تتواصل منذ عام 2020 معاناة مئات الأسر بمنطقة الطيبي في حي السيدة زينب، بعدما تحولت وعود العودة السريعة إلى انتظار مفتوح بلا موعد نهائي.
وعد المسؤولون الأهالي بأن نقلهم مؤقت، ولن يتجاوز عامًا واحدًا، لكن خمس سنوات مضت، بينما تلتهم الإيجارات بدل السكن الزهيد وتضاعف أعباء الأسر.
بدأت أزمة أهالي الطيبي مع إجراءات تطوير المنطقة، قبل هدم المنازل العشوائية خلال عام 2021، ونقل السكان إلى مساكن مؤقتة لحين إنجاز المشروع أو منحهم بدل سكن للإيجار.
وتعامل الأهالي مع قرار الإخلاء باعتباره خطوة مؤقتة، خاصة بعد تأكيدات رسمية بأن تنفيذ الوحدات الجديدة وتسليمها لن يستغرق أكثر من عام.
وعد العام يتحول لسنوات
لكن العام الموعود انتهى دون تسليم، ثم توالت السنوات تباعًا، بينما بقيت الأسر موزعة بين شقق مستأجرة ومناطق بعيدة عن موطنها الأصلي.
دخلت الأزمة عامها الخامس، ولا يزال السكان ينتظرون إعلان موعد واضح لإجراء القرعة وتسليم مفاتيح الوحدات السكنية داخل مشروع «روضة السيدة 2».
تحول الانتظار الطويل إلى مصدر دائم للقلق، بعدما فقدت الأسر القدرة على التخطيط لمستقبلها أو معرفة المدة المتبقية للعودة إلى مساكنها.
لم يعد التأخير مجرد مشكلة إدارية، بل أصبح أزمة معيشية واجتماعية طالت الاستقرار الأسري والتعليم والعمل والعلاقات التي ربطت السكان بمنطقتهم القديمة.
يؤكد الأهالي أنهم وافقوا على الإخلاء استنادًا إلى وعود الدولة، ولم يتوقعوا أن يعيشوا سنوات من التنقل ودفع فروق إيجارات تفوق دخولهم.
ويرى المتضررون أن الالتزام بالتطوير كان يجب أن يقابله التزام مماثل بالجدول الزمني، وحماية الأسر من الأضرار الناتجة عن إطالة فترة الانتظار.
كانت المنازل القديمة، رغم مشكلاتها، توفر للأهالي قدرًا من الاستقرار، بينما وضعهم الإخلاء أمام سوق إيجارات تتغير أسعاره بصورة مستمرة وسريعة.
ومع كل زيادة جديدة، تتراجع قدرة الأسر على الاستمرار في مساكنها المؤقتة، وتبدأ رحلة أخرى للبحث عن شقة أقل تكلفة وأبعد مسافة.
تسبب ذلك في انتقال بعض المتضررين أكثر من مرة، بما فرض عليهم مصروفات إضافية للتأمين والنقل وتجهيز المسكن الجديد وربط الخدمات الأساسية.
كما فقدت أسر كثيرة ميزة السكن بالقرب من أماكن العمل والمدارس والأسواق ووسائل المواصلات والخدمات التي اعتادت الاعتماد عليها يوميًا.
وأصبح الموظفون والعمال مضطرين إلى قطع مسافات أطول، ودفع مصروفات انتقال مرتفعة، إلى جانب فروق الإيجارات وتكاليف المعيشة المتزايدة.
أما الأطفال، فواجه بعضهم صعوبة في الاستمرار بمدارسهم القديمة، بسبب بعد المساكن المؤقتة وارتفاع تكلفة الانتقال اليومي إليها.
بدل هزيل وإيجارات مشتعلة
تتمثل الشكوى الأكثر إلحاحًا في القيمة الزهيدة لبدل السكن المؤقت الذي تمنحه محافظة القاهرة للأسر المتضررة طوال سنوات انتظار التسليم.
