ياسين التميمي

كاتب صحفي وباحث سياسي يمني

 

لأول مرة يجري الحديث صراحة عن عملية عسكرية واسعة وشيكة تحت إشراف سعودي ومشاركة لوجستية دولية وإقليمية، وتعرض خلاله سيناريوهات المعركة ومساراتها ومسرح عملياتها، وسط ترجيحات بأن تكون منطقة باب المندب والخط الساحلي ميدانها المحتمل الأول، وربما تندلع عبر مسارات أخرى في وسط البلاد ضمن مخطط للوصول إلى صنعاء، على نحو أنعش الآمال بإمكانية خروج اليمن من براثن حرب استنزاف أهلية أكثر من يدفع ثمنها في هذه الأثناء محافظة تعز وتشاركها جبهات عديدة أبرزها جبهتا مأرب والجوف.

 

يمثل الموقع الجيوسياسي لمحافظة تعز وفي القلب منه باب المندب، محور الارتكاز للحرب الدائرة حاليًا، والتي يمكن وصفها بأنها من أقسى الحروب الأهلية اليمنية استنزافًا، وأسرعها في إنتاج مآسي النزوح والكلف الاقتصادية والإنسانية العالية التي يدفعها عشرات آلاف الناس الذين أجبروا على مغادرة منازلهم؛ في قرى تحولت إلى مسرح لمواجهات واشتباكات لا يمكن معها بقاء المدنيين في بيوتهم ومزارعهم وأرزاقهم ليتحولوا إلى عبء إضافي على إمكانيات منهكة وغياب للتدخلات الإنسانية من قبل الوكالات الدولية، في حين اضطر الآلاف إلى ترك المناطق التي وقعت تحت سيطرة الحوثيين، لتجنب الممارسات وأعمال التنكيل التي يقوم بها الحوثيون ضد المدنيين على نحو ما يكشف عنه سجلهم السيئ جدًا في أكثر من منطقة يمنية خلال العقد ونيف الماضي.

 

قدر الجغرافيا استدعى هذه الجولة المميتة من الحرب في محافظة تعز، لكن ثمة أسباب تساهم في استدامة هذه الحرب، وارتفاع كلفها، وفي مقدمة هذه الأسباب، قلة عدد المقاتلين المتفرغين، وانعدام السلاح، وعدم وجود خطوط إمداد مفتوحة، وانعدام الأفق بشأن طبيعة الدور الحكومي في هذه الحرب.

 

وأود هنا أن أضيء على هذه العوامل، خصوصًا ما يتعلق منها بالعنصر البشري المقاتل في محافظة تعز، التي أدى رجالها دورًا حاسمًا في معارك الدفاع الثورة والجمهورية في ستينيات القرن الماضي، عندما انتظموا كمتطوعين متحمسين في إطار كتائب الحرس الوطني المساند للقوات المسلحة، ثم تحولوا إلى نواة الجيش اليمني الحديث عبر وحدات النخبة من قوات الصاعقة والمظلات والتي لعبت دورًا أساسيًا في كسر حصار صنعاء وحسم الحرب لصالح الجمهورية.

 

ثمة مفارقة بشأن تعز هذه الأيام، ففي الوقت الذي تمثل فيه تعز الكتلة السكانية الأكبر على مستوى اليمن، وأكبر مخزن بشري للمتعلمين وحملة الشهادات الجامعية والأكاديمية العليا، وذوي المهارات الفنية والإدارية والعمالة في المهن المختلفة مما حولها إلى أكبر رافد لتشغيل القطاعات الإدارية والاقتصادية والخدمية على مستوى اليمن، فإن تعز اليوم تعاني من نقص في عدد المقاتلين المحترفين والمقاومين المتفرغين، فمعظم قرى تعز شبه فارغة من الشباب والرجال في معظم أيام السنة عدا الإجازات، لهذا تبدو المقاومة الأهلية الشرسة للحوثيين في مناطق تعز هذه الأيام، إنجازًا استثنائيًا.

 

خلال سنوات الحرب تحول الالتحاق بالوحدات والتشكيلات العسكرية المتعددة، إلى أحد الحلول الضرورية لاستيعاب بعض شباب المحافظة، وقد التحق الآلاف منهم في التشكيلات العسكرية لكن معظمهم يرابط في محافظات أخرى بعيدة وفي أقصى شمال اليمن، وهناك صعوبة لوجستية ومخاطر تحول دون قدومهم إلى تعز هذه الأيام.

 

أما الذين التحقوا بقوات محور تعز وتشكيلات أخرى قريبة من المحافظة، إلى جانب المقاومة الشعبية، هم من يقوم الجهد القتالي الرئيس في جبهات تعز، ويشكلون فارقًا إلى جانب جهد الأهالي. لكن يبقى نقص المورد البشري المقاتل مع غياب السلاح النوعي عاملًا معيقًا في وقف حرب الاستنزاف في تعز، ذلك أن أي تقدم من جانب مقاتلي الحوثي مهما كان عددهم، مع وجود الأسلحة النوعية والقدرة على الإمداد المتواصل من أبعد نقطة تخضع لسيطرتهم، يُحدث فارقًا خصوصًا إذا كان التقدم في مناطق لا يغطيها المقاتلون المتعززون بالدعم التسليحي الكافي.

 

تميزت الحرب الدائرة في اليمن بالامتياز النرجسي للقوى الخارجية المتحكمة بها، إلى حد أحدث شللًا خطيرًا في قدرة السلطة الشرعية على بناء ما تهدم من الثقة مع الشعب خلال السنوات الماضية، نتيجة التنازلات الكارثية من قبل قيادات عليا تصرفت بأنانية ونرجسية وسوء تقدير وربما بخبث وأجندات شخصية وجهوية. هذا الأمر أبقى الأهداف المعلنة المتصلة باستعادة الدولة ضمن معركة وطنية حقيقية بواسطة قوات يمنية تتشارك الإيمان بوحدة اليمن واستقراره، بعيدة المنال.

 

وهنا تكمن أهمية الأخبار التي تتحدث عن قرب المعركة الشاملة، التي من المؤكد أنها ستتم استنادًا إلى جهد ميداني يمني بعشرات آلاف الجنود، وبإسناد حلفاء عسكريين أقوياء، يقفون معنا على أرضية مشتركة من الشعور بالمخاطر المحدقة الناتجة عن تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين السيئين وبأجندات معادية، وتنامي النفوذ العسكري لإيران في جنوب شبه الجزيرة العربية عبر الحوثيين، وهو النفوذ الذي صُنع بفضل التنازلات والخذلان والحسابات الإقليمية الخاطئة.