تتسع أزمة المشترين في العاصمة الإدارية مع تأخر تسليم وحدات، لتصطدم الوعود الحكومية بمدخرات معلقة وعقود لا تتحول إلى مساكن أو استثمارات قابلة للانتفاع، بينما تتراكم أعباء الانتظار على أصحابها.

 

وتفضح شكاوى المتضررين اختلال الأولويات في مشروع احتل واجهة دعاية السلطة، بينما يتحمل المشترون كلفة الانتظار وتآكل أموالهم، وسط إجراءات تمنح الشركات مهلًا إضافية دون إعلان ضمانات تنفيذية كافية لإنهاء معاناة أصحاب الوحدات.

 

 

أبراج الدعاية تحجب أزمة المشترين

 

ففي مشروع «جنوب» بمنطقة R7، بدأت تعاقدات مشترين عام 2018، وكان التسليم مقررًا في ديسمبر 2022، لكن ملاكًا يؤكدون استمرار الانتظار، ويقدرون نسبة التنفيذ بنحو 25%، مع توقف الأعمال.

 

وفي مشروع «إيست تاور»، يقول مشترون إن تعاقداتهم بدأت في يناير 2022، بموعد تسليم ينطلق في يناير 2026، بينما ظلت الأعمال، وفق رواياتهم، عند الحفر ودق الخوازيق.

 

كذلك، امتدت الشكاوى إلى خمسة مشروعات لشركة «إعمار رزق»، بينها «دايموند» و«مونوريل تاور»، ويقول عملاء إنهم سددوا نحو 80% من قيمة وحداتهم، دون الوصول إلى اكتمال المشروعات وتسليمها.

 

وبالتوازي، لجأ ملاك بمشروعات «طاهر» و«تاون رايترز» إلى القضاء للمطالبة بتوضيح التراخيص ونسب التنفيذ ومواعيد التسليم، بعدما تجاوز الانتظار، وفق روايتهم، المواعيد الأصلية وفترات السماح التي يفترض أن تحسم التزامات الشركات.

 

وفي تفسير لهذا المسار، يرى أنس الكيلاني، المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، أن تسهيلات دخول السوق جذبت مطورين لم يمتلك بعضهم الملاءة المالية اللازمة لتنفيذ مشروعات كبيرة.

 

ومن ثم، تبرز مسؤولية الجهات التي خصصت الأراضي وسمحت بتوسع النشاط دون فرز كافٍ للقدرات التمويلية؛ فبيع الوحدات لا يثبت قدرة الشركة على البناء، وحملات التسويق لا تقوم مقام التدقيق.

 

أما الخبير العقاري عبد المجيد جادو، فيربط تأخر بعض المشروعات بارتفاع التضخم وتكاليف البناء، مع ضعف قدرة مطورين على استيعاب الزيادات، واعتمادهم على مقدمات الحجز والأقساط لتمويل أعمال التنفيذ بالمشروعات.

 

وبذلك، يصبح المشتري ممولًا يتحمل مخاطر التنفيذ دون سلطة على إدارة الأموال، بينما تظل الحماية الفعلية أضعف من الوعود، وتتحول الفجوة بين الأقساط المدفوعة والإنجاز الفعلي إلى عبء إضافي عليه.

 

 

عقود ضعيفة ومدخرات بلا حماية

 

وفي قلب الأزمة، يرى المحامي رضا المنشاوي أن عقودًا متداولة بالسوق لا تمنح العملاء حماية كافية، ويدعو إلى عقد موحد أو نماذج معتمدة تحدد التزامات المطور والضمانات الأساسية لحقوق المشترين.

 

كما يدعو المنشاوي إلى تفعيل حساب الضمان، لتوجيه أموال العملاء إلى المشروع الذي تعاقدوا عليه، بدلًا من استخدامها لشراء أراضٍ جديدة أو تمويل مشروعات أخرى على حساب التنفيذ والتسليم.

 

ويطرح حسام جرامون، الشريك المؤسس لشركة «أدسيرو» للاستشارات القانونية، ربط التدفقات المالية بنسب الإنجاز الفعلي، بحيث تتحرك حصيلة المبيعات بالتوازي مع تقدم الأعمال، وتضيق فرص سحب التمويل خارج المشروع المبيع.

