أثارت جولة تفقدية لعدد من مدارس القليوبية، قبيل بدء العام الدراسي، جدلًا واسعًا، بعد تداول مقطع ظهر خلاله محافظ القليوبية الدكتور حسام عبد الفتاح في نقاش حاد مع مديرة مدرسة تحدثت عن إنفاقها الشخصي.
الواقعة تجاوزت حدود النقاش داخل مدرسة، بعدما كشفت أسئلة أوسع حول اعتماد مدارس على التبرعات والجهود الذاتية، وغياب العمالة والتمويل، وتحمل المديرين أعباء يفترض أن تتحملها الدولة ومؤسساتها التعليمية.
مديرة المدرسة تدفع من جيبها.. فمن المسؤول عن مدارس القليوبية؟
بحسب المنشورات المتداولة، قالت مديرة مدرسة خلال الجولة إنها تحملت نفقات من مالها الخاص لتوفير احتياجات وتجهيزات داخل المدرسة، بينما تداولت حسابات ومنصات رقمًا يقارب 18 ألف جنيه.
المشكلة ليست في قيمة المبلغ وحدها، وإنما في أصل الواقعة، لأن مدير المدرسة ليس ممولًا للمؤسسة التعليمية، ولا يفترض أن يتحول راتبه إلى خزينة طوارئ لسد العجز.
إذا كانت المدرسة تحتاج إلى تجهيزات أساسية، فالسؤال يجب أن يتجه إلى الجهة المسؤولة عن توفيرها، وليس إلى الموظف الذي حاول سد النقص من ماله الخاص لإنقاذ المدرسة.
الأخطر أن الموظف قد يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة، ينتظر التمويل الرسمي فيحاسب على التأخير، أو ينفق من جيبه الخاص فيجد نفسه مطالبًا بتبرير تصرفه أمام المسؤولين.
وتداولت صفحة حزب تكنوقراط مصر منشورًا عن مدير مدرسة وبعض المدرسين وهم ينظفون المدرسة بأنفسهم، بسبب ما قيل إنه عدم وجود ميزانية كافية لتعيين عمال.
إذا صحت هذه الواقعة، فنحن أمام أزمة تتجاوز مدرسة بعينها، لأنها تعني أن نقص العمالة أصبح يدفع المعلمين والمديرين إلى القيام بمهام إضافية خارج وظائفهم الأساسية.
المدرس جاء إلى المدرسة ليعلّم، ومدير المدرسة جاء لإدارة العملية التعليمية، وليس لأداء أعمال النظافة أو الصيانة بدلًا من العمال الذين يفترض أن توفرهم الجهات المسؤولة.
ولا يجوز تحويل هذا العجز إلى قصة بطولية، لأن قيام الموظف بعمل إضافي لا يلغي مسؤولية الجهة التي كان يفترض أن توفر العامل والخدمة المطلوبة.
وتداولت منصات أخرى حديثًا منسوبًا إلى مديرة مدرسة ناصر الابتدائية عن استكمال التجهيزات بالصدقة الجارية والتبرعات والمشاركة المجتمعية، وهو ما فتح بابًا واسعًا للجدل.
هذه الشهادة، إذا ثبتت تفاصيلها، تفتح سؤالًا أخطر حول حجم اعتماد بعض المدارس على الموارد غير الرسمية لتوفير احتياجات أساسية يفترض أن تكون مغطاة رسميًا.
المشاركة المجتمعية يمكن أن تكون دعمًا إضافيًا للتعليم، لكنها لا يجب أن تتحول إلى بديل عن المخصصات الحكومية التي يفترض أن تضمن الحد الأدنى من احتياجات المدارس.
فالمدرسة ليست مشروعًا خيريًا، ومديرها ليس مسؤولًا عن جمع التبرعات، والطالب لا يجب أن يدفع ثمن ضعف التمويل أو تعقيد الإجراءات داخل المؤسسات التعليمية.
وعندما تصبح التبرعات وسيلة أساسية لتجهيز المدرسة، فإن السؤال يصبح أكبر من الواقعة نفسها، ويجب البحث عن الأموال المخصصة للمدارس وكيفية وصولها وأوجه إنفاقها.
أين الأموال المخصصة للمدارس؟ وأين تذهب مخصصات الصيانة والنظافة والتجهيز؟ ومن المسؤول عن وصولها؟ ولماذا تضطر إدارة مدرسة إلى البحث عن متبرعين قبل استقبال الطلاب؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من الإشادة بمديرة أنفقت من مالها الخاص، لأن الإشادة وحدها قد تخفي المشكلة بدلًا من كشفها وتحديد الجهة المسؤولة عنها.
