قفزت أسعار الدواجن في الأسواق المصرية بعد ثلاثة أشهر من التراجع، لتضيف عبئا غذائيا جديدا على الأسر، بينما تواصل الحكومة ترك المنتج والمستهلك عالقين بين تكلفة مرتفعة وسوق بلا حماية فعالة.
وتكشف الزيادة انتقال سعر الكيلو في المزرعة من 55 إلى 65 جنيها، فيما بلغ للمستهلك بين 75 و80 جنيها، بما يبدد أثر التراجع السابق ويعيد القلق إلى البيوت محدودة الدخل.
الزيادة تضرب البديل الأرخص
وفي المقابل، لا تمثل الدواجن سلعة هامشية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل تعد آخر بدائل البروتين الحيواني المتاحة لملايين المواطنين بعدما دفعت أسعار اللحوم والأسماك شرائح واسعة إلى تقليص استهلاكها.
وبالتالي، تعني كل زيادة جديدة أن أسرا ستخفض عدد الوجبات أو الكميات المشتراة، خصوصا مع ثبات الدخول أمام موجات الغلاء وتآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات الأساسية معا أيضا.
كما أن الفارق بين سعر المزرعة وسعر البيع النهائي، الذي يصل إلى 15 جنيها، يكشف عبء حلقات النقل والتوزيع والتجزئة، ويطرح مجددا سؤال الرقابة على الهوامش التي يتحملها المستهلك وحده.
وفوق ذلك، يؤدي تفاوت الأسعار بين المناطق إلى تحميل سكان المحافظات والأحياء الأبعد كلفة إضافية، إذ تدخل مصروفات النقل والوسطاء ضمن السعر النهائي دون إعلان واضح يفسر للمواطن مكونات الفاتورة.
ويرى نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن ثروت الزيني أن السعر ارتفع 10 جنيهات، لكنه ما زال دون تكلفة الإنتاج التي تتجاوز 75 جنيها للكيلو، ما يبقي خسائر المربين قائمة حاليا.
وبحسب الزيني، فإن استمرار البيع بأقل من التكلفة يستنزف المنتجين وقد يدفع مزيدا منهم إلى مغادرة النشاط، وهو مسار ينذر بتراجع المعروض لاحقا وفتح الباب أمام قفزات أشد في الأسعار.
ومن جهة أخرى، لا يملك المستهلك رفاهية انتظار توازن السوق، لأن الزيادة تصل إلى مائدته فورا، بينما لا تتحول بالضرورة إلى عائد يحمي المربي أو يضمن استمرار دورات الإنتاج المقبلة.
خسائر تهدد استمرار الإنتاج
غير أن الأزمة تكشف اختلالا أعمق من تحرك يومي للأسعار، فالسوق ترفع العبء على المواطنين من دون أن تنقذ المنتجين، بما يعني أن منظومة التسعير نفسها تعمل ضد طرفي المعادلة.
وفي هذا السياق، حذر رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية عبد العزيز السيد من أن بيع الكيلو دون تكلفة إنتاجه يهدد رؤوس أموال المربين، ولا سيما صغار المنتجين تحديدا.
وأوضح السيد أن تكلفة الإنتاج بلغت نحو 75 جنيها، بينما جرى البيع سابقا قرب 59 جنيها، بخسارة تقارب 16 جنيها للكيلو، محذرا من الإفلاس المحتمل والخروج النهائي من المنظومة الإنتاجية.
لذلك، لا يمكن قراءة صعود السعر الحالي باعتباره انفراجة للمربين، إذ لا يزال مستوى 65 جنيها أقل من التكلفة المقدرة، بينما يدفع المواطن في المتاجر سعرا أعلى يصل إلى 80 جنيها.
ومن ثم، يظل الفارق بين خسارة المزرعة وغلاء التجزئة دليلا على ضعف تنظيم السوق، وغياب آلية شفافة تحدد سعرا عادلا يضمن استمرارية الإنتاج ويمنع تحميل المواطنين هوامش مبالغ فيها جدا.
وعلاوة على ذلك، فإن خروج صغار المربين يمنح الكيانات الأكبر قدرة أوسع على التحكم في المعروض، ويقلص المنافسة، ويجعل السوق أكثر تعرضا للاحتكار والصدمات كلما ارتفعت الأعلاف أو تراجعت الدورات.
وفي تقدير رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة سامح السيد، تسبب فائض إنتاجي تجاوز 25 بالمئة في خسائر فادحة خلال موجة الانخفاض، وهو ما يوضح هشاشة السوق وغياب التخطيط الحكومي.
وبناء على ذلك، يتبين أن الوفرة المؤقتة لا تضمن سعرا مستقرا، لأن غياب إدارة الإنتاج يبدل الفائض إلى خسائر ثم يحول خروج المربين إلى نقص محتمل يدفع الأسعار صعودا مجددا.
رقابة غائبة وفاتورة متصاعدة
إلى جانب ذلك، تكشف الأزمة قصور التعامل الرسمي مع صناعة تمس الأمن الغذائي مباشرة، فلا المنتج يحصل على تكلفة عادلة، ولا المواطن يجد سعرا يناسب دخله، ولا السوق تخضع لقواعد معلنة.
وفي الأثناء، تكتفي الجهات المعنية بترك الأسعار لآليات العرض والطلب، رغم أن الأعلاف والنقل والطاقة والدواء البيطري تدخل جميعها في التكلفة، وتتأثر بقرارات تتجاوز قدرة المربي الصغير وحده تماما.
أما النتيجة، فهي سوق تدور في حلقة قاسية تبدأ بخسائر المنتجين، ثم خروج بعضهم، ثم تقلص المعروض، قبل أن تنتهي بزيادة السعر وتحميل الأسرة المصرية فاتورة اختلال لم تصنعه أصلا.
ولزيادة الضغط، تأتي القفزة بينما تواجه الأسر ارتفاعات متلاحقة في الغذاء والسكن والمواصلات والكهرباء، ما يجعل شراء الدواجن قرارا حسابيا صعبا بعد أن كان خيارا يوميا معتادا على موائدها.
ومع ذلك، لا يكفي طرح دواجن مجمدة أو الإعلان عن منافذ مخفضة بصورة مؤقتة، لأن الحل يتطلب خفض مدخلات الإنتاج وضبط الوسطاء وإعلان تكاليف حقيقية تمنع التلاعب بين المزرعة والمتجر.
وفي المحصلة، يحتاج القطاع إلى بورصة معلنة وفعالة للدواجن، ورقابة على حلقات التداول، وسياسة واضحة للأعلاف، وتمويل يحمي صغار المربين من الانهيار، بدلا من إدارة الأزمة بعد انفجار الأسعار المتكرر.
وعندئذ، يمكن تحقيق توازن يمنح المنتج هامش ربح معقولا ويضمن للمستهلك سعرا محتملا، أما استمرار الفوضى الحالية فيعني أن أي تحسن مؤقت سيظل مقدمة لدورة لاحقة جديدة من الخسائر والغلاء.
وأخيرا، تؤكد زيادة 10 جنيهات أن المصريين يدفعون فعليا اليوم ثمن سوق غير منضبطة مرتين، مرة حين يخسر المربون ويهددون بالخروج، ومرة حين ترتفع الأسعار ويتقلص البروتين على موائد الأسر.