يؤكد السكان أن البدل ربما كان مناسبًا نسبيًا عند تحديده، لكنه فقد جزءًا كبيرًا من قيمته بعد الارتفاعات المتلاحقة بأسعار الإيجارات.
قفزت إيجارات الشقق في القاهرة عدة مرات، بينما بقي الدعم المخصص للأهالي بعيدًا عن القيمة الفعلية المطلوبة لاستئجار مسكن ملائم للأسرة.
اضطرت الأسر إلى سداد الفارق من دخولها المحدودة، رغم أن الإخلاء تم لتنفيذ مشروع حكومي يفترض ألا يحمل المتضررين أعباءً إضافية.
وتزداد الأزمة قسوة بالنسبة لأصحاب المعاشات والأرامل والعمالة غير المنتظمة، الذين لا يملكون دخولًا ثابتة تستطيع استيعاب الزيادات المتكررة.
بعض الأسر باتت تخصص جانبًا كبيرًا من دخلها للإيجار، على حساب الطعام والعلاج والتعليم وسداد فواتير الكهرباء والمياه والغاز.
ولجأت عائلات إلى الاقتراض من الأقارب، بينما اضطرت أخرى إلى الاستغناء عن احتياجات أساسية حتى تتجنب الطرد من مساكنها المؤقتة.
ودفعت الأزمة بعض المتضررين إلى البحث عن وحدات أرخص في مناطق نائية أو عشوائية، بعيدة عن أعمالهم ومدارس أبنائهم ومحيطهم الاجتماعي.
ويكشف هذا الواقع تناقضًا واضحًا بين الهدف المعلن للمشروع، وهو نقل الأسر إلى حياة أكثر أمانًا، والنتائج التي تحملوها خلال الانتظار.
فالأهالي الذين أُخرجوا من منطقة غير آمنة وجد بعضهم نفسه مضطرًا للانتقال إلى مناطق تفتقر أيضًا إلى الخدمات أو المواصلات المناسبة.
ولا يطالب السكان بامتيازات استثنائية، بل بتعويض يتناسب مع أسعار السوق، أو تسليم الوحدات التي انتظروها خمس سنوات كاملة.
ويطالبون كذلك بإعادة تقييم بدل السكن بأثر فوري، وربطه بمتوسط الإيجارات الفعلية، حتى لا تتحمل الأسر تكلفة التأخير الحكومي.
فالمواطن لم يكن مسؤولًا عن تعطل الإنشاءات أو تأخر المرافق أو مراجعة الكشوف، ولذلك يرفض الأهالي تحميلهم نتائج هذه العقبات.
كما يطالب المتضررون بصرف فروق عادلة عن السنوات الماضية، بعدما التهمت الإيجارات مدخراتهم وراكمت الديون على عدد كبير منهم.
ويقول الأهالي إن المشكلة لم تعد قابلة للمزيد من الوعود العامة، لأن كل شهر تأخير يعني إيجارًا جديدًا وعبئًا إضافيًا.
وتضاعفت الضغوط مع الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما جعل تدبير فارق الإيجار مهمة شاقة داخل ميزانية الأسرة.
وبدلًا من الاستعداد للعودة إلى مساكن مستقرة، انشغلت العائلات بتأمين إيجار الشهر التالي وتجنب مطالبات الملاك بزيادات جديدة.
ويعتبر السكان أن استمرار البدل بقيمته الحالية يفرغ فكرة الحماية الاجتماعية من مضمونها، ويحول التعويض إلى مبلغ رمزي لا يحل الأزمة.
مشروع مكتمل وتسليم مؤجل
يضم مشروع «روضة السيدة 2» تسع عمارات سكنية بإجمالي 572 وحدة، خُصصت لاستيعاب الأسر المستحقة من المناطق التي شملها التطوير.
