لم تكن رحلة منى فيصل، المعروفة بين طلابها باسم «ميس منى»، طريقًا مستقيمًا نحو مهنة التدريس، بل بدأت بحلم مختلف قبل نحو 35 عامًا، حين كانت ابنة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية تتطلع إلى دراسة الصيدلة. إلا أن مجموعها في الثانوية العامة قادها إلى كلية العلوم، لتجد نفسها أمام تخصص لم يكن في مقدمة أحلامها، قبل أن تتحول الكيمياء مع مرور الوقت إلى المجال الذي أحبته وتعلقت به.

 

تقبلت منى واقعها الجديد، وبدأت دراسة الكيمياء بشغف، واضعة أمامها هدفًا آخر يتمثل في استكمال دراستها والحصول يومًا ما على درجة الدكتوراه. وبعد التخرج والزواج، عملت معلمة للكيمياء في إحدى المدارس الخاصة، وبدأت رحلة طويلة مع الطلاب، لكنها لم تستمر بالصورة التي كانت تتخيلها، بعدما فرضت عليها مسؤوليات الأسرة وتربية أبنائها ظروفًا جديدة.

 

اليوم، تبلغ منى 55 عامًا، وهي أم لخمسة أبناء، أربع بنات وولد. ومع اتساع مسؤولياتها الأسرية، تراجع حلمها الأكاديمي تدريجيًا، قبل أن تضطر إلى ترك التدريس بصورة شبه كاملة عندما احتاجت ابنتها الصغرى إلى رعاية مستمرة بسبب مشكلة صحية في الدماغ.

 

لكن ابتعادها عن المدرسة لم يكن يعني انتهاء علاقتها بالتدريس أو بالكيمياء. فقد ظلت تبحث عن مساحة تعود من خلالها إلى المهنة التي أحبتها، حتى وجدت في الدروس الخاصة ثم المنصات الإلكترونية طريقًا جديدًا للعودة إلى الطلاب.

 

 

من حلم الصيدلة إلى حب الكيمياء

 

لم يكن دخول منى كلية العلوم هو الاختيار الذي خططت له في البداية، لكنها سرعان ما تعاملت مع الأمر باعتباره فرصة جديدة. أحبت الكيمياء وبدأت تنظر إليها باعتبارها مجالًا يمكن أن تصنع فيه شيئًا لنفسها، كما كانت تحلم باستكمال مشوارها العلمي وصولًا إلى الدكتوراه.

 

بعد الزواج، بدأت العمل معلمة للكيمياء في مدرسة خاصة، قبل أن تتسع دائرة مسؤولياتها الأسرية. ومع إنجاب أبنائها الخمسة، أصبح التوفيق بين العمل والأسرة أكثر صعوبة، خصوصًا مع احتياج ابنتها الصغرى إلى رعاية خاصة.

 

اضطرت منى في النهاية إلى ترك التدريس، والابتعاد عن أجواء المدرسة والطلاب، لكن علاقتها بالكيمياء لم تنقطع. وبعد فترة، بدأت تعطي دروسًا خاصة لمجموعات صغيرة، مستفيدة من الوقت الذي يسمح لها بالجمع بين العمل ورعاية أسرتها.

 

وتقول منى إن يومي الجمعة والسبت كانا يمثلان بالنسبة إليها مساحة للعودة إلى التدريس، إذ كان زوجها توفيق، ابن عمها، في إجازته خلال هذين اليومين، فيتمكن من رعاية الأبناء بينما تذهب هي إلى طلابها.

 

 

زوجها منحها فرصة الاستمرار

 

تروي منى أن زواجها من توفيق لم يبدأ بقصة حب، لكن سنوات العشرة والمواقف المشتركة صنعت بينهما علاقة مختلفة، تحولت مع الوقت إلى حب عميق ودعم متبادل.