 

وعليه، فإن غياب ضمانات مالية محكمة يترك أصحاب الوحدات أمام علاقة مختلة؛ يدفعون مبكرًا، وينتظرون طويلًا، ثم يتحملون عبء ملاحقة حقوقهم حين يتراجع التنفيذ أو تتبدل الوعود والجداول الزمنية.

 

ومن جهته، يوضح المحامي عمرو نظير أن شروط العقد وظروف كل حالة تحدد إمكان المطالبة بالفسخ والتعويض والغرامات، لكنه يشير إلى احتمال صعوبة تنفيذ الأحكام عند غياب أموال أو أصول كافية للمطور.

 

وهنا، لا تعود إحالة المتضررين إلى المحاكم إجابة كافية عن مسؤولية الدولة؛ فالحكم الذي يتعذر تنفيذه لا يعيد المدخرات، وطول النزاع يضيف سنوات جديدة إلى انتظار بدأ بإخلال تعاقدي.

 

فضلًا عن ذلك، فإن استرداد المبلغ الأصلي بعد سنوات، إن تحقق، قد لا يوفر وحدة مماثلة مع ارتفاع الأسعار، ما يجعل التأخير خسارة اقتصادية تتجاوز مجرد مخالفة موعد مكتوب بالعقد.

 

ولذلك، فإن حماية المشترين تبدأ قبل البيع والتحصيل، عبر متابعة التنفيذ وحركة التمويل ووضوح التراخيص، لا بعد استنزاف المدخرات وتحول أصحابها إلى طوابير شكاوى تبحث عن باب للمساءلة واسترداد الحقوق.

 

 

مهل للمطورين وانتظار لأصحاب الحقوق

 

في المقابل، أعلن خالد عباس، المسؤول عن إدارة شركة العاصمة الإدارية، وجود ست حالات لإنهاء أو فسخ تعاقدات منذ نشأة المشروع، موضحًا أن معظمها جرى بالتراضي، دون إعلان أسماء الشركات المعنية.

 

ومع تأكيد الشركة عدم وجود تعثر عام، يبقى هذا النفي عاجزًا عن الإجابة عن مصير الوحدات المتأخرة؛ فالمتضرر يحتاج جدولًا ملزمًا للتسليم وضمانًا لأمواله، لا توصيفًا عامًا يطمئن السوق ويتركه معلقًا.

 

ووفق وليد عباس، نائب وزير الإسكان لشؤون هيئة المجتمعات العمرانية، تشمل المعالجة منح مهل إضافية أو إدخال شريك، وقد تصل إلى إسناد الاستكمال لجهة أخرى، مع التأكيد على حفظ حقوق المشترين.

 

غير أن هذه المسارات تفقد قيمتها العملية حين لا تصاحبها مواعيد معلنة والتزامات قابلة للمتابعة؛ إذ يحصل المطور على فرصة جديدة، بينما يواصل العميل دفع كلفة التأخير من استقراره ومدخراته.

 

وفي هذا السياق، يرى محمود سامي، المتخصص في التطوير العقاري، ضرورة ربط صفة المطور بالملاءة المالية والاستدامة والقدرة على التخطيط والتنفيذ طويل الأجل، بدل اختزالها في امتلاك الأرض وطرح الوحدات للبيع.

 

ومع شروع الحكومة في حصر المشروعات المتعثرة وإعداد تنظيم لاتحاد المطورين، يبرز سؤال التأخر الرقابي؛ لماذا تأتي مراجعة القدرة على الوفاء بالالتزامات بعدما دفع المشترون أموالهم وامتدت أزمات التسليم لسنوات؟

 

ثم إن استبعاد شركات غير ملتزمة من اتحاد مقترح لا يستكمل مبنى متوقفًا بذاته، ولا يعوض أسرة تأجل انتقالها، ما لم يرتبط بإجراءات لاستكمال المشروعات ومحاسبة المسؤولين عن الإخلال.

 

وأخيرًا، تقاس مسؤولية السلطة بقدرتها على حماية المال الذي دفعه الناس، لا بعدد الأبراج في الصور؛ فالعاصمة التي تتسع مبانيها وتضيق فيها ضمانات المشترين تقدم واجهة عمرانية فوق أزمة ثقة.