عاد رحيل أحمد الزند، وزير العدل الأسبق ورئيس نادي القضاة السابق، واحدًا من أكثر السجلات إثارة للغضب والانقسام في مصر، بعدما ارتبط اسمه لسنوات بمواقف سياسية وتصريحات صادمة تجاه المعارضين ورافضي إنقلاب وأحداث 2013.
وأشعلت وفاته موجة واسعة من التفاعل، إذ لم يتعامل كثير من معارضيه مع الخبر باعتباره نهاية مسيرة قضائية فقط، بل مناسبة لاستدعاء عباراته عن قتل الآلاف وتعيين أبناء القضاة وخطابه المتعالي تجاه خصومه.
من القضاء إلى قلب الصراع
وُلد الزند عام 1946 في قرية دمنتو بمحافظة الغربية، وتخرج من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1970، ثم تدرج في النيابة العامة قبل انتقاله إلى العمل القضائي.
وبعد ذلك، عمل قاضيًا بمحاكم الاستئناف لسنوات، قبل إعارته إلى الإمارات، حيث تولى رئاسة المحكمة الشرعية في رأس الخيمة مطلع التسعينيات، ثم عمل مستشارًا قانونيًا لولي عهد الإمارة بين 1993 و1996.
لكن اسم الزند لم يبق داخل حدود المسار القضائي التقليدي، إذ تحول خلال سنوات الاضطراب السياسي في مصر إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالصراع المفتوح مع حكم الرئيس الراحل محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين.
كما ارتبط حضوره العام بإخراج نادي القضاة من صورته المهنية البحتة إلى قلب المواجهة السياسية، وهي النقطة التي ظلت حاضرة بقوة في الجدل حوله حتى بعد خروجه من الوزارة.
وعقب وفاته، عاد الكاتب سليم عزوز إلى هذا الملف، معتبرًا أن الزند دفع نادي القضاة إلى معارك حزبية وسياسية أفقدته جانبًا من الصورة التقليدية المرتبطة بهيبة المؤسسة القضائية.
كما رأى عزوز أن الحديث عن الزند بوصفه «أسد القضاة» لا يستقيم مع مسيرته، معتبرًا أن البطولة لا تقاس بمهاجمة حكم محمد مرسي، وإنما بما جرى للرجل بعد خروجه من الوزارة.
أغبياء يا عمرو فالشماتة في حياة الزند لا وفاته، وهو الذي عاش سنواته الأخيرة في ظروف تستحق النظر للذكرى، فجاء الموت ليريحه بحسابات الناس. وإن كان ما ينتجه الغباء لا يدعو للدهشة، فان عاصفة الحب الكاذب، هي التي ولدت الشماتة المبالغ فيها. فعومل الرجل معاملة مدرس الدروس الخصوصية، شبح الكيماء، واسطورة النحو، فكان الوصف أسد القضاة، ولا يشرف قاض أن يكون تقييمه بميزان الحزبية، والذي خرج بالنادي من هيبة القاضي وابتذله في معارك السياسة، وعند التقييم بميزان العدالة فلن يكون أسدا، أو نمرا، إن البطولة ليست في أن يهاجم المرء حكم محمد مرسي فكلاب السكك هاجمته، ولكن في أن يستمر بعد ذلك، وصاحبكم انتهى به المطاف، في منزله على الوضع الذي كان عليه، فأي أسد هذا؟ وهل صحيح أنكم معه؟، اذا لماذا لم تنصروه بعد خروجه من الوزارة بالشكل الذي خرج به؟ هل كنت يا عمرو تستطيع أن تجري حوارا معه؟ اجاباتك التي لا تستطيع البوح بها تشرح الموقف، فالمبالغة في التأييد سببا في التطرف بالشماتة. ولا تعجل عليهم فيومك ستقام الأفراح متطرفون يا سيدي
— سليم عزوز (@selimazouz1) September 27, 2026
وفي السياق نفسه، أعادت قناة الشرق تداول واحدة من أكثر العبارات التي التصقت باسم الزند، وهي عبارة «نحن الأسياد وغيرنا العبيد»، التي ظلت عنوانًا حاضرًا في ذاكرة خصومه.
كما أعادت القناة بهذه العبارة فتح ملف الخطاب الذي استخدمه الزند خلال سنوات صعوده، وهو خطاب رأى معارضوه أنه عبّر عن نظرة فوقية تجاه قطاعات واسعة من المصريين.
