كتب محمد القرضاوي أن مصر تراهن على موقعها الجغرافي وقناة السويس للتحول من مجرد سوق لاقتصادات بريكس إلى بوابة تربط دول التكتل بالأسواق العالمية، في وقت يطرح فيه انضمام القاهرة إلى المجموعة سؤالًا أكثر أهمية: هل نجحت مصر في تحويل عضويتها إلى نفوذ اقتصادي حقيقي، أم أصبحت بريكس مجرد سوق أكبر للمنتجات المصرية، دون أن تتحول القاهرة بعد إلى مركز للإنتاج والخدمات اللوجستية داخل التكتل؟

 

ويشير تحليله الذي نشره موقع صوت الإمارات إلى أن مصر دخلت مرحلة جديدة بعد أكثر من عامين على انضمامها الرسمي إلى بريكس، مع ظهور مؤشرات تستدعي تقييمًا أكثر دقة لعوائد العضوية. وتتزامن هذه المرحلة مع مشاركة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس لعام 2026 بالعاصمة الهندية نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر، في وقت يسعى فيه التكتل إلى تحويل ثقله الاقتصادي والسياسي إلى مشروعات وآليات عملية، وسط خلافات داخلية حول مساره ومستقبل علاقته بالنظام الاقتصادي العالمي.

 

وكشفت بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية ارتفاع حجم التجارة بين مصر ودول بريكس من 45 مليار دولار عام 2024 إلى 53.5 مليار دولار عام 2025، بزيادة بلغت نحو 18.8%. وصعدت الصادرات المصرية إلى دول التكتل من 9.451 مليار دولار إلى 13.772 مليار دولار، بزيادة تقارب 45.7%، بينما ارتفعت الواردات من 35.549 مليار دولار إلى 39.679 مليار دولار، بزيادة بلغت 11.6%.

 

وأدى ذلك إلى وصول العجز التجاري المصري مع دول بريكس إلى نحو 25.9 مليار دولار في عام 2025. ولا تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على نجاح العضوية أو فشلها، إذ تتأثر التجارة بأسعار السلع والطاقة وأسعار الصرف والطلب المحلي والعالمي، لكنها تكشف التحدي الأساسي أمام القاهرة: تحويل بريكس من مصدر رئيسي للواردات إلى منصة لتعزيز الإنتاج والصادرات والاستثمارات.

 

 

مصر من سوق استهلاكية إلى بوابة لأسواق بريكس

 

لا تراهن القاهرة على زيادة صادراتها فقط، بل تسعى أيضًا إلى توظيف موقع مصر الجغرافي وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ واتفاقيات التجارة الخارجية، بهدف انتزاع دور أوسع داخل سلاسل الإمداد العالمية.

 

ويركز الخطاب المصري داخل بريكس على قطاعات التصنيع والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع السعي إلى جذب استثمارات من دول التكتل لإنتاج السلع داخل مصر وإعادة تصديرها إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تستطيع مصر التحول من سوق لبريكس إلى بوابة للتكتل نحو أسواق أخرى؟

 

ويأتي مشروع إنشاء مركز لوجستي للحبوب في شرق بورسعيد ضمن أبرز المبادرات المصرية داخل بريكس، إذ يستهدف تعزيز الأمن الغذائي وتطوير التعاون التجاري والاستثماري بين دول المجموعة. ويكتسب المشروع أهمية إضافية في ظل الاضطرابات التي شهدتها حركة الشحن وأسواق الغذاء وسلاسل الإمداد عالميًا.

 

ويمكن لمركز الحبوب المقترح في منطقة قناة السويس أن يجمع بين التخزين والتجارة وإعادة التصدير، لكن قيمته الاقتصادية ستظل مرتبطة بانتقاله من مرحلة المقترح إلى التمويل والتنفيذ والتشغيل، فضلًا عن حجم التجارة الفعلي الذي سيستفيد من منشآته.

 

وتمنح قناة السويس مصر ورقة يصعب تجاهلها عند مناقشة سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، وهو ما تعكسه دراسات دولية حديثة تناولت علاقة بريكس بالشرق الأوسط. وخلصت دراسة نشرتها دورية Frontiers in Political Science في سبتمبر 2026 إلى أن دول المنطقة لا تستخدم بريكس عمومًا لاستبدال علاقاتها مع الغرب، وإنما لتوسيع خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية.

 

ووضعت الدراسة مصر في موقع الدولة المحورية التي توازن بين شراكاتها مع الصين وروسيا والهند ودول الخليج، وبين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير السياسة المصرية باعتبارها محاولة لاستثمار موقع البلاد الجغرافي وتنويع الشراكات، بدلًا من الاعتماد على محور واحد.

