يفتح دخول جهاز مستقبل مصر إلى القطاع الطبي مواجهة جديدة حول مصير الخدمات الصحية، بعدما أُعلن إطلاق تحالف يضم منشآت عسكرية، وسط مخاوف من تغليب الإيرادات والسياحة العلاجية على احتياجات المرضى.

 

 

وفيما تتسع الأسئلة عن مستقبل المستشفيات الحكومية، تضع الخطوة سياسات إدارة الأصول الصحية تحت اختبار حاسم، إذ لا يكفي الإعلان عن التطوير لطمأنة المواطنين، دون ضمانات معلنة تحمي العلاج الميسر وتكشف حدود التوسع.

 

 

وبين التوسع وغموض نقل الملكية

 

فبحسب المعلومات المنشورة خلال سبتمبر الجاري، ظهر تحالف مستقبل مصر الطبي بوصفه ذراعًا لتقديم خدمات تخصصية وتدريبية وبحثية وحلول رقمية، مع حضور واضح للسياحة العلاجية ضمن الأنشطة التي يسعى إلى تطويرها.

 

كما تتضمن المرحلة الأولى المعلنة المركز الطبي العالمي ومستشفى القوات الجوية التخصصي، مع توجه لإضافة منشآت أخرى تدريجيًا، الأمر الذي يفتح نقاشًا حول طبيعة الإدارة الجديدة وعلاقتها بالجهات المالكة والمشرفة.

 

لكن المعلومات المتاحة لا تكفي للجزم بانتقال ملكية مستشفيات حكومية إلى الجهاز، ولا توضح أن ضم المنشأتين العسكريتين يمثل بيعًا لأصولهما، ولذلك يبقى توصيف الاستحواذ الكامل أوسع مما تثبته التفاصيل المنشورة.

 

ومع ذلك، فإن عدم ثبوت انتقال الملكية لا يغلق باب المساءلة، لأن التحكم في التشغيل والتسعير وتوزيع الخدمات قد يغير علاقة المريض بالمستشفى، حتى إذا بقيت ملكية المباني والأجهزة عامة.

 

وفي هذا السياق، ينتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في دراسة منشورة في أبريل 2025، توجه السياسات الحكومية نحو تقليص دور الرعاية العامة وتوسيع المجال أمام الاستثمار الخاص في تقديم الخدمات الصحية.

 

كذلك يربط الميرغني بين هذا التوجه وتراجع الوزن النسبي للإنفاق الصحي الحكومي في فترات تناولتها دراسته، معتبرًا أن زيادة الأرقام الاسمية وحدها لا تعني تحسن القدرة الفعلية على تلبية احتياجات السكان.

 

وانطلاقًا من هذا النقد السابق، يمكن مساءلة التوسع الجديد عن إضافته الفعلية: هل يبني قدرة علاجية إضافية، أم يجمع منشآت قائمة تحت إدارة اقتصادية مختلفة؟ فهذا الفارق يحدد جدوى المشروع للمواطن.

 

فضلًا عن ذلك، ينبغي إعلان الأساس الذي تنضم بموجبه كل منشأة، ومسؤولية الإدارة عن الالتزامات السابقة، ومصير التعاقدات العلاجية، لأن تغيير المظلة المؤسسية لا يجوز أن يجعل حقوق المرضى منطقة غامضة.

 

وبالتالي، فإن الاختبار الأهم ليس حجم التحالف أو قوة الجهة التي تقوده، وإنما قدرته على تقديم خدمة أفضل بشروط واضحة، مع رقابة مستقلة تمنع تحول التوسع إلى سلطة اقتصادية يصعب محاسبتها.

 

 

وفي المقابل العلاج قبل الإيرادات

 

أما التركيز المعلن على السياحة العلاجية، فيشمل تنظيم رحلة المريض الوافد من التقييم والاستشارة إلى السفر والإقامة والمتابعة، وهي خدمات يمكن أن تدر عائدًا، لكنها لا تجيب وحدها عن احتياجات المرضى المحليين.

 

وفي المقابل، لا يمثل استقبال مرضى من الخارج مشكلة بذاته، وإنما تظهر المشكلة إذا حصل النشاط الأعلى ربحًا على أولوية في الأسرّة والأجهزة والمواعيد، دون حماية واضحة للخدمات المتاحة للمواطنين.

 

ومن هنا، تستعيد القضية تحذيرات الدكتورة منى مينا، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، التي انتقدت في يونيو 2024 توجه الحكومة لتأجير المستشفيات، مؤكدة أن حماية الحق في الصحة مسؤولية الدولة.

 

كما شددت مينا، في موقفها السابق من تلك السياسات، على أن المنشآت التي أُقيمت بأموال المواطنين يفترض أن تحافظ على تقديم خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة، بدل إخضاعها لأولويات المستثمر.

