يترقب آلاف المحتجزين مع اقتراب 1 أكتوبر 2026 لحظة بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، آملين أن تتحول الحدود الزمنية للحبس الاحتياطي من نصوص مكتوبة إلى قرارات فعلية تنهي احتجازًا امتد لدى بعضهم سنوات.

 

يفتح بدء التطبيق اختبارًا عمليًا شديد الحساسية، لأن القضية لا تتعلق فقط بتقليص مدد قانونية، بل بقدرة منظومة العدالة على وقف ممارسات وثقتها منظمات حقوقية، بينها التدوير وتجديد الحبس عن بعد والإحالات الجماعية للمحاكمة.

 

 

قانون جديد واختبار قديم

 

وبموجب القانون رقم 174 لسنة 2025، يبدأ التطبيق في 1 أكتوبر 2026، بعد إصداره في نوفمبر 2025، ليحل محل قانون الإجراءات الجنائية القديم ويفرض قواعد جديدة على التحقيق والمحاكمة والحبس الاحتياطي.

 

كما خفّض القانون السقف الأقصى للحبس الاحتياطي إلى 4 أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة هي السجن المؤبد أو الإعدام، مع استثناءات قضائية محددة.

 

ويعني ذلك أن الحديث عن سقف موحد قدره 18 شهرًا لكل قضايا الجنايات غير دقيق، إذ يميز النص النهائي بين الجنايات العادية والجرائم التي تصل عقوبتها إلى المؤبد أو الإعدام.

 

كذلك استحدث القانون 7 تدابير يمكن استخدامها بدلًا من الحبس، تشمل الإقامة المنزلية، والحضور الدوري لقسم الشرطة، وحظر أماكن محددة، وتقييد الحركة جغرافيًا، ومنع التواصل مع أشخاص، وتسليم السلاح، والتتبع التقني.

 

ومن ناحية أخرى، ألزم النص بتسبيب أوامر الحبس الاحتياطي، وربط اللجوء إليها بمبررات قانونية، وهو ما يضع أمام النيابات والمحاكم مسؤولية إظهار الضرورة الفعلية للحبس بدل التعامل معه كخيار تلقائي.

 

لكن القلق الحقوقي لا يرتبط بالنص وحده، بل بتاريخ طويل من الشكاوى بشأن اتساع استخدام الحبس الاحتياطي في قضايا سياسية، وامتداد التجديد لفترات طويلة دون إحالة سريعة إلى محاكمة موضوعية.

 

وفي تقارير حديثة، قالت منظمات حقوقية دولية ومحلية إن السلطات واصلت استخدام ما يعرف بالتدوير، عبر فتح قضايا جديدة بتهم متشابهة ضد محتجزين صدرت قرارات بإخلاء سبيلهم أو قاربت مدد حبسهم على الانتهاء.

 

وبالتوازي، انتقدت منظمات حقوقية استمرار جلسات تجديد الحبس عبر الاتصال المرئي، معتبرة أن هذا الأسلوب قد يحرم القاضي من تقييم ظروف الاحتجاز بصورة مباشرة، ويضعف التواصل بين المتهم ومحاميه أثناء الجلسة.

 

 

التدوير يطيل عمر الاحتجاز

 

وفي قلب الأزمة، تظهر حالات لمحتجزين أمضوا سنوات متتالية بين قرارات تجديد وإحالات وتحقيقات جديدة، بينما تؤكد أسرهم ومحاموهم أن الزمن القانوني للحبس الاحتياطي فقد معناه عندما تبدأ قضية جديدة بعد انتهاء أخرى.

 

ومن أبرز النماذج التي وثقتها منظمات حقوقية المحامية هدى عبد المنعم، التي أنهت عقوبة سابقة في أكتوبر 2023، ثم واجهت قضية جديدة بتهم قالت جهات حقوقية إنها متقاربة مع الاتهامات السابقة.

 

كما يبرز اسم المحامي إبراهيم متولي، الذي وثقت جهات حقوقية تعرضه لأكثر من قضية منذ 2017، في مثال تستخدمه تلك الجهات لتوضيح كيف يمكن للتدوير أن يمدد الاحتجاز لسنوات.

 

وفي حالة أخرى، تحدثت تقارير حقوقية عن أحمد صبري ناصف، الذي واجه خلال سنوات احتجازه قضايا متعاقبة وقرارات إخلاء سبيل لم تنفذ في مراحل سابقة، قبل أن تتواصل ملاحقته قضائيًا.

 

وتكتسب هذه الأمثلة أهمية خاصة قبل أكتوبر، لأن نجاح القانون لن يقاس فقط بتقليص مدد الحبس في القضايا الجديدة، بل بكيفية التعامل مع المحتجزين الذين تجاوزوا أصلًا الحدود القديمة والجديدة.

 

وفي المقابل، تقول الجهات الرسمية إن القانون الجديد يوسع ضمانات المحاكمة العادلة، ويعيد تنظيم الحبس الاحتياطي بوصفه إجراءً مؤقتًا، ويمنح بدائل أكثر اتساعًا تسمح للنيابة والمحاكم بتقليل اللجوء إلى الاحتجاز.