مديرة المدرسة التي تنفق من مالها قد تكون حريصة على طلابها، لكن إخلاصها لا يجب أن يتحول إلى غطاء على غياب الموارد الرسمية المفترض توفيرها.
والمدير الذي ينظف مدرسته بنفسه قد يكون مخلصًا، لكن إخلاصه لا يعفي المسؤولين من توفير العمالة المطلوبة، ولا يحول العجز الإداري إلى إنجاز مؤسسي.
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها النقاش الحقيقي حول مدارس القليوبية، بدلًا من اختزال الأزمة في مقطع مصور ينتشر لساعات ثم تختفي تفاصيله.
كل الاحترام والتقدير للسيده الام المثالية مديره المدرسه جزاها الله كل خير و وصمه عار هذا الحوار بنبره سيئه و بدون أي حلول مع مديرة المدرسه من المهندس حسام عميد كليه هندسه القاهره السابق وهو المحافظ الحالي. في انتظار بيان الوزير لمعرفه اين ذهبت الأموال المخصصه لهذه المدارس قبل ايام من بدايه الدراسة
— أحمدصالحAhmd Saleh (@iahmedsalih) September 7, 2026
المحافظ ومديرو المدارس.. محاسبة حقيقية أم تحميل للموظف نتيجة العجز؟
أظهر المقطع المتداول نقاشًا حادًا بين المحافظ ومديرة المدرسة، بعد حديثها عن الإنفاق من مالها الخاص لتوفير بعض الاحتياجات، وهو ما أشعل موجة انتقادات واسعة.
وهنا لا يجب اختزال القضية في نبرة الحوار، لأن أصل المشكلة يتعلق بالموارد التي كانت تحتاجها المدرسة قبل بدء الدراسة، وبالجهة المسؤولة عن توفير تلك الاحتياجات.
إذا كانت المديرة قد قدمت مستندات وفواتير تثبت ما أنفقته، فالمطلوب مراجعة هذه المستندات وتحديد المسؤول عن عدم توفير الاحتياجات قبل بداية العام الدراسي.
أما تحويل الموظف إلى محور الأزمة، فيترك السؤال الأساسي بلا إجابة، ويجعل المدير يبدو مسؤولًا عن مشكلة تتجاوز صلاحياته وإمكاناته المالية والإدارية.
من المسؤول عن تمويل المدرسة؟ ومن المسؤول عن أعمال الصيانة؟ ومن المسؤول عن النظافة؟ ومن المسؤول عن توفير التجهيزات؟ ومن يتابع حالة المبنى قبل الدراسة؟
هذه مسؤوليات إدارية لا يمكن حلها بالصوت المرتفع أو بالجولات أمام الكاميرات، وإنما تحتاج إلى نظام واضح يحدد الصلاحيات والتمويل وآليات المحاسبة.
الجولة التفقدية يجب أن تكون وسيلة لاكتشاف المشكلات وإصلاحها، وليس مناسبة لتحويل مدير المدرسة إلى متهم علني أمام زملائه وطلابه ووسائل الإعلام.
كما تداولت وسائل إعلام حديثًا عن مدرسة برقطا الابتدائية، وما وصف بمشكلات في الحمامات والسلم وعدم صلاحيتهما للاستخدام، وهو ما زاد علامات الاستفهام.
وجود مشكلات في مرافق أساسية داخل مدرسة قبل بداية الدراسة يطرح سؤالًا واضحًا عن أعمال المتابعة التي سبقت الجولة، ومن كان مسؤولًا عن اكتشافها.
أين كانت تقارير الإدارات التعليمية؟ وأين لجان التفتيش؟ وأين خطط الصيانة؟ ولماذا لم تُكتشف المشكلات مبكرًا؟ هذه أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة من المسؤولين.
الطلاب لا يجب أن يكونوا وسيلة لاكتشاف عيوب المدارس بعد وصول المسؤولين إليها، فالمدرسة يجب أن تكون جاهزة قبل بدء الدراسة بفترة كافية.
كما أعلنت نقابة المعلمين رفضها لما وصفته بأسلوب التعامل غير اللائق خلال الجولة التفقدية بمدارس القليوبية، مطالبة بالحفاظ على كرامة العاملين بالتعليم.