 

وبالاستناد إلى هذا الموقف، يصبح السؤال عن التحالف الجديد أكثر تحديدًا: ما الضمان الذي يمنع توجيه أفضل الإمكانات إلى القادرين على الدفع، بينما تتراجع فرص أصحاب التغطية المحدودة في العلاج؟

 

غير أن هذه المخاوف لا تثبت حدوث تمييز بالفعل داخل المنشآت المعلنة، لكنها تفرض مطالبة الإدارة بكشف قواعد قبول المرضى، وتوزيع المواعيد، وتسعير الخدمات، وآليات التعامل مع الحالات التي تعجز عن السداد.

 

علاوة على ذلك، فإن وعد استخدام عوائد السياحة العلاجية لدعم الخدمات العامة، إن طُرح، يحتاج إلى التزام مالي معلن يمكن مراجعته، يحدد نصيب المرضى المحليين وطريقة قياس استفادتهم الفعلية من الإيرادات.

 

وبدلًا من الاكتفاء بلغة التسويق، تستطيع الحكومة إثبات جدية التطوير بنشر مؤشرات انتظار العمليات وتوافر الأدوية ونسب قبول الحالات، فهذه نتائج تمس حياة الناس، وتكشف ما إذا كانت الإدارة الجديدة تحسن الخدمة.

 

وعليه، فإن تحويل النجاح إلى أرقام إيرادات وحدها يفرغ السياسة الصحية من غرضها الاجتماعي، لأن المستشفى قد يحقق فائضًا ماليًا بينما يصبح الوصول إليه أشد صعوبة على الفئات الأكثر احتياجًا للعلاج.

 

 

ثم المساءلة قبل تسليم الأصول

 

وفي الجانب الحقوقي، يقدم المحامي الحقوقي خالد علي موقفًا نقديًا موثقًا من السياسات الحكومية، بعدما أقام في يوليو 2024 دعوى نيابة عن أطباء للطعن على قرارات طرح منشآت صحية للإدارة والاستثمار.

 

وبحسب الحجج التي عرضتها الدعوى، فإن تحويل الخدمات العامة إلى نشاط يستهدف تعظيم الربح يهدد فرص غير القادرين، خصوصًا من يعتمدون على المستشفيات منخفضة التكلفة ولا يملكون تغطية تأمينية كافية.

 

كذلك أثارت الدعوى مخاوف تتعلق باستقرار العاملين وتدريب الأطباء واستمرار الخدمات العامة، وهي اعتراضات تخص مسار طرح المستشفيات آنذاك، ولا تمثل حكمًا قضائيًا على التحالف الطبي الجديد أو إثباتًا لمخالفات ارتكبها.

 

ومع ذلك، فإن تلك الاعتراضات تكشف نوع الضمانات المطلوب قبل أي توسع، وفي مقدمتها حماية العاملين، واستمرار برامج التدريب، وتحديد الخدمات الملتزم بها، وإتاحة وسائل فعالة للاعتراض عندما تتغير شروط تقديم العلاج.

 

إلى جانب ذلك، تحتاج العلاقة بين الجهاز والجهات الصحية إلى تحديد معلن للصلاحيات، حتى يعرف المواطن من يضع الأسعار، ومن يتلقى الشكاوى، ومن يملك إلزام الإدارة بتصحيح قرار أضر بمريض.

 

وبالمثل، ينبغي إخضاع أي ترتيبات مالية تخص المنشآت العامة للمراجعة، مع بيان كلفة التطوير ومصادر تمويله والعائد المتوقع، حتى لا تتحمل الموارد العامة النفقات بينما تظل حصيلة التشغيل بعيدة عن التقييم المجتمعي.

 

أما الاحتجاج بأن الإدارة الحكومية تعاني مشكلات، فلا يعفي الحكومة من تفسير أسبابها ومعالجتها، ولا يجعل إعادة توزيع سلطة التشغيل إنجازًا تلقائيًا، فالإصلاح يقاس بما يتغير عند سرير المريض وفي غرفة الطوارئ.

 

لهذا، يستدعي دخول مستقبل مصر إلى الخدمات الطبية مساءلة أشد من الاحتفاء الدعائي، مع التزام الدقة بشأن ما ثبت وما لم يثبت، لأن تضخيم الادعاءات يمنح المسؤولين فرصة للتهرب من الأسئلة الجوهرية.

 

وأخيرًا، يبقى المعيار الذي لا تحتمل الحكومة المراوغة بشأنه واضحًا: هل تتسع فرصة المواطن في العلاج الجيد، أم تصبح صحته موردًا لتعظيم العائد؟ والإجابة المطلوبة ضمانات ونتائج منشورة، لا شعارات عن التطوير.