أعاد تداول تصريحات قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن استهلاك المصريين للطعام إشعال الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، وسط اعتراضات على خطاب يعتبره منتقدون معايرة للمواطنين بأبسط احتياجاتهم، بينما تتصاعد الضغوط المعيشية عليهم.

 

واستدعت العبارة المتداولة عن تناول مئة مليون مصري طعامًا يعادل استهلاك دول أخرى خلال سنة نقاشًا بشأن مسئولية السلطة، وعدالة توزيع الأعباء، وتحويل السكان إلى شماعة لتفسير الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

 

 

خطاب اللقمة يعود إلى الواجهة

 

لا تنفصل الصيغة المتداولة عن تصريحات سابقة للسيسي؛ إذ تعود العبارة إلى حديث نُقل عنه في 22 يوليو 2017، ربط فيه بين عدد المصريين وضخامة استهلاكهم اليومي للطعام بصورة مباشرة.

 

وبالتالي، فإن تجدد تداول الكلام لا يكفي وحده لإثبات صدوره في مناسبة جديدة، لكنه يعيد إلى الواجهة مضمونًا قديمًا حاضرًا في خطاب السلطة عن السكان وتكاليف تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

 

وفي سبتمبر 2020، خلال افتتاح مجمع التكسير الهيدروجيني بمسطرد، استخدم السيسي التعبير نفسه عن الطعام والتضحية، قائلًا: «بنحرم نفسنا من اللقمة علشان نبني بلدنا وربنا بيساعدنا»، رابطًا الحرمان بمشروع بناء الدولة.

 

ويرى منتقدو هذا المنطق أن تكرار استدعاء الطعام في شرح الأعباء الاقتصادية ينتقص من حق المواطنين في المعيشة الكريمة، ويقدم احتياجاتهم الأساسية باعتبارها مشكلة تعرقل الدولة وتثقل كاهل المسئولين عنها.

 

 

وفي تعليقه، قلب المستشار مراد علي المعادلة، متسائلًا عن أسباب التعامل مع المصريين باعتبارهم عبئًا، رغم أنهم يعملون وينتجون ويساهمون في توفير الموارد التي تعتمد عليها مؤسسات الدولة في الإنفاق.

 

 

وركز مراد علي على أن المواطنين يمولون، من خلال نشاطهم وإسهاماتهم، الرواتب والمقار والسيارات التابعة للسلطة، بما يجعل تصوير الإنفاق العام كأنه فضل شخصي عليهم محل اعتراض سياسي وأخلاقي واضح.

 

وانتقد الصحفي عبدالرحمن مطر مقارنة استهلاك مئة مليون مصري باستهلاك دول أخرى، معتبرًا أن المواطن هو الذي يطعم المسئول، وأن الإنفاق على مؤسسات الحكم لا يبرر معايرة الناس بما يأكلون.

 

 

وتلتقي المداخلتان عند رفض اختزال العلاقة بين الدولة والمجتمع في الطعام المقدم للمواطن، وتطرحان سؤالًا مقابلًا عن الموارد التي ينتجها السكان، وكيفية إدارتها، وأولويات توزيعها، ومن يتحمل تكلفة الاختيارات الحكومية.

 

 

المواطن يمول الدولة ولا يستجدي

 

تجاوزت الاعتراضات حدود العبارة نفسها إلى رفض تصوير المصريين كمتلقين سلبيين للدعم، إذ شدد معلقون على أنهم يعملون ويدفعون الضرائب والرسوم، ويشاركون يوميًا في تمويل الإنفاق العام بمختلف صوره وأبوابه.

 

ومن هذا المنظور، تصبح محاسبة المواطن على طعامه تجاهلًا لما يقدمه، خصوصًا عندما يغيب عن الخطاب المقابل شرح واضح لكفاءة الإنفاق الحكومي وحدود مساهمة السياسات الرسمية في تفاقم أعباء المعيشة.

 

وربطت جنى السيد بين حديث السيسي عن حجم استهلاك الغذاء وارتفاع أسعاره، مشيرة إلى اعتماد قطاعات من المصريين على أطعمة شعبية قليلة التكلفة لتدبير وجباتهم تحت ضغط الأعباء اليومية المتزايدة.