 

 

السيسي يسعى إلى تحويل عضوية بريكس إلى أجندة مصرية

 

ركز السيسي خلال قمة بريكس 2026 على تحويل التعاون بين دول التكتل إلى آليات عملية في مجالات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والتمويل والتنمية، كما دعا إلى تعزيز دور بنك التنمية الجديد وإصلاح النظام المالي الدولي، وطرح قضايا الأمن الغذائي ومشروع مركز الحبوب.

 

وأكد السيسي أهمية موقع مصر في حركة التجارة العالمية، رابطًا بين هذا الموقع وإمكانية تحول القاهرة إلى مركز يربط أفريقيا وأوروبا وآسيا. كما أعلن تطلع مصر إلى تولي رئاسة بريكس خلال المستقبل القريب.

 

وتعكس هذه التحركات محاولة للانتقال من مجرد المشاركة في التكتل إلى طرح أولويات مصرية داخله، لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة القاهرة على تحويل المقترحات إلى مشروعات وشراكات قابلة للقياس والتنفيذ.

 

وتكشف العلاقات المصرية الهندية جانبًا آخر من الرهان المصري على بريكس. فخلال زيارته إلى نيودلهي، التقى السيسي رؤساء عدد من الشركات الهندية الكبرى لبحث فرص الاستثمار والتوسع في مصر.

 

وتمتلك الهند قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة، بينما توفر مصر موقعًا لوجستيًا استراتيجيًا وإمكانية الوصول إلى أسواق متعددة عبر اتفاقيات التجارة المختلفة، ما يفتح المجال أمام التكامل في قطاعات التصنيع والطاقة والتكنولوجيا. وسبق طرح مشروعات هندية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ما يجعل العلاقات المصرية الهندية اختبارًا عمليًا لقدرة بريكس على توليد استثمارات جديدة، بدلًا من بقائها إطارًا للتنسيق السياسي والاقتصادي فقط.

 

ويمثل بنك التنمية الجديد اختبارًا اقتصاديًا مهمًا لعضوية مصر في بريكس. وكانت مصر قد انضمت إلى البنك عام 2023، أي قبل انضمامها الرسمي إلى بريكس عام 2024، ولذلك لا يصح إرجاع جميع التمويلات التي حصلت عليها مصر من البنك إلى عضويتها في التكتل.

 

ويركز البنك على تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة، مع اهتمام متزايد بالتمويل بالعملات المحلية ومبادرات التحول الأخضر. وتكمن أهمية البنك بالنسبة إلى مصر في تحديد حجم التمويل الجديد الذي يمكن توجيهه إلى المشروعات الاستراتيجية، ومدى توافقه مع الأولويات التي تطرحها القاهرة داخل بريكس، بدلًا من الاكتفاء بالحديث العام عن فوائد العضوية.

 

 

التجارة والاستثمارات تختبران حقيقة النفوذ المصري

 

تدفع دول بريكس أيضًا نحو زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والمدفوعات، لكن دراسات حديثة تشير إلى أن هذا التوجه لا يعني قرب انتهاء هيمنة الدولار. وأوضحت دراسة نشرتها Frontiers in Political Science أن آليات استخدام العملات المحلية والمدفوعات العابرة للحدود توسعت، لكنها لا تزال غير كافية لإزاحة النظام النقدي الذي يتمحور حول الدولار.

 

وبالنسبة إلى مصر، تتمثل الفائدة الأكثر واقعية في تنويع أدوات الدفع وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على قناة مالية واحدة، وليس التعامل مع بريكس باعتبارها مشروعًا فوريًا لإنهاء استخدام الدولار في التجارة الدولية.

 

ورغم ارتفاع الصادرات المصرية إلى دول بريكس بنسبة 45.7% خلال عام واحد، ظل العجز التجاري كبيرًا؛ إذ بلغت الصادرات 13.77 مليار دولار، مقابل واردات قاربت 39.68 مليار دولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية، وليس مجرد زيادة حجم التجارة.

 

فإذا تحولت الاستثمارات الصينية والهندية والروسية إلى مصانع ومشروعات إنتاجية داخل مصر تستهدف التصدير إلى أفريقيا وأوروبا، فقد تتحول عضوية بريكس إلى مكسب اقتصادي طويل الأجل. أما إذا ظلت العلاقة قائمة بصورة أساسية على استيراد السلع والآلات والمنتجات النهائية، فقد يرتفع حجم التجارة دون أن يحدث تغير جوهري في هيكل الاقتصاد المصري.