وشملت الوقائع المتداولة مدير مدرسة برقطا الابتدائية بكفر شكر، ومديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار في بنها، مع الإشارة إلى أعباء الصيانة.
وتحدثت النقابة عن ضرورة الحفاظ على كرامة المعلم ومدير المدرسة، والتعامل مع الملاحظات الإدارية عبر القواعد والقنوات القانونية، بعيدًا عن المواجهات العلنية.
كما نُسب إلى خلف الزناتي، نقيب المعلمين، توجه النقابة لمخاطبة رئيس مجلس الوزراء لوضع إطار واضح ينظم الزيارات التفقدية للمدارس ويحفظ حقوق العاملين.
وهنا يجب التأكيد أن احترام الموظف لا يعني إعفاءه من المحاسبة، كما أن المحاسبة لا تعني إهانته أمام الكاميرات أو تحويله إلى طرف ضعيف.
المحاسبة الحقيقية تبدأ بتوفير الأدوات والموارد، ثم محاسبة المسؤول عن التقصير بعد التأكد من امتلاكه الصلاحيات اللازمة لتنفيذ المطلوب منه.
أما تحميل المدير مسؤولية مدرسة كاملة دون توفير الموارد، فيعني ببساطة محاسبته على شيء لا يملك أدوات إصلاحه، وهي معادلة غير عادلة إداريًا.
وهذه المعادلة تضع مدير المدرسة في موقف بالغ الصعوبة، لأنه يتحمل النتيجة النهائية رغم عدم امتلاكه دائمًا للموارد اللازمة.
إذا انتظر الموافقات، قد يتهم بالتقصير، وإذا تصرف من ماله الخاص، قد يواجه أسئلة عن مصدر الإنفاق وطريقة التصرف، وإذا استعان بالتبرعات تصبح المشكلة أكبر.
في كل الحالات، يظل الطالب في النهاية هو الطرف الذي يدفع ثمن الارتباك الإداري، لأن نقص الموارد ينعكس مباشرة على البيئة التعليمية والخدمات المقدمة.
وتصبح بداية العام الدراسي مناسبة لاكتشاف مشكلات كان يفترض علاجها قبل أشهر، بدلًا من أن تكون مرحلة نهائية للتأكد من الجاهزية.
وهنا يجب أن يكون السؤال: هل لدينا نظام واضح لجاهزية المدارس، أم نعتمد على الجولات المفاجئة لكشف الخلل بعد وقوعه أمام الكاميرات؟
ثقافة اللقطة نعمل جولة نصور نعلن تعاقب نقل بالناس قدام الكاميرات عشان نبين نجاح المنظومة بس الست المديرة عملت دابل كيك ولا جون سينا وما خافتش وقالت له انا عامله المية والكهرباء والمجاري علي حسابي اومال سيادتك كنت فين في شهور الإجازة ليه ماعملتش اجتماعات وشفت المدارس عاوزة ايه بدل الشو اللي المحافظين بيعملوه ده اتمنى نقابة المعلمين تطلع بيان وتقول طالما فيه تصوير محدش من المدرسين أو الإدارة يبقا موجود زي نقابة الأطباء ازاي المدير هايتعامل مع الطلبة والمدرسين وهما شايفين الوزير حاطط عليه وبيمارس عليه سلطته
— رضوان (@Radwan6655) September 7, 2026
من التبرعات إلى «الشو الإعلامي».. أين تذهب مسؤولية الدولة؟
فتح ما حدث نقاشًا واسعًا حول طبيعة الجولات المفاجئة، وهل الهدف منها حل المشكلات فعلًا أم إظهارها أمام الكاميرات، وسط انتقادات متزايدة.
ولا يمكن صحفيًا الجزم بوجود نية لـ«الشو الإعلامي» دون أدلة مستقلة، لكن يمكن مناقشة الطريقة التي تظهر بها هذه الجولات أمام الرأي العام.
فصورة المسؤول وهو يواجه مدير مدرسة قد تنتشر خلال ساعات، بينما تختفي خلفها عشرات الأسئلة المتعلقة بالتمويل والصيانة والعمالة وآليات صرف المخصصات.
ولهذا يصبح التركيز على المشهد الشخصي خطرًا، لأنه يختصر أزمة مؤسسية كاملة في لحظة انفعال أمام الكاميرات، بدلًا من البحث عن جذورها الحقيقية.
وكتب رضوان تعليقًا انتقد فيه ما وصفه بثقافة اللقطة، متسائلًا عن قدرة مدير المدرسة على التعامل مع الطلاب والمعلمين بعد تعرضه للتوبيخ.