 

وترى أن وجود زوجها إلى جانبها كان أحد الأسباب الرئيسية التي مكنتها من الاستمرار في العمل الذي تحبه، خصوصًا بعد ترك المدرسة. ففي الوقت الذي كانت تتحمل فيه مسؤوليات البيت ورعاية أبنائها، كان توفيق يوفر لها مساحة محدودة تستطيع خلالها العودة إلى الطلاب وممارسة التدريس.

 

وتقول إن إعطاء الدروس يومي الجمعة والسبت لم يكن مجرد عمل إضافي، بل كان وسيلتها لاستعادة جزء من حياتها المهنية. كانت تعود من تلك الساعات بطاقة جديدة تساعدها على استكمال مسؤولياتها الأسرية طوال بقية أيام الأسبوع.

 

ولم تغادر منى شبرا الخيمة طوال حياتها؛ فيها نشأت وتعلمت، ومنها بدأت رحلتها مع التدريس، ولا تزال حتى اليوم تلتقي بطلاب من أبناء المنطقة.

 

وتربط منى بين نشأتها في الحي العمالي القديم وبين الطريقة التي تنظر بها إلى الحياة والتعليم. فقد عاشت في بيئة شهدت مظاهرات وحراكًا عماليًا، وترى أن تلك الأجواء رسخت لديها فكرة مساعدة الآخرين وتقديم العطاء قبل التفكير فيما يمكن الحصول عليه.

 

وتقول إن هذه القيم لم تتوقف عند أبنائها، بل امتدت إلى طلابها الذين تعتبرهم جزءًا من رحلتها الطويلة في التعليم.

 

 

من المجموعات الصغيرة للمنصات

 

بدأت علاقة منى بالطلاب من خلال مجموعات صغيرة للدروس الخاصة، ثم توسعت تدريجيًا لتصل إلى مجموعات أكبر ومراكز تعليمية، قبل أن تنتقل في مرحلة لاحقة إلى العالم الرقمي.

 

وخلال السنوات الماضية، لم تعد تجربتها مقتصرة على الطلاب الذين يعيشون في شبرا الخيمة أو المناطق المحيطة بها، إذ أصبحت مقاطعها التعليمية تصل إلى طلاب من محافظات مختلفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وقبل نحو عامين، بدأت منى نشر مقاطع فيديو لشرح الكيمياء عبر تيك توك وفيسبوك، بهدف مساعدة الطلاب وتقديم شرح مبسط للمادة. لم تكن تتوقع أن تتحول تلك المقاطع إلى نقطة تحول في حياتها، لكنها فوجئت بتفاعل واسع مع الفيديوهات، وانتشارها بين الطلاب، وتوالي التعليقات والمشاركات التي تشيد بأسلوبها في الشرح.

 

ومن هنا بدأت شهرتها على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تخطط لها أو تسعى إليها، بحسب روايتها.

 

وتقدم منى محاضراتها عبر منصة «التوفيق للكيمياء»، وتقول إنها تحرص قبل كل محاضرة على ترديد الدعاء: «رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا».

 

وترى أن هذا الدعاء يمثل جزءًا من الحالة التي تدخل بها إلى كل محاضرة، كما تعتبر أن الانتشار الذي حققته جاء نتيجة استمرارها في الطريقة نفسها التي اعتادت عليها في التعامل مع الطلاب وشرح الكيمياء.

 

 

طلابها السابقون وراء انتشارها

 

رغم الاعتقاد لدى البعض بأن انتشار «ميس منى» كان نتيجة وجود فريق متخصص لإدارة حساباتها، فإنها توضح أن الأمر مختلف. فالطلاب السابقون الذين درست لهم هم من يتولون نشر مقاطعها ومتابعة التفاعل معها على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وتقول إن هؤلاء الطلاب رأوا أن أسلوبها في الشرح يستحق الوصول إلى عدد أكبر من الطلاب، فساعدوها في نقل تجربتها من نطاقها المحلي في شبرا الخيمة إلى جمهور أوسع في أنحاء مصر.