 

وتتفق الدراسات الدولية الحديثة على أن اختزال بريكس في كتلة موحدة مناهضة للغرب لا يعكس طبيعة المجموعة. وأشارت دراسة نشرتها Frontiers in Political Science إلى أن دول الشرق الأوسط تستفيد من بريكس لتوسيع خياراتها، بينما خلص تحليل لمركز كارنيجي إلى أن مصر تسعى إلى تنويع شركائها في مجالات التمويل والاستثمار والتجارة والعملات المحلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أهمية علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا.

 

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تحرك السيسي باعتباره جزءًا من استراتيجية لتوسيع هامش المناورة أمام مصر، وليس انتقالًا من محور دولي إلى آخر. فالقاهرة تحتاج في الوقت نفسه إلى الاستثمارات الآسيوية والأسواق الأوروبية والتمويل الدولي والعلاقات الخليجية والشراكة الأمريكية، إلى جانب علاقاتها مع روسيا والصين والهند.

 

ودخلت مصر المرحلة الأولى من تجربتها مع بريكس عبر المشاركة في الاجتماعات والانضمام إلى مؤسسات التكتل وتوسيع العلاقات التجارية والاستثمارية. أما المرحلة التالية فتتعلق بمحاولة تحويل العضوية إلى أجندة مصرية واضحة داخل المجموعة، من خلال الاستفادة من مشروع مركز الحبوب في شرق بورسعيد والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الآسيوية وتعزيز دور بنك التنمية الجديد.

 

وتدور هذه التحركات حول فكرة واحدة تتمثل في دمج مصر داخل الإطار الذي يربط اقتصادات بريكس بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. وفي هذا السياق، يظهر السيسي باعتباره صاحب القرار السياسي الذي يقود توسيع هامش المناورة أمام مصر، مستفيدًا من قناة السويس والتجارة والاستثمار والموقع الجغرافي باعتبارها أدوات مترابطة في السياسة الخارجية والاقتصادية، دون أن يعني ذلك أن النتائج المستهدفة تحققت بالفعل.

ويبدأ الاختبار الحقيقي بعد قمة نيودلهي. فإذا كان السؤال يتعلق بما قاله السيسي خلال قمة بريكس 2026، فإن الإجابة تكمن في البيانات الرسمية، لكن السؤال الأكثر أهمية يتمثل في حجم التغيير الذي سيحدث بعد القمة.

 

فهل تتحول المشروعات اللوجستية ومشروعات الحبوب إلى استثمارات وعمليات تشغيل فعلية؟ وهل ترتفع الصادرات المصرية إلى دول بريكس بوتيرة تتجاوز نمو الواردات؟ وهل تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز صناعي مشترك للشركات الهندية والصينية والروسية؟

 

كما ستظل قدرة مصر على تأمين تمويل جديد من بنك التنمية، وتوسيع استخدام العملات المحلية، والاستفادة من عضوية بريكس لربطها بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، مؤشرات أساسية للحكم على نجاح الرهان الاستراتيجي المصري.

 

وتملك مصر مقومات قوية داخل بريكس، تشمل موقعها الجغرافي وقناة السويس والسوق المحلية والموانئ والمنطقة الاقتصادية والقدرة على التعامل مع مجموعة واسعة من القوى الدولية. لكنها تواجه في المقابل تحديات تتعلق بتنويع قاعدتها الصناعية، وزيادة القيمة المضافة للصادرات، وتقلبات العملة، والحاجة إلى رفع الإنتاجية والقدرات التكنولوجية.

 

وفي النهاية، لن يتحدد نجاح الرهان المصري على بريكس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بقدرة القاهرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى إنتاج، والتحول إلى خدمات لوجستية، وتحويل العلاقات السياسية إلى استثمارات، واستغلال العضوية للوصول إلى أسواق تصديرية جديدة.

 

وقد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت مصر أصبحت قوة داخل بريكس، وإنما ما إذا كانت القاهرة قادرة على جعل بريكس تعتمد على موقعها الاستراتيجي بالقدر الذي تعتمد فيه مصر على أسواق التكتل واستثماراته.

 

وإذا نجحت القاهرة في ذلك، فقد تتحول عضوية بريكس من مكسب دبلوماسي إلى أصل اقتصادي طويل الأجل. أما إذا ظلت التجارة مدفوعة بصورة أساسية بتدفق الواردات، وبقيت المشروعات الكبرى حبيسة الخطط ومذكرات التفاهم، فسيظل النفوذ المصري داخل بريكس أقرب إلى وعد لم يتحول بعد إلى واقع.

 

https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/09/12/the-brics-test-has-sisi-turned-egypts-location-into-leverage/#sisi-and-brics-from-participation-to-shaping-an-egyptian-agenda