كما انتقد الحقوقي هيثم أبوخليل ما اعتبره استعراضًا إعلاميًا خلال الجولة، وهي رؤية تعكس جانبًا من الغضب المتداول تجاه الواقعة.
المشكلة الأكبر تبدأ عندما يتحول التصوير إلى بديل عن الحل، فالمدرسة تحتاج إلى إصلاح الحمامات وليس تصوير المسؤول وهو يكتشف المشكلة أمام الكاميرات.
وتحتاج إلى عمال نظافة، وليس تصوير المدرسين وهم يمسحون الفصول، لأن ذلك يحول نقص العمالة إلى مشهد عاطفي بدلًا من اعتباره أزمة إدارية.
وتحتاج إلى تمويل، وليس تصوير المدير وهو يشرح لماذا دفع من جيبه، لأن السؤال يجب أن يكون عن مصدر التمويل الرسمي.
وتحتاج إلى صيانة، وليس انتظار جولة مفاجئة حتى تظهر الأعطال أمام الجمهور، ثم تبدأ بعدها إجراءات الإصلاح تحت ضغط التغطية الإعلامية.
كما جرى تداول حديث عن استبعاد مدير الإدارة التعليمية بكفر شكر بعد ساعات من واقعة مديرة المدرسة، وسط تساؤلات عن أسباب القرار.
التزامن الزمني وحده لا يثبت وجود علاقة بين القرار والواقعة، ولذلك يجب الفصل بين ما هو مؤكد وما هو مجرد استنتاج متداول.
لكن عندما يحدث قرار إداري حساس بعد واقعة أثارت اهتمامًا عامًا، فمن حق الرأي العام معرفة أسبابه الرسمية وتوقيت صدوره وملابساته.
وتحدث محمد عبدالله، أمين عام نقابة المعلمين، عن اضطرار بعض مديري المدارس إلى الدفع من جيوبهم لتوفير احتياجات ضرورية.
كما قام بتوضيح بشأن توزيع الاختصاصات بين الجهات المختلفة، بما يشمل الأعمال الإنشائية والخدمات المحلية وبعض احتياجات المدارس اليومية.
وبحسب ما تم تداوله، ترتبط الإنشاءات والترميمات الكبرى بهيئة الأبنية التعليمية، بينما ترتبط خدمات محلية أخرى بجهات المحافظة وفق طبيعة كل بند.
لكن تعدد الجهات المسؤولة لا يجب أن يتحول إلى مبرر لضياع المسؤولية، لأن المدرسة تحتاج في النهاية إلى جهة واضحة تستجيب لاحتياجاتها.
مدير المدرسة يحتاج إلى جهة يعرف من خلالها صاحب الاختصاص، وطريقة طلب التمويل، وموعد تنفيذ الخدمة، بدلًا من الدوران بين إدارات مختلفة.
والمدرسة تحتاج إلى نظام مالي يسمح بالتعامل السريع مع الاحتياجات الضرورية، خصوصًا تلك المتعلقة بالنظافة والصيانة والمرافق التي لا تحتمل التأجيل.
ومن غير المقبول أن تنتظر المدرسة حتى تتفاقم المشكلة، ثم تبدأ رحلة طويلة بين الإدارات والجهات المختلفة، بينما يقترب موعد الدراسة.
وتشمل احتياجات المدارس بنودًا كثيرة، تبدأ بالنظافة والعمالة، ولا تنتهي عند الصيانة والتجهيزات والمقاعد والتخت المدرسية والوسائل التعليمية.
هناك الدهانات والمقاعد والتخت المدرسية والسبورات والأجهزة والوسائل التعليمية، وكل بند من هذه البنود يحتاج إلى تمويل واضح ومسؤولية محددة.
وإذا غابت هذه العناصر، يصبح المدير أول شخص يظهر في مواجهة الأزمة، رغم أن أسبابها قد تكون خارج سلطته تمامًا.
وهنا تتحول المسؤولية إلى دائرة مغلقة، تطلب فيها الإدارة من المدير تجهيز المدرسة، بينما ينتظر المدير التمويل، ثم تبدأ المحاسبة عند ظهور المشكلات.
التمويل يتأخر، ثم تبدأ الجولة، ويظهر الخلل، وتبدأ المحاسبة، ويتحول المدير إلى عنوان للأزمة، بينما تظل جذور المشكلة بعيدة عن الكاميرات.