وتشير المعلومات المتاحة إلى انتهاء نسبة كبيرة من أعمال المباني والتشطيبات الداخلية والخارجية، ما يزيد استياء الأهالي من استمرار تأجيل التسكين.
وترتبط العقبات المتبقية بتوصيل شبكات المياه والكهرباء والغاز، إلى جانب استكمال الإجراءات الإدارية ومراجعة كشوف المستحقين وفرز التظلمات المقدمة.
ورغم أهمية التدقيق لمنع التلاعب، يرفض الأهالي أن تتحول الإجراءات إلى مبرر مفتوح لتعطيل حقوق أسر انتظرت سنوات بعد إزالة منازلها.
ويطالبون بوضع جدول زمني معلن، يحدد مواعيد إنهاء المرافق والقرعة والتسكين، مع إعلان الجهة المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل التنفيذ.
كما يطالبون بإتاحة كشوف المستحقين بشفافية، وفتح باب التظلمات وفق مواعيد محددة، بدلًا من ترك الأسر أمام معلومات متضاربة وغير مكتملة.
فغياب المعلومات الرسمية المنتظمة فتح الباب للشائعات، وزاد مخاوف السكان من استبعاد بعض الأسر أو تغيير قواعد الاستحقاق بعد سنوات الانتظار.
ويشدد الأهالي على ضرورة إجراء قرعة علنية بحضور ممثلين عنهم، لضمان العدالة ومنع أي تدخلات أو مجاملات في توزيع الوحدات.
كان المشروع جزءًا من خطة تطوير المناطق غير الآمنة، وشمل مناطق مثل تل العقارب والطيبي، بهدف توفير مساكن بديلة آمنة للسكان الأصليين.
وحملت المرحلتان اسم «روضة السيدة 1» و«روضة السيدة 2»، مع تصميمات مستوحاة من الطراز الإسلامي والفاطمي الملائم لطبيعة الحي التاريخية.
وتضم المنطقة الجديدة محال تجارية ووحدات إدارية وحضانات وملاعب ومناطق خضراء ومباني خدمية، ضمن تصور يستهدف إقامة مجتمع عمراني متكامل.
لكن جودة التصميم لا تخفف معاناة الأسر ما دامت الوحدات مغلقة، والمستفيدون يدفعون إيجارات مرتفعة في مناطق بعيدة منذ سنوات.
وتصبح قيمة المشروع الحقيقية مرتبطة بقدرته على إعادة السكان إلى منازلهم، وليس بعدد العمارات أو جمال الواجهات والتصريحات الرسمية.
كما أن الحفاظ على الروابط الاجتماعية والاقتصادية للسكان يمثل جزءًا أساسيًا من التطوير، خاصة أن معظم الأسر ارتبطت بالمنطقة عبر أجيال.
ويخشى الأهالي أن يؤدي استمرار التأخير إلى مزيد من التفكك، بعدما ابتعد الجيران والأقارب وتغيرت ظروف العمل والتعليم لدى عائلات عديدة.
وتقع المسؤولية الآن على محافظة القاهرة وصندوق التنمية الحضرية لإنهاء المرافق والإجراءات، وإعلان موعد نهائي ملزم لا يحتمل تأجيلًا جديدًا.
كما يتعين على الجهات التنفيذية رفع بدل السكن فورًا، بما يتناسب مع الإيجارات الحالية، حتى موعد التسليم الفعلي واستقرار الأسر داخل وحداتها.
خمس سنوات من الانتظار تكفي لكشف حجم الفجوة بين الوعود والتنفيذ، بينما يظل المواطن الطرف الذي يدفع ثمن التأخير من دخله واستقراره.
أهالي الطيبي لا يريدون وعودًا جديدة، بل مفاتيح وحداتهم، وتعويضًا عادلًا، ونهاية واضحة لرحلة بدأت مؤقتة وتحولت إلى معاناة مفتوحة.

