دفعت زيادات الوقود والكهرباء وتكاليف الشحن أسعار الأدوات المدرسية إلى الصعود بين 15% و25%، لتستقبل الأسر الموسم الجديد بفواتير أثقل، بينما تواصل الدخول تراجعها أمام تضخم سنوي بلغ 13% خلال يوليو الماضي.
وكشفت حركة السوق أن ضعف الإقبال لم يمنع تمرير جانب من زيادة التكلفة إلى المستهلكين، إذ اضطر التجار إلى استخدام مخزون الموسم الماضي وتخفيض هوامش الربح، تفاديًا لمزيد من الركود وتراجع المبيعات.
فاتورة الاستيراد تضرب الأسر
وبحسب عضو مجلس إدارة شعبة الأدوات المكتبية طه أبو جبل، تحمل التجار جزءًا كبيرًا من الزيادات لتحريك الطلب، لكن هذا التحمل لم يحم الأسر من قفزة جديدة في أسعار الاحتياجات الدراسية الأساسية.
في المقابل، ربط أبو جبل ارتفاع تكاليف الإنتاج بزيادة أسعار السلع العالمية واضطراب حركة الشحن بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي تداعيات ضاعفت أعباء موسم دراسي مثقل أصلًا بمصروفات متزايدة.
إلى جانب ذلك، أسهمت قرارات زيادة أسعار الوقود والكهرباء في رفع تكلفة النقل والتصنيع والتخزين، ما جعل الأسرة تدفع ثمن الأزمة عند شراء كل حقيبة أو قلم أو زجاجة مياه أو علبة طعام.
ومن ناحية أخرى، قال عضو شعبة الأدوات المكتبية محمد العشري إن نحو 60% من الأدوات والمستلزمات المدرسية مستوردة، وبينها الحقائب والأقلام وزجاجات المياه وعلب الطعام، ما يربط أسعارها مباشرة بالشحن والاستيراد.
كما أن ارتفاع المكون المستورد يجعل أي اضطراب خارجي ذريعة جاهزة لزيادة الأسعار محليًا، في وقت لا تتوافر فيه رقابة واضحة تضمن تناسب الزيادة المفروضة على المستهلك مع التكلفة الفعلية للسلعة.
ولهذا، لجأ التجار إلى تصريف كميات فائضة من الموسم الماضي، وفق العشري، في محاولة لإبقاء الأسعار ضمن حدود تقبلها الأسر التي باتت تحذف بعض المشتريات وتعيد استخدام مستلزمات قديمة لأبنائها.
وبالتالي، لا يعكس تباطؤ الطلب تراجع الحاجة إلى الأدوات المدرسية، بل يكشف انكماش القدرة الشرائية، إذ تحولت قائمة ضرورية لبداية العام إلى عبء يستدعي المفاضلة بين التعليم والطعام والالتزامات المنزلية.
بدائل محلية تحت الضغط
بدوره، أشار عضو شعبة الأدوات المكتبية علاء عادل إلى توسع الصناعات المحلية في إنتاج المستلزمات، معتبرًا أن البدائل المصرية تمنح محدودي الدخل خيارات أرخص، بجودة مناسبة مقارنة ببعض السلع المستوردة المرتفعة الثمن.
ووفقًا لعادل، تراجع اعتماد محدودي الدخل على المنتجات المستوردة بنسبة تتراوح بين 60% و70%، مدفوعًا بتوافر الإنتاج المحلي، لكن هذا التحول يعكس أيضًا اضطرار الأسر إلى البحث عن الأرخص تحت ضغط الغلاء.
مع ذلك، لا يكفي وجود بديل محلي لضمان استقرار الأسعار، ما دامت تكلفة الطاقة والنقل والخامات والتمويل ترتفع تباعًا، وتنتقل آثارها عبر حلقات الإنتاج والتوزيع حتى تصل كاملة تقريبًا إلى المستهلك.