هذه ليست طريقة يمكن أن تبني تعليمًا مستقرًا، فالمدرسة تحتاج إلى إدارة قوية، لكنها تحتاج أيضًا إلى موارد حقيقية تصل في الوقت المناسب.
المدير يحتاج إلى المحاسبة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى الصلاحيات، والمعلم يحتاج إلى أداء وظيفته، وليس إلى سد عجز العمالة.
والطلاب يحتاجون إلى مدرسة مجهزة ونظيفة وآمنة، لا إلى وعود جديدة تتكرر مع بداية كل عام دراسي دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة.
كما أن الاعتماد على التبرعات يضع المدارس أمام تفاوت خطير، لأن مدرسة في منطقة قادرة اقتصاديًا قد تحصل على دعم أكبر من مدرسة أخرى.
وبذلك يصبح مستوى المدرسة مرتبطًا بقدرة المجتمع المحيط عليها، بدلًا من أن يكون حقًا متساويًا لكل طالب في الحصول على بيئة تعليمية مناسبة.
وهذا يضرب فكرة العدالة التعليمية من أساسها، لأن جودة المدرسة لا يجب أن تتوقف على قدرة الأهالي أو المدير على جمع الأموال.
التعليم حق عام، ولا ينبغي أن يتحدد مستوى نظافة المدرسة أو تجهيزها بحسب قدرة المدير على جمع التبرعات أو وجود متبرعين.
ولا بحسب عدد أولياء الأمور القادرين على الدفع، ولا بحسب وجود رجال أعمال مستعدين للمساعدة، ولا بحسب قدرة المدير نفسه على الإنفاق.
المشاركة المجتمعية مرحب بها عندما تكون إضافة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بديل عن التمويل الحكومي والموارد التي يجب توفيرها رسميًا.
ومن هنا فإن واقعة القليوبية تستحق أن تتحول من مقطع منتشر إلى ملف كامل للمراجعة، بدلًا من أن تنتهي بانتهاء موجة الغضب.
يجب معرفة حجم الأموال التي تصل إلى المدارس، وتوقيت صرفها، والبنود التي تغطيها، وأسباب أي تأخير، والجهة المسؤولة عن التنفيذ.
ويجب معرفة عدد المدارس التي تعاني نقص العمالة، وعدد المدارس التي تعتمد على التبرعات، وعدد المديرين الذين اضطروا إلى الإنفاق من أموالهم.
هذه البيانات هي التي تكشف حقيقة الأزمة، أما صور الجولات والمناقشات الحادة فلن تقدم وحدها إجابة عن أسباب نقص الموارد.
والأهم أن تكون هناك حماية إدارية للمدير الذي يبلغ عن نقص الموارد، وألا يتحول الإبلاغ عن المشكلة إلى سبب لمواجهة أو عقوبة.
لا ينبغي أن يخاف المدير من الحديث عن المشكلة، ولا ينبغي أن يشعر أن الاعتراف بنقص الإمكانات قد يتحول إلى اتهام بالتقصير.
المطلوب هو العكس تمامًا، يجب أن تكون شكوى المدير بداية للتحرك، وأن تكون الفاتورة بداية للمراجعة، وأن يكون العطل بداية للصيانة.
ويجب أن يكون نقص العمالة بداية لتوفير العمال، لا سببًا لإجبار المدرسين على القيام بأعمال النظافة، ثم الاحتفاء بهم باعتبارهم أبطالًا.
إن ما جرى في القليوبية يضع الدولة أمام سؤال واضح: هل تريد مدارس جاهزة فعلًا، أم تريد صورًا لمدارس تبدو جاهزة بعد تدخلات فردية؟
الفرق بين الأمرين كبير، فالمدرسة الجاهزة هي التي تتوافر فيها الموارد قبل وصول الطلاب، وليس التي يتم إنقاذها في اللحظات الأخيرة.
أما المدرسة التي ينظفها المدرسون، ويجهزها المدير من ماله، وتعتمد على التبرعات، ثم تظهر في جولة تفقدية، فهي تعكس أزمة لا بطولة.
ولهذا يجب التوقف عن صناعة الأبطال من الموظفين الذين يسدون عجز المؤسسات، لأن البطولة الفردية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة.
المدير الذي يدفع من جيبه ليس حلًا للأزمة، والمدرس الذي ينظف المدرسة ليس بديلًا عن العمال، والمتبرع ليس بديلًا عن الموازنة.
