يتباهى المسؤولون بتضاعف إنتاج الهواتف المحمولة في مصر، بينما يواجه المشترون أسعارًا تقفز حتى في الأجهزة المجمعة محليًا. ومع اتساع المصانع، يبقى السؤال الذي تجاهلته أرقام الإنتاج حاضرًا أمام كل أسرة تحتاج إلى هاتف جديد.

 

وتضع بيانات النصف الأول من 2026 وعود تقليص الاعتماد على الخارج أمام اختبار صعب؛ فقد بلغت واردات أجهزة الهاتف والاتصال نحو 946.55 مليون دولار، بزيادة 19.25%، فيما تجاوزت فاتورة المكونات ومستلزمات الإنتاج 500 مليون دولار.

 

 

مصانع تتوسع والاعتماد يتواصل

 

وبحسب وزارة الاتصالات، ارتفع الإنتاج من ثلاثة ملايين هاتف في 2024 إلى عشرة ملايين في 2025، مع استهداف إنتاج يتراوح بين 14 و15 مليونًا خلال 2026، مقابل طلب محلي يقدر بنحو 18 إلى 20 مليون جهاز.

 

لكن عدّ الأجهزة الخارجة من خطوط الإنتاج لا يجيب عن سؤال القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المصري. فإذا ظلت المكونات الأعلى تكلفة مستوردة، فإن زيادة التجميع وحدها لا تحمي الأسعار من تقلب الدولار.

 

وفي هذا السياق، يلفت الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار، إلى أن المصانع لا تزال في مرحلة تجميع المكونات، ويرى أن مراجعة الرسوم والسياسات الحالية ضرورية حتى لا يتحمل المستهلك وحده تكلفة تشجيع الصناعة.

 

كما يضع تضخم فاتورة مستلزمات الإنتاج حدودًا للحديث عن الاستقلال الصناعي. فالمصنع الذي يحتاج إلى مكونات مستوردة لكل دفعة إنتاج سيظل ينقل أثر العملة والشحن والضرائب إلى سعر الهاتف النهائي.

 

وفوق ذلك، لا تعني الطاقة الإنتاجية المعلنة أن كل هاتف يحتاج إليه السوق صار متاحًا بسعر مناسب. معيار النجاح لا يقف عند تشغيل الخطوط، بل يمتد إلى تنوع الطرازات وقدرة الأسر على شرائها.

 

ولذلك يصبح إعلان نسب مرتفعة للمكوّن المحلي بحاجة إلى بيان واضح لطريقة حسابها، خاصة مع اختلاف التقديرات المنشورة. فغياب التفصيل يسمح بتقديم حجم التجميع على أنه عمق صناعي أكبر مما تثبته حركة الواردات.

 

وفي النهاية، قد تخلق المصانع وظائف وتختصر استيراد أجهزة كاملة، لكن هذه المكاسب لا تمنح الحكومة صكًا مفتوحًا لحماية السوق من المنافسة بينما تبقى فاتورة الشراء مرتفعة على المواطنين.

 

 

الحماية تتحول إلى فاتورة

 

وعلى جانب الأسعار، طالت الزيادات أجهزة تُطرح بوصفها ثمرة للتصنيع المحلي. وسجلت بعض هواتف الفئة الاقتصادية زيادات بلغت 63.6%، ووصلت الزيادة في طرازات متوسطة إلى 78.1% منذ بداية 2026.

 

وبدل أن يشعر المشتري بأثر اتساع الإنتاج، صار مضطرًا إلى تأجيل الاستبدال أو النزول إلى فئة أقل. هكذا يتحول الهاتف، وهو أداة للدراسة والعمل والخدمات، إلى عبء أكبر على ميزانية الأسرة.

 

وفي تفسير هذه المفارقة، يقول وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن بعض الشركات المنتجة محليًا رفعت الأسعار ثم أوقفت البيع للتجار، مطالبًا بخفض الرسوم على مستلزمات الإنتاج ومراقبة التسعير.