"نحن الأسياد وغيرنا العبيد".. وفاة أحمد الزند وزير العدل ورئيس نادي قضاة مصر السابق #قناة_الشرق #الشارع_المصري https://t.co/iLrs1VHgVk
— قناة الشرق (@ElsharqTV) September 27, 2026
دعوات القتل تلاحق سيرته
ولم يتوقف الجدل حول الزند عند حدود الصراع السياسي أو الخلافات القضائية، بل امتد إلى تصريحات شديدة القسوة تجاه معارضي السلطة ورافضي أحداث 2013.
فقد تداول نشطاء مقاطع للزند وهو يطالب بقتل عشرة آلاف متظاهر مقابل كل عنصر شرطة يُقتل، وهي التصريحات التي أعيد نشرها بكثافة عقب وفاته باعتبارها من أكثر عباراته صدمة.
كما ارتبط اسمه بدعوات لفتح السجون على مصراعيها أمام المعارضين، في خطاب لم يترك مساحة كبيرة للفصل بين موقعه كوزير للعدل وبين موقفه السياسي من خصوم السلطة.
وبالتالي، لم يكن غريبًا أن تتحول وفاته إلى مناسبة واسعة لاستعادة هذا الأرشيف، بعدما ظل حاضرًا لسنوات باعتباره جزءًا من أكثر مراحل مصر استقطابًا وقسوة.
ومن بين أبرز ردود الفعل، كتب الأكاديمي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي تعليقًا شديد اللهجة عقب إعلان الوفاة، مستحضرًا محمد مرسي وشهداء ثورة 25 يناير وضحايا غزة.
كما صاغ الشنقيطي موقفه بلغة صريحة لا تخفي خصومته مع الزند، وربط بين رحيله وبين ضحايا السنوات التي ارتبط فيها اسم الزند بمواقف سياسية وقضائية مثيرة للغضب.
الأكاديمي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي: هلك الهالك أحمد الزند.. اللهم تقبل الرئيس الشهيد محمد مرسي، وشهداء ثورة 25 يناير، وكل شهداء مصر وغزة والأمة الإسلامية. https://t.co/QNoWrx0uc3
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) September 26, 2026
ومن جانبه، ذهب الباحث محمد إلهامي إلى زاوية أخرى، متوقفًا عند طريقة تعامل صفحات إعلامية مصرية مع خبر وفاة الزند، وما أعقبها من موجات تشفٍ وتعليقات غاضبة.
كما اعتبر إلهامي أن بعض هذه الصفحات تعرف مسبقًا طبيعة ردود الجمهور، لكنها تستفيد من التفاعل المرتفع والوصول الواسع الذي تجلبه أخبار الشخصيات المثيرة للانقسام.
صفحات الإعلام المصري إذا مات الزند أو مرض أحمد موسى سارعت بنشر صورة وخبر وتطلب من الجمهور المشاركة في العزاء أو في الدعاء!! وهذه الصفحات تعلم أكثر من غيرها أن التعليقات ستكون سيلا من التشفي والدعاء على الميت والمريض.. ولكن المهم هو: العداد وزيادة الوصول للجمهور!! كفى بهذا مهانة.. أن يكون رفاقك أول من يتكسب من مصائبك! ويفتح الباب لشتمك وإهانتك!!
— محمد إلهامي (@melhamy) September 26, 2026
وفي السياق ذاته، نشر أنس حبيب مقطعًا قال إنه يوثق توزيع حلويات في هولندا تعبيرًا عن الفرح بوفاة الزند، في مشهد يعكس حجم الخصومة التي ظل الرجل يثيرها حتى بعد رحيله.
كما استخدم حبيب أوصافًا شديدة القسوة في تعليقه، وهو ما أظهر أن جزءًا من المعارضين لم يتعامل مع الوفاة باعتبارها مناسبة لفصل الماضي عن صاحبه.
توزيع حلويات على الناس في هولندا فرحًا بنفوق و هلاك المقبور أحمد الزند. #يحيا_المصري_لتحيا_مصر https://t.co/mghBxUQCif
— Anas Habib (@AnasHabib98) September 26, 2026
تصريحات صنعت إرثًا صداميًا
ولم تكن دعوات القتل وحدها هي التي صنعت الصورة المثيرة للجدل حول الزند، إذ ارتبط اسمه كذلك بدفاعه العلني عن تعيين أبناء القضاة واستمرارهم داخل المؤسسة القضائية.
