تتفاقم معاناة أهالي القليوبية مع استمرار إغلاق بنك الدم التابع لجمعية الهلال الأحمر في بنها منذ منتصف أغسطس، بعدما تحول توقف منشأة حيوية إلى أزمة يومية لمرضى الأورام والفشل الكلوي والحالات الحرجة.
وتتزايد الضغوط على المرضى وذويهم مع امتداد الإغلاق لأكثر من أربعين يومًا، رغم إعلان إدارة البنك تلافي الملاحظات الفنية والإدارية، بينما تظل إجراءات إعادة التشغيل معلقة في انتظار استكمال موافقات إدارية جديدة.
أربعون يوما والأبواب مغلقة
وفي بداية الأزمة، جاء قرار إغلاق بنك الدم على خلفية ملاحظات فنية وإدارية سجلتها الجهات الرقابية، بما استدعى وقف العمل لحين استيفاء الاشتراطات المطلوبة وضمان سلامة الخدمات المقدمة للمرضى والمتبرعين.
لكن إدارة البنك أكدت لاحقًا أنها انتهت من معالجة جميع الملاحظات التي أدت إلى الإغلاق، وأن المنشأة أصبحت مستوفية للمتطلبات الفنية والإدارية اللازمة لاستئناف تقديم خدماتها بصورة طبيعية.
ومع ذلك، استمر الإغلاق رغم انتهاء أعمال التصحيح وإجراء المعاينات اللازمة، لتتحول المشكلة من معالجة ملاحظات فنية إلى انتظار إجراءات وموافقات تحول دون إعادة تشغيل الخدمة في موعد سريع.
وفي المقابل، يواجه أهالي بنها ومدن القليوبية صعوبة متزايدة في الحصول على مكونات الدم، خصوصًا الصفائح الدموية والفصائل النادرة التي يحتاجها مرضى الأورام والحالات الخاضعة للعلاج بصورة منتظمة.
كما يضطر عدد من الأسر إلى الانتقال بين مستشفيات ومراكز متعددة بحثًا عن أكياس الدم ومشتقاته، في رحلة قد تستغرق ساعات بينما تكون بعض الحالات في حاجة عاجلة إلى نقل الدم.
ومن ناحية أخرى، يضاعف الضغط على البدائل المتاحة من حجم الأزمة، إذ يؤدي انتقال مترددي بنك الهلال الأحمر إلى منشآت أخرى إلى زيادة الطلب على مخزوناتها المحدودة وإطالة زمن البحث والانتظار.
وفوق ذلك، يمثل استمرار إغلاق بنك يعمل منذ سنوات داخل المحافظة خسارة لخدمة اعتاد المرضى الاعتماد عليها، خاصة مع توفيره مكونات الدم بأسعار مناسبة مقارنة ببعض البدائل المتاحة أمام الأسر.
ولهذا، تحولت الأربعون يومًا من رقم إداري في ملف الإغلاق إلى أيام ثقيلة على مرضى يحتاجون الخدمة بصورة متكررة، ولا تسمح حالتهم الصحية بانتظار انتهاء دورة طويلة من المخاطبات والموافقات.
البيروقراطية تعطل عودة الخدمة
وفي تطور الأزمة، تقدمت إدارة بنك الدم بشكوى رسمية إلى وزير الصحة، أكدت خلالها معالجة أسباب الإغلاق واستيفاء الملاحظات، مطالبة بالتدخل لإنهاء الإجراءات التي تحول دون استئناف العمل.
وبحسب ما أعلنته الإدارة، أصبح استمرار التوقف مرتبطًا باشتراط الحصول على موافقة خطية من محافظ القليوبية، بعدما انتهت الإجراءات المتعلقة بالملاحظات الفنية التي كانت السبب الأصلي وراء وقف النشاط.
ومن ثم، يثير استمرار الإغلاق تساؤلات حول المدة التي تحتاجها جهة طبية حيوية للعودة إلى العمل بعد استيفاء الاشتراطات، خصوصًا عندما تكون الخدمة مرتبطة مباشرة بحالات مرضية لا تحتمل التأخير.
وفي الوقت نفسه، يطالب الأهالي بعدم تحويل المسارات الإدارية إلى حاجز أمام الحصول على الدم، معتبرين أن سرعة الإجراءات في مثل هذه المنشآت يجب أن تتناسب مع طبيعتها الطبية والإنسانية.
كما يطالبون بتكليف جهة محايدة بمراجعة موقف البنك بصورة عاجلة، للتأكد من استيفاء جميع شروط التشغيل وحسم أي خلاف بين الجهات الإدارية بعيدًا عن استمرار تعليق الخدمة إلى أجل غير محدد.