 

 

ويعكس تعليقها اعتراضًا على تقديم تناول الوجبات الأساسية كدليل على الإفراط، بينما ينشغل المواطن بتدبير ثمن الطعام نفسه، ويعيد ترتيب احتياجات أسرته بحسب قدرته على الشراء مع كل زيادة جديدة.

 

وتساءل حسن الزعيم عن جدوى معايرة الشعب باستهلاكه للطعام، مطالبًا بالنظر أيضًا إلى تكلفة الإنفاق على رأس السلطة وأسرته، في إطار اعتراضه على توجيه المساءلة الاقتصادية إلى المواطنين وحدهم باستمرار.

 

واستنكرت صاحبة حساب «مايا» تكرار الاحتجاج بعدد السكان، واستحضرت تركيا للمقارنة، في تعليق يعبر عن رفض استخدام الكثافة السكانية تفسيرًا جاهزًا للأزمة، وإن كانت المقارنات تحتاج إلى تدقيق بياناتها وسياقاتها.

 

 

وامتدت المقارنات في التعليقات إلى الصين والهند والبرازيل، بوصفها دولًا ذات أعداد سكانية كبيرة، للرد على الربط المباشر بين كثرة السكان وتعثر الاقتصاد، دون أن تقدم تلك التعليقات تحليلًا اقتصاديًا متكاملًا.

 

لكن جوهر الاعتراض ظل واضحًا في هذه المقارنات؛ فالمواطنون يسألون عن إدارة قدراتهم وإنتاجهم، ويرفضون تقديم وجودهم نفسه باعتباره سببًا كافيًا للأزمة أو مبررًا مستمرًا لمطالبتهم بتحمل مزيد من الحرمان.

 

 

غضب يتجاوز الطعام إلى الكرامة

 

تحولت «اللقمة» في جانب واسع من التفاعلات إلى رمز للكرامة، إذ رأى معلقون أن احتساب وجبات المصريين عليهم يمس علاقتهم بالدولة، ويجعل الحقوق المعيشية تبدو كمنح مشروطة بالامتنان والصمت الدائم.

 

وربط صاحب حساب «نسر الجبل» اعتراضه على التصريحات بانتقادات أوسع للخدمات والتعليم والصحة وأرزاق المواطنين، معتبرًا أن السلطة تشارك المصريين حصيلة تعبهم، بينما تقصر في توفير حقوقهم الأساسية وصون كرامتهم.

 

وتعكس هذه المداخلة انتقال النقاش من حجم الطعام المستهلك إلى تقييم أداء الحكم، حيث لم يعد السؤال عما يأكله المصريون، وإنما عما يحصلون عليه مقابل عملهم وما يسددونه للدولة يوميًا.

 

واستخدم صاحب حساب «بن ناصر» تشبيهًا أسريًا قاسيًا لوصف العلاقة بين السلطة والمجتمع، معتبرًا أن الحاكم يستنزف موارد من يعولهم بدل حمايتهم، في تعبير غاضب عن اختلال المسئولية وأولويات الإنفاق.

 

 

وفي تعليق آخر، ربطت صاحبة حساب «خواطري» معايرة المواطنين بالطعام بشكاوى الغلاء والتصرف في الموارد العامة، بينما سخر كامل محمود من طرح عربات الخضار باعتبارها استجابة لحجم مشكلة البطالة بالبلاد.

 

وتكشف حدة التعبيرات عن غضب أصحابها، لكنها لا تحول جميع الاتهامات الواردة فيها إلى وقائع مثبتة؛ والأوضح أنها تعبر عن رفض تحميل المواطنين وحدهم مسئولية الضغوط الاقتصادية التي يعانون منها.

 

ولا تسمح هذه العينة باعتبار المواقف المعروضة تعبيرًا عن جميع المصريين، لكنها تكشف اتجاهًا احتجاجيًا يجمع بين رفض المعايرة بالطعام والمطالبة بمساءلة السلطة عن إدارة الموارد وترتيب أولويات الإنفاق العام.

 

ويضع هذا الجدل السلطة أمام سؤال جوهري عن نظرتها للمواطن؛ هل تتعامل معه بوصفه صاحب حق وشريكًا في إنتاج الثروة، أم تختزل حضوره في عدد الوجبات التي يستهلكها كل يوم؟