي تصبح المؤسسة العسكرية شركة مقاولات أو لاعبًا تجاريًا أو حكمًا بين القوى السياسية، ولم يسقط الشهداء من أجل أن يصبح انتصارهم حجة جاهزة لمنع أي نقاش عام حول الحدود التي يجب أن تقف عندها المؤسسة المسلحة داخل دولة يفترض أنها مدنية.
كما أن احترام تضحيات أكتوبر لا يفرض على المصريين منح أي مؤسسة حصانة سياسية دائمة، فالوطن لا يُختزل في مؤسسة والدولة ليست ثكنة والمجتمع ليس وحدة عسكرية، وأقوى الجيوش ليست تلك التي تحكم الأسواق والوزارات والسياسة وإنما تلك التي تحمي البلاد بينما تظل السلطة خاضعة لإرادة المواطنين والقانون والمحاسبة.
بعد ثلاثة وخمسين عامًا من حرب أكتوبر تبدو المفارقة شديدة الوضوح، فقد استُعيدت سيناء لكن المؤسسة التي خاضت الحرب لم تعد إلى حدود الوظيفة العسكرية وحدها، بل ازدادت قدرتها على التأثير في اختيار مسار الدولة وعلى إدارة قطاعات واسعة منها وعلى حماية وضع سياسي واقتصادي أصبح جزءًا من بنيتها ومصالحها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في ذكرى أكتوبر ليس ماذا بقي من الانتصار، فالأرض التي استعيدت والدم الذي دُفع لا يحتاجان إلى إثبات، وإنما ماذا حدث للمؤسسة التي صنعت ذلك الانتصار حين انتقلت من حماية الحدود إلى قلب السلطة، ومن مواجهة جيش أجنبي إلى امتلاك الكلمة الأثقل في الصراع السياسي الداخلي.
لقد بقي من أكتوبر مجد الجنود وتضحياتهم وعبورهم، لكن السلطة صنعت من هذا المجد سردية أخرى تجعل الجيش حاضرًا كلما دار الحديث عن الحكم والاستقرار والسيادة والاقتصاد، حتى أصبح فصل المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي يبدو في الخطاب الرسمي كأنه تهديد للدولة لا شرطًا طبيعيًا لبناء دولة مدنية حقيقية.
والخلاصة الأكثر قسوة أن مصر لم تنتقل خلال نصف قرن من جيش انتصر في حرب إلى دولة مدنية يحميها جيش محترف، بل انتقلت إلى نموذج بقي فيه الجيش فوق كثير من معادلات السياسة، ثم توسع بعد 2013 حتى دخل الاقتصاد والدستور والإدارة، ليصبح السؤال اليوم ليس ماذا بقي للجيش في السياسة، بل ماذا بقي من السياسة خارج الجيش.

