طرح المستثمر الأمريكي الشهير والملياردير وارن بافيت عام 1997 تجربة ذهنية لتوضيح الدور الذي يؤديه الحظ في حياة الإنسان. تخيل، كما يقول بافيت، أنك قبل ولادتك بـ24 ساعة، وأن جنيًا يمنحك فرصة تصميم القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الذي ستعيش فيه، لكنك لا تعرف ما إذا كنت ستولد غنيًا أم فقيرًا، رجلًا أم امرأة، سليمًا أم من ذوي الإعاقة، أو في الولايات المتحدة أم أفغانستان. كل ما تعرفه أنك ستسحب كرة واحدة من برميل يضم 5.8 مليار كرة، وهذه الكرة ستحدد مكانك في الحياة.
ويرى جيمس كلير، الكاتب المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتحسين المستمر، أن الحظ يفسر جانبًا مهمًا من النجاح، لكنه لا يلغي دور ما يستطيع الإنسان التحكم فيه: العمل والاختيارات والعادات.
قصة تو يويو.. حين يحول الإصرار اكتشافًا إلى إنجاز
يقدم كلير قصة العالمة الصينية تو يويو مثالًا على الجانب الآخر من المعادلة. ففي عام 1969، ترأست تو فريقًا بحثيًا سريًا عُرف باسم «المشروع 523» لتطوير علاج للملاريا. وبعد دراسة مئات النباتات وآلاف العلاجات المحتملة وإجراء تجارب متكررة، اكتشف فريقها أن مستخلص نبات الشيح الحلو قد يكون فعالًا، لكنه لم يكن يعمل بصورة ثابتة.
عادت تو إلى نتائج التجارب والنصوص الطبية القديمة حتى عثرت على إشارة إلى أن الحرارة المرتفعة تدمر المادة الفعالة في النبات. غيّرت طريقة الاستخلاص، ونجحت في تطوير علاج الأرتيميسينين. وعندما تعذر إجراء التجارب البشرية داخل الصين، تطوعت لتجربة الدواء بنفسها مع اثنين من زملائها.
واصلت تو أبحاثها رغم القيود التي أخرت نشر اكتشافها، حتى وصل العلاج إلى العالم وأصبح لاحقًا أحد أهم أدوات مكافحة الملاريا. ويُعتقد أن استخدامه أسهم في إنقاذ ملايين الأرواح، كما حصلت تو على جائزة نوبل في الطب.
لا يرى كلير أن قصة تو دليل على غياب الحظ، بل على أن الفرصة وحدها لا تكفي. فقد واجهت الباحثة سنوات من التجارب الفاشلة والقيود والعقبات، لكن استمرارها في البحث منحها فرصة الوصول إلى اكتشاف استثنائي.
النجاح المطلق حظ.. والنجاح النسبي عمل واختيارات
يرى كلير أن الحظ يصبح أكثر أهمية عندما نقيس النجاح بصورة مطلقة، أي عندما نقارن شخصًا واحدًا بأفضل الناجحين في العالم. فالوصول إلى نتائج استثنائية يتطلب عادة مزيجًا يصعب تكراره من الجينات المناسبة، والتوقيت المناسب، والعلاقات والفرص والظروف التي لا يستطيع الإنسان التحكم فيها.
لكن الصورة تختلف عندما نقارن أشخاصًا عاشوا ظروفًا متقاربة. فقد يحصل ملايين الأشخاص على مستويات متشابهة من التعليم، وينشأون في أحياء متقاربة، ويمتلكون قدرات متشابهة، ثم يحققون نتائج مختلفة. عندها تصبح العادات والقرارات والجهد عوامل أكثر وضوحًا في تفسير الفارق.
ولهذا يختصر كلير الفكرة في قاعدة أساسية: النجاح المطلق حظ، أما النجاح النسبي فتشكله الاختيارات والعادات.
ويضيف منظورًا آخر يعتمد على الزمن. فقد تحدد ظروف الولادة نقطة البداية، لكن الإنسان يستطيع التأثير في مسار نجاحه من خلال عاداته وقراراته. لذلك لا ينبغي أن ينشغل الإنسان فقط بمكانه الحالي، بل بالاتجاه الذي يسير فيه.
وقد لا تكفي هذه القاعدة دائمًا؛ فالمرض أو الأزمات الاقتصادية أو الظروف الاستثنائية قد تغير مسار الحياة، كما قد تمنح المصادفة بعض الأشخاص مزايا تستمر لسنوات. لكن مع مرور الوقت، يزداد دور العمل الجاد في الحفاظ على الفرص وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
وينطبق ذلك حتى على أصحاب الحظ الجيد. فقد استفاد بيل جيتس من توقيت تأسيس مايكروسوفت في لحظة مهمة من تاريخ صناعة الكمبيوتر، لكن تلك الفرصة ما كانت لتتحول إلى نجاح طويل الأمد من دون عقود من العمل.
كيف تزيد فرصك في الاستفادة من الحظ؟
لا يستطيع الإنسان التحكم في الحظ، لكنه يستطيع زيادة فرصه في مواجهته والاستفادة منه. ويستشهد كلير بعالم الرياضيات ومهندس الحاسوب ريتشارد هامنج الذي رأى أن العقل المستعد سيجد عاجلًا أم آجلًا شيئًا مهمًا ويعرف كيف يستفيد منه.
فالإنسان الذي يتحرك ويجرب ويتعلم ويبحث عن الفرص يوسع مساحة احتمالات النجاح أمامه. وقد يفشل في محاولات كثيرة، لكنه في المقابل يمنح نفسه فرصًا أكثر للوصول إلى نتيجة استثنائية.
وتلخص مقولة لاعب الجولف الشهير جاري بلاير الفكرة ببساطة: «كلما تدربت أكثر، أصبح حظي أفضل.»
في النهاية، لا يمكننا اختيار نقطة البداية، ولا التحكم في كل الظروف التي تحيط بنا، لكن يمكننا التحكم في استعدادنا وجهدنا وعاداتنا. قد يمنح الحظ الإنسان فرصة، لكن العمل الجاد هو ما يساعده على التعرف إليها واستثمارها والحفاظ على نتائجها.
https://jamesclear.com/luck-vs-hard-work