كما ظل حديثه عن أبناء القضاة واحدًا من أكثر الملفات استفزازًا لقطاعات من المصريين، بعدما عُدّ تعبيرًا صريحًا عن حماية الامتيازات العائلية داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على العدالة والمساواة.
وفي واحدة من أشهر عباراته، دافع الزند عن استمرار تعيين أبناء القضاة، مؤكدًا أن هذا المسار لن يتوقف، وهي تصريحات أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة عن تكافؤ الفرص داخل المؤسسات القضائية.
كما التصقت به عبارة «نحن الأسياد وغيرنا العبيد»، التي بقيت من أكثر العبارات تداولًا عند الحديث عن شخصيته وخطابه وطريقة نظره إلى خصومه والمختلفين معه.
ومن جهة أخرى، دخل الزند في أزمة واسعة عندما تحدث خلال لقاء تلفزيوني عن تطبيق الحبس على أي شخص، قبل أن تأتي عبارته التي مست مقام النبي محمد ﷺ وتفجر موجة غضب واسعة.
كما انتهت تلك الأزمة بخروجه من وزارة العدل، لتتحول العبارة إلى واحدة من أكثر المحطات التي لاحقت مسيرته، وخصوصًا مع اتساع رفض بقائه في موقعه بعد التصريح.
وبعد وفاته، أعادت منصة «مزيد» تداول مجموعة من تصريحاته التي أثارت الجدل خلال سنوات وجوده في واجهة المشهد القضائي والسياسي، مستحضرة أبرز العبارات التي التصقت باسمه.
كما أعاد المنشور الزند إلى الواجهة من خلال أرشيف أقواله، بدل الاكتفاء بخبر الوفاة، بما جعل السجال حوله يعود سريعًا إلى مواقفه القديمة وخطابه السياسي والقضائي.
بعد وفاته.. تصريحات أثارت الجدل لوزير العدل الأسبق ورئيس نادي القضاة السابق أحمد #الزند #مزيد https://t.co/TiLXKm1fQo
— مزيد - Mazid (@MazidNews) September 26, 2026
ومن ناحية أخرى، لم تهدأ موجة التعليقات عند حدود مواقفه من الإخوان أو حكم مرسي، بل امتدت إلى الطريقة التي تعامل بها مع القضاء بوصفه ساحة مواجهة سياسية.
كما رأى كثير من معارضيه أن الزند حول موقعه القضائي إلى منصة مفتوحة للصراع، واستخدم ثقله داخل نادي القضاة في معارك تجاوزت المطالب المهنية ودخلت مباشرة في قلب المواجهة السياسية.
وبينما حاول أنصاره تقديمه باعتباره أحد رموز المواجهة مع حكم مرسي، ظل خصومه يرون في تلك المرحلة أصلًا لكثير من الانقسام الذي التصق بصورته حتى آخر سنوات حياته.
كما زادت تصريحاته عن المعارضين والقتل والسجون من حدة هذا الانقسام، خصوصًا أن الرجل لم يكن ناشطًا سياسيًا عاديًا، بل قاضيًا سابقًا ووزيرًا للعدل ورئيسًا لنادي القضاة.
ومن ثم، جاءت وفاته لتعيد كل تلك الملفات دفعة واحدة، لا باعتبارها تفاصيل جانبية في حياته، وإنما باعتبارها جوهر الصورة التي تركها وراءه لدى قطاع واسع من معارضيه.
كما أعادت التعليقات المنتشرة على منصات التواصل سرد سيرته من زاوية مختلفة تمامًا عن بيانات النعي الرسمية، فحضرت عبارات القتل والتعيينات والامتيازات والصراع السياسي أكثر مما حضرت المناصب والألقاب.
وفي النهاية، رحل أحمد الزند وبقي أرشيفه حاضرًا، من «الأسياد والعبيد» إلى الدفاع عن تعيين أبناء القضاة، ومن الصدام السياسي إلى الدعوات الدموية التي أعاد خصومه نشرها فور إعلان وفاته.
كما أظهرت موجة التفاعل أن رحيله لم ينه الجدل حوله، بل أعاد فتحه بقوة، بعدما وجد معارضوه في وفاته مناسبة للتشفي من سجل ظل بالنسبة إليهم شاهدًا على مرحلة مظلمة من تاريخ مصر الحديث.