 

غير أن منظمات حقوقية ترى أن المشكلة الرئيسية كانت دائمًا في الممارسة، لا في نقص النصوص فقط، وتقول إن أي إصلاح سيظل محدود الأثر إذا استمرت الإحالات المتأخرة والتدوير والجلسات الشكلية.

 

ومن هنا يبرز سؤال التطبيق على الملفات القائمة، خصوصًا أن بعض المحتجزين أحيلوا بالفعل إلى محاكم الجنايات بعد سنوات من الحبس، ما يثير جدلًا قانونيًا حول طبيعة استمرار احتجازهم بعد الإحالة.

 

ويشير محامون إلى أن الإحالة للمحاكمة قد تغير الجهة صاحبة قرار الحبس وتضع المتهم تحت سلطة المحكمة، لكن ذلك لا يلغي الجدل حول إجمالي المدة والضمانات المرتبطة بالحرية والمحاكمة العادلة.

 

وفي هذا السياق، يخشى حقوقيون أن تتحول الإحالة المتسارعة لآلاف القضايا إلى مسار بديل يمنع الإفراج التلقائي عن محتجزين تجاوزوا مدد الحبس، بينما ترى السلطات أن الإحالة تعني انتقال القضية لمرحلة المحاكمة.

 

 

التطبيق بين النص والممارسة

 

ومع اقتراب أول أكتوبر، تتجه الأنظار إلى قرارات النيابة والمحاكم في الأيام والأسابيع الأولى، لأنها ستكشف ما إذا كانت الحدود الجديدة ستطبق بصورة مباشرة على الملفات القائمة أم ستنشأ منازعات حول الأثر الزمني.

 

كما سيكون تفعيل البدائل السبعة مؤشرًا عمليًا لا يقل أهمية عن الإفراج، لأن القانون منح جهات التحقيق خيارات تسمح بتقييد حركة المتهم دون سجنه، وهي آلية طالبت بها دوائر حقوقية لسنوات.

 

وفوق ذلك، سيكشف تسبيب قرارات الحبس مدى تغير الممارسة القضائية، فمجرد تكرار عبارات عامة دون بيان خطر الهروب أو التأثير في الأدلة سيبقي الانتقادات القديمة قائمة رغم تغير النص.

 

كذلك تظل مسألة الحضور الفعلي أمام القاضي محورية، بعدما انتقدت تقارير حقوقية الاعتماد الواسع على الفيديو كونفرنس في جلسات التجديد، وقالت إن ذلك أضعف قدرة المتهمين على عرض شكاواهم ودفاعهم.

 

وفي مايو 2025، بدأت محاكمات لآلاف المتهمين المحالين في قضايا مرتبطة بالإرهاب، وكان أكثر من نصفهم قد أمضوا شهورًا أو سنوات في الحبس الاحتياطي، وفق توثيق حقوقي دولي.

 

وبينما تعتبر الجهات الرسمية إحالة القضايا للمحاكمة خطوة نحو الفصل فيها، تحذر منظمات حقوقية من أن المحاكمات الجماعية الواسعة قد تضعف دراسة المسؤولية الفردية لكل متهم وتزيد الضغط على حق الدفاع.

 

وفي الوقت نفسه، يبقى غياب رقم رسمي شامل للمحبوسين احتياطيًا عقبة أمام قياس أثر القانون، لأن تقدير عدد المستفيدين المحتملين سيظل خاضعًا لبيانات متفرقة تصدرها جهات حقوقية ومحامون وأسر.

 

ولهذا تطالب منظمات حقوقية بعملية مراجعة واسعة للملفات قبل بدء التطبيق، تشمل مدد الحبس، وعدد مرات التجديد، وأوامر الإخلاء السابقة، والقضايا المتعاقبة، وحالة كل متهم أمام جهات التحقيق والمحاكم.

 

كما تطالب تلك المنظمات بأن يكون معيار الإفراج مرتبطًا بالقانون وضرورة التحقيق، لا بطبيعة الموقف السياسي أو الخلفية الفكرية للمتهم، مع ضمان حق الدفاع والاتصال بالمحامي والطعن الفعال على قرارات الحبس.

 

وفي المقابل، يوفر القانون الجديد للسلطات فرصة لإظهار أن تخفيض المدد ليس تعديلًا شكليًا، بل تحول يمكن قياسه بأعداد المفرج عنهم، وتراجع التجديدات المتكررة، واتساع استخدام التدابير البديلة خلال الأشهر الأولى.

 

ومع ذلك، فإن أول اختبار حقيقي سيبدأ فور حلول أكتوبر، عندما يصل محتجزون تجاوزوا 4 أو 12 أو 18 شهرًا إلى جلسات التجديد، ويطالب دفاعهم بتطبيق الحدود الجديدة وإنهاء استمرار الحبس.

 

وعندها ستصبح أحكام القانون موضع مواجهة مباشرة مع واقع تراكم خلال سنوات، وسيظهر ما إذا كان النص قادرًا على كسر دائرة الحبس الطويل أم ستستمر الأدوات الإجرائية التي تنتقدها المنظمات الحقوقية.

 

وفي النهاية، لا يتوقف الملف على تاريخ نفاذ قانون جديد، بل على سؤال أبسط وأكثر حساسية: هل يصبح الحبس الاحتياطي فعلًا استثناءً تفرضه ضرورة التحقيق، أم يظل بوابة مفتوحة لسنوات من الاحتجاز؟