 

أما منى نفسها، فتؤكد أنها لم تكن تفكر في الشهرة أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما كان هدفها الأساسي هو تقديم المساعدة للطلاب من خلال شرح المادة بطريقة بسيطة، وهو ما اعتادت فعله طوال سنوات عملها.

 

هذه الطريقة في التعامل مع التعليم ساعدتها على بناء علاقة مختلفة مع الطلاب، فلم تعد الكيمياء بالنسبة إليهم مجرد معادلات وقواعد تحتاج إلى الحفظ، وإنما مادة يمكن فهمها بصورة أبسط عندما يقدمها معلم يعرف كيف يتواصل مع طلابه.

 

 

ذكريات الطلاب تعيدها للواجهة

 

مع انتشار مقاطع «ميس منى»، بدأت ذكريات طلابها القدامى في الظهور من جديد، وكتب عدد منهم رسائل يستعيدون فيها سنوات الدراسة والدروس التي جمعتهم بها، مؤكدين أن علاقتهم بها لم تكن مجرد علاقة بين معلمة وطلاب.

 

وتذكرت سارة فتحي سنوات دراستها مع منى، معبرة عن سعادتها بالانتشار الذي حققته معلمتها السابقة، ومؤكدة أنها ترى أن ما تحصل عليه من تقدير لا يزال أقل مما تستحقه، باعتبارها مدرسة وإنسانة وأمًا ومربية.

 

أما مي نصر، فعادت بذاكرتها أكثر من 20 عامًا إلى الوراء، عندما كانت تحصل على دروس لدى منى في منزل والدتها. وتتذكر أنها كانت حريصة على متابعة الطلاب ودروسهم حتى في الفترات التي كانت تعاني فيها من التعب خلال الحمل، دون أن تتوقف عن مراجعة المنهج أو الاعتذار عن الحصص.

 

وتروي حبيبة عزت أن «ميس منى» لم تكن بالنسبة إليها معلمة للكيمياء فقط، بل كانت شخصًا تلجأ إليه عندما تواجه مشكلة أو تحتاج إلى من يستمع إليها، حتى عندما لا تكون المشكلة مرتبطة بالمادة التي تدرسها.

 

أما أيمن يحيى، فيحتفظ بتفصيل صغير من سنوات الدراسة لا يزال حاضرًا في ذاكرته؛ كان يحضر درس الكيمياء صباح الجمعة في الثامنة، حتى لو لم ينم سوى ساعتين. واختار في تلك الفترة أغنية معينة نغمة لمنبه هاتفه حتى لا يتأخر عن موعد الدرس.

 

وبعد سنوات، لا تزال الأغنية مرتبطة في ذاكرته بتلك المرحلة. فعندما يسمعها، يشعر للحظات بأنه على وشك التأخر عن درس الكيمياء، قبل أن يتذكر أن تلك الأيام أصبحت جزءًا من الماضي.

 

وهكذا، لم تكن رحلة منى فيصل مجرد انتقال من مدرسة إلى منصة إلكترونية، ولا قصة معلمة حققت شهرة مفاجئة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما مسيرة طويلة تشكلت من حلم مؤجل، وأسرة ومسؤوليات، وطلاب تركوا أثرًا فيها واحتفظوا هم أيضًا بذكرياتهم معها.

 

وبعد عقود من بداية رحلتها مع الكيمياء، عادت «ميس منى» إلى الواجهة من الباب الذي لم تكن تخطط له؛ مقاطع قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت تعريف جمهور جديد بمعلمة ظل طلابها القدامى يتذكرونها، حتى أصبح اسمها مرتبطًا في ذاكرة كثير منهم ليس فقط بمعادلات الكيمياء، وإنما بسنوات الدراسة نفسها.

 

 

 

 

 

@mrs.mona.faisal

طريقة استخلاص الحديد من خام الهيماتايت #الكيمياء_مع_ماما_منى_فيصل #كيمياء #ثانويه_عامه #بكالوريا

♬ original sound - التوفيق في الكيمياء "منى فيصل"