علاوة على ذلك، يحتاج التوسع الصناعي إلى حماية من تقلبات الخامات المستوردة وتكاليف الاقتراض، وإلا بقي المنتج المحلي محاصرًا بالمدخلات المرتفعة، وفقد قدرته على تقديم سعر يناسب الأسر أو منافسة السلع الخارجية.
ومن ثم، يصبح الحديث عن تشجيع الصناعة بلا سياسات تخفض التكلفة مجرد شعار، لأن المصانع الصغيرة لا تستطيع وحدها امتصاص زيادات الكهرباء والوقود والشحن، ولا حماية المستهلك من موجات تسعير متلاحقة.
في الوقت نفسه، يكشف اعتماد السوق على المخزون القديم أن التجار لا يراهنون على موسم قوي، بل يحاولون تقليل خسائرهم في سوق يزداد فيها التقشف وتتراجع المشتريات إلى الحدود الضرورية.
وبناءً على ذلك، تبدو البدائل المحلية فرصة مهمة، لكنها لن تتحول إلى حماية مستدامة للأسر دون رقابة على الأسواق، ودعم للإنتاج، ومنع المغالاة التي تستغل الموسم الدراسي لفرض أسعار لا تبررها التكلفة.
الكتب تخالف هبوط الورق
غير أن رئيس شعبة تجارة الورق عمرو خضر وصف زيادة أسعار الكتب الخارجية بنسب تقارب زيادات المستلزمات بأنها غير مبررة، خصوصًا مع تراجع أسعار الورق المحلي والمستورد مقارنة بالعام الماضي.
وأوضح خضر أن طن الورق المحلي انخفض بنحو 4 آلاف جنيه، ليتراوح بين 37 و44 ألفًا، بينما تراوح سعر المستورد بين 42 و45 ألف جنيه، بما ينقض مبررات رفع الكتب.
ولأن الورق يمثل نحو 70% من تكلفة إنتاج الكتب، فإن تراجعه كان يفترض أن ينعكس انخفاضًا أو استقرارًا في السعر النهائي، لا زيادة جديدة تُحمّل أولياء الأمور فاتورة تناقض اتجاه الخامات.
أما فجوة الورق، فتظل قائمة مع إنتاج محلي يبلغ نحو 200 ألف طن سنويًا مقابل استهلاك يتراوح بين 400 و420 ألف طن، لكن انخفاض سعر المستورد يضعف استخدامها مبررًا للزيادات الحالية.
كذلك، أنهت نحو 44 مطبعة تسليم كتب الفصل الدراسي الأول ضمن مناقصة قاربت مليار جنيه، مقابل نحو 1.1 مليار خلال العام السابق، ما يؤكد تراجع كلفة الطباعة الحكومية بدلًا من ارتفاعها.
بعبارة أخرى، تنخفض أسعار الورق وقيمة المناقصة، ثم ترتفع أسعار الكتب الخارجية، وهي معادلة تثير شبهة تحميل الأسر هوامش إضافية لا تفسرها الخامات، وتستدعي كشف تكلفة الطباعة والتوزيع والأرباح الحقيقية.
لهذا السبب، تصبح الرقابة على تسعير الكتب ضرورة عاجلة، لا سيما أن شراءها لم يعد ترفًا داخل نظام تعليمي يدفع الطلاب إلى الاعتماد عليها لتعويض التكدس وضعف الشرح ونقص الخدمات المدرسية.
وعلى هذا الأساس، لا تقتصر الأزمة على زيادات موسمية، بل تكشف منظومة تنقل كلفة قرارات الطاقة والاستيراد وضعف الرقابة إلى الأسرة، ثم تتركها وحيدة أمام تعليم تتضاعف نفقاته وتتراجع قدرته على الإنصاف.
في النهاية، يدخل ملايين الطلاب عامهم الجديد تحت ضغط سوق يرفع الأسعار حين ترتفع الخامات ولا يخفضها حين تتراجع، بينما تتحول احتياجات الدراسة إلى اختبار قاس لقدرة الأسرة على الصمود.