 

ومع حصول المصانع على حوافز لتشجيع الإنتاج، يصبح من حق المشترين معرفة أثرها على التكلفة والسعر. فلا يكفي منح الامتيازات باسم الصناعة ثم ترك ثمارها رهينة قرارات الشركات وحدها.

 

كذلك لا تفسر زيادة أسعار الرقائق والشحن كل فارق بين هاتف يُباع في مصر ومثيله خارجها. فحين تُضيق خيارات الشراء البديلة، تكتسب الشركات المحلية قدرة أوسع على تمرير الزيادات إلى المستهلك.

 

وبينما تدعو الحكومة إلى شراء المنتج المحلي، لا يجد المشتري ضمانًا مماثلًا لسعر عادل. وإذا كانت الحماية شرطًا لنمو المصانع، فلا يجوز أن تصبح غطاءً دائمًا لرفع الأسعار دون مراجعة علنية للتكاليف.

 

ومن ثم، يحتاج قياس نجاح التوطين إلى مقارنة أسعار الطراز نفسه عبر الأسواق، وفحص أثر الحوافز والضرائب وهوامش الربح. أما الاكتفاء بعدد الأجهزة المنتجة فيحجب ما يدفعه الناس فعلًا عند منافذ البيع.

 

وعند هذه النقطة، تتحول عبارة «صنع في مصر» من وعد بتخفيف العبء إلى سؤال محرج: لماذا يرتفع ثمن الهاتف أمام المصريين بهذه الحدة، بينما يُطلب منهم اعتبار زيادة الإنتاج مكسبًا يخصهم؟

 

 

رسوم الخارج تضيق خيارات المشترين

 

ومنذ انتهاء الإعفاء الاستثنائي للهاتف الوارد بصحبة راكب في يناير 2026، أصبح تسجيل الأجهزة وسداد الرسوم عبر منظومة «تليفوني» جزءًا من حساب الشراء. وتتيح القواعد مهلة تصل إلى 90 يومًا من أول تفعيل.

 

لكن المهلة تؤجل السداد ولا تخفض قيمة الفاتورة. فالمشتري الذي يقارن سعر جهاز في الخارج بسعره محليًا يضطر إلى إدخال الضرائب والرسوم في حسابه قبل اتخاذ القرار.

 

وفي هذا الملف، يرى محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن الرسوم التي تبلغ نحو 38.5% تحتاج إلى إعادة نظر، بعدما ساهم الغلاء في تراجع المبيعات ودفع مستهلكين نحو الأجهزة المستعملة.

 

وعلاوة على ذلك، تتحمل بعض الطرازات غير المنتجة محليًا الرسوم نفسها. وهنا تفقد الحماية جزءًا من مبررها الصناعي، لأن العبء يقع على مشترٍ لا يجد أصلًا بديلًا محليًا للجهاز الذي يريده.

 

وفي السوق، لا يظهر أثر الغلاء في قوائم الأسعار وحدها؛ بل في هاتف قديم يُعاد تداوله داخل الأسرة، أو جهاز مستعمل يصبح الخيار المتاح لمن لم يعد يستطيع دفع ثمن الجديد.

 

ومع استمرار ارتفاع الواردات، تبدو سياسة التضييق على الشراء الفردي عاجزة وحدها عن إنهاء الاعتماد على الخارج. فالاستيراد يعود عبر المكونات، بينما يُحاصر المستهلك بين سعر محلي مرتفع ورسوم إضافية على البديل.

 

ولهذا لا يكفي الوعد بمركز إقليمي لتصدير الهواتف ما دامت السوق المحلية تختبر النتيجة المعاكسة. الصناعة التي تستحق الحماية هي التي تعمّق إنتاج المكونات، وتنافس بسعرها، وترد جزءًا من مكاسبها إلى المشترين.

 

وفي غياب ذلك، ستواصل أرقام الإنتاج الصعود على الورق، بينما يتراجع عدد القادرين على شراء هاتف مناسب. تلك هي الفاتورة التي لا تظهر في احتفالات افتتاح المصانع، ويدفعها المصريون عند كل محاولة للشراء.