وبالتوازي، تبرز مطالب بالتحقيق في أسباب استغراق إعادة التشغيل أكثر من أربعين يومًا، وتحديد المرحلة التي توقفت عندها الإجراءات، والجهة المسؤولة عن تأخر إصدار القرار النهائي رغم انتهاء المعاينات.
ومن جانب آخر، فإن وجود ملاحظات رقابية يستوجب معالجتها بصرامة حفاظًا على سلامة الدم، لكن إنهاء هذه الملاحظات يفترض أن يتبعه مسار سريع وواضح لإعادة الخدمة فور التأكد من استيفاء المعايير.
وعلى هذا الأساس، تبدو القضية مرتبطة بالتوازن بين الرقابة الصحية الضرورية وعدم ترك الإجراءات الإدارية تعطل منشأة بعد زوال أسباب إغلاقها، بينما يدفع المرضى وحدهم تكلفة كل يوم إضافي من التوقف.
وفي الأثناء، يجدد المواطنون مطالبهم لوزير الصحة ومحافظ القليوبية بإنهاء الأزمة، مؤكدين أن إعادة التشغيل يجب ألا تنتظر مزيدًا من الوقت إذا أثبتت المعاينات بالفعل استيفاء البنك للاشتراطات المطلوبة.
أربعة آلاف كيس مهددة
وفي خلفية الأزمة، يمثل بنك الدم في بنها جزءًا من شبكة بنوك الهلال الأحمر التي بدأ نشاطها قبل أكثر من خمسين عامًا، بالتزامن مع حرب أكتوبر عام 1973.
كما يعد البنك واحدًا من خمسة بنوك دم تابعة للجمعية، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز مدينة بنها نفسها، إذ تمتد خدماته إلى مرضى ومستشفيات داخل القليوبية ومحافظات مجاورة.
وبحسب حجم نشاطه المعلن، يساهم البنك في توفير نحو أربعة آلاف كيس لدعم الاحتياجات الطبية، إلى جانب توفير مشتقات حيوية تشمل الصفائح الدموية والبلازما للحالات التي تحتاجها بصورة عاجلة.
ولهذا، فإن توقف منشأة بهذا الحجم لأكثر من أربعين يومًا لا يقتصر أثره على المترددين عليها مباشرة، بل ينقل جزءًا من الطلب إلى بنوك أخرى ويزيد الضغط على منظومة الإمداد.
وفي المقابل، يحتاج مرضى الأورام بصفة خاصة إلى الصفائح الدموية بصورة متكررة خلال مراحل العلاج، ما يجعل استقرار مصادر الحصول عليها عنصرًا أساسيًا في استمرار الجداول العلاجية دون اضطرابات إضافية.
كذلك تعتمد بعض حالات الفشل الكلوي والحوادث والجراحات الكبرى على توفير الدم ومشتقاته في توقيتات محددة، ولذلك يمكن أن يتحول البحث عن فصيلة أو مكون نادر إلى سباق مع الوقت.
ومن جهة أخرى، يفترض أن يكون الحفاظ على سلامة أكياس الدم وجودتها أولوية لا تقبل التهاون، وهو ما يجعل الرقابة الفنية ضرورية، لكنه يجعل كذلك سرعة إعادة التشغيل بعد التصحيح ضرورة موازية.
وعلاوة على ذلك، فإن استمرار المنشأة مغلقة بعد إعلان معالجة المخالفات يبدد جانبًا من طاقتها البشرية والتشغيلية، ويحرم المحافظة من مورد طبي قائم في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية.
وبالتالي، يصبح المطلوب حسمًا واضحًا لموقف البنك، إما بإعلان وجود اشتراطات فنية ما زالت غير مستوفاة وتحديدها، أو السماح بإعادة التشغيل إذا انتهت أسباب الإغلاق وفق المعايير المعتمدة.
وفي السياق نفسه، يحتاج الأهالي إلى معلومات واضحة بشأن موعد عودة الخدمة، بدل استمرار حالة عدم اليقين التي تجبرهم على البحث يوميًا عن بدائل قد تكون بعيدة أو مزدحمة أو غير متاحة.
وأخيرًا، يضع استمرار إغلاق بنك دم الهلال الأحمر ببنها الجهات المعنية أمام مسؤولية عاجلة، لأن كل يوم إضافي لا يعني تعطيل أوراق فقط، بل يعني مريضًا جديدًا يبحث عن دم قد يتوقف عليه علاجه أو حياته.