والجولة التفقدية ليست بديلًا عن الإدارة، والكاميرا ليست بديلًا عن المحاسبة، والتوبيخ أمام الناس لا يمكن أن يحل مشكلة نقص الموارد.
المطلوب منظومة تتحمل مسؤوليتها كاملة، وتمنح مدير المدرسة الصلاحيات والموارد اللازمة، ثم تحاسبه بوضوح إذا ثبت تقصيره بعد توفير الأدوات.
ومن حق المواطنين معرفة أين تذهب مخصصات التعليم، ومن حق المعلمين معرفة حدود مسؤولياتهم، ومن حق المديرين الحصول على الأدوات اللازمة.
ومن حق الطلاب دخول مدارس نظيفة وآمنة ومجهزة، دون انتظار تبرع أو مبادرة شخصية أو مدير يقرر التضحية بجزء من ماله الخاص.
أما استمرار تحميل الأفراد مسؤولية سد العجز، ثم تقديمهم باعتبارهم أبطالًا، فهو لا يحل الأزمة، بل يجعل التراجع يبدو طبيعيًا ومقبولًا.
لذلك يجب أن تتجاوز القضية حدود محافظة القليوبية، وأن تبدأ مراجعة حقيقية لواقع المدارس ومواردها وآليات الصرف والمتابعة قبل بداية كل عام دراسي.
المطلوب معرفة ما إذا كانت الإدارات المدرسية تمتلك موارد كافية للتعامل مع الاحتياجات اليومية، ووضع قواعد تمنع تحميل العاملين نفقات من أموالهم الخاصة.
كما يجب وضع آلية واضحة لاستقبال شكاوى مديري المدارس دون ضغط، بحيث تكون الشكوى وسيلة لإصلاح الخلل وليست سببًا لمحاسبة صاحبها.
المحاسبة يجب أن تبدأ بعد توفير الإمكانات، لا قبلها، والتفتيش يجب أن يؤدي إلى الإصلاح، لا إلى صناعة مشهد إعلامي جديد.
والجولة يجب أن تنتهي بقرارات تنفيذية واضحة، لا بمجرد انتشار فيديو جديد، لأن الجمهور لا يحتاج إلى مشاهد إضافية بقدر حاجته إلى نتائج.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس لماذا دفعت المديرة من مالها، وإنما لماذا اضطرت إلى الدفع أصلًا، ومن المسؤول عن توفير احتياجات المدرسة.
وليس السؤال لماذا نظف المدرسون المدرسة، وإنما أين العمال، ولماذا لم تكن المدرسة مجهزة بالعمالة اللازمة قبل استقبال الطلاب في بداية العام الدراسي.
وليس السؤال لماذا ظهرت الحمامات والسلالم بهذه الحالة، وإنما أين كانت الصيانة والمتابعة، ومن المسؤول عن ترك هذه المشكلات حتى موعد الدراسة.
وليس السؤال كيف تعامل المحافظ مع المدير، وإنما السؤال الأكبر هو كيف وصلت المدارس إلى هذه الحالة قبل بداية العام الدراسي.
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، أما تحويل الأزمة إلى صور ومقاطع وتعليقات وإشادات، فلن يوفر للمدرسة عامل نظافة واحدًا.
ولن يصلح حمامًا، ولن يشتري مقعدًا، ولن يوفر جهازًا، ولن يعيد الأموال التي أنفقها مدير أو مديرة من أموالهم الخاصة لتجهيز المدرسة.
التعليم لا يحتاج إلى مزيد من البطولات الفردية، بل يحتاج إلى دولة تتحمل مسؤولياتها، ومنظومة تملك الموارد وتحدد المسؤوليات وتحاسب المقصر الحقيقي.
وفي حال ثبت أن مديرين ومدرسين ينفقون من أموالهم الخاصة لتجهيز المدارس، فهذه ليست مناسبة للتصفيق فقط، وإنما مناسبة لفتح الملفات والمراجعة والمحاسبة.
يجب مراجعة الموازنات وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين، وضمان ألا يدفع الموظف ثمن عجز مؤسسة كاملة لا يملك أدوات التحكم فيها.
فالمدرسة التي تستعد للدراسة بالتبرعات والجهود الشخصية ليست نموذجًا يحتذى به، وإنما إنذار يجب أن يسمعه المسؤولون قبل أن يصبح العجز قاعدة.
والمدير الذي اضطر إلى الدفع من جيبه لا يجب أن يكون بطل الحكاية الوحيد، لأن البطولة الحقيقية هي منع وصول المدرسة إلى هذه النقطة.

