قال المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، إن الدعم الاقتصادي والمساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمصر، إلى جانب التحركات الدبلوماسية الأخيرة، لم تؤدِ إلى تحسن ملموس في أوضاع حقوق الإنسان، محذرًا من استمرار تراجع الحريات وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وجاءت تصريحات بهجت خلال كلمة ألقاها أمام لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، بدعوة من البرلمان، بالتزامن مع عرض التقرير الختامي لزيارة وفد برلماني أوروبي رسمية إلى مصر خلال يوليو الماضي.
وشاركت في الجلسة جهات ومنظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية والمفوضية الأوروبية، فيما ركزت كلمة المبادرة المصرية على ما وصفته باستمرار وتعمق الأزمة الحقوقية في مصر خلال العام الأخير.
دعم أوروبي رغم الانتقادات الحقوقية
تأتي كلمة بهجت في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي تقديم دعم مالي واسع لمصر، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية في نهاية يوليو الماضي صرف الشريحة الثانية من القرض الموجه إلى القاهرة، بقيمة 1.5 مليار يورو، من إجمالي حزمة تمويلية مقررة.
ورغم صرف الشريحة الجديدة، أشارت المبادرة المصرية إلى وجود تناقض بين الدعم المالي الأوروبي والتقييمات المتعلقة بوضع حقوق الإنسان في مصر.
وكانت وثيقة إحاطة صادرة عن المفوضية الأوروبية قد تضمنت انتقادات لأوضاع حقوق الإنسان، في الوقت الذي خلص فيه التقييم الأوروبي إلى أن القاهرة اتخذت خطوات وصفت بأنها «ملموسة وذات مصداقية» باتجاه احترام الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
وترى المبادرة المصرية أن هذا التقييم لا يتسق مع الواقع الذي ترصده المنظمات الحقوقية والمؤشرات الدولية، خصوصًا أن الالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون يمثل أحد الشروط المرتبطة باتفاقية التمويل الأوروبية.
ومن هذا المنطلق، انتقد بهجت استمرار تقديم الدعم المالي في ظل ما تعتبره منظمات حقوقية تراجعًا في الحريات العامة وتضييقًا على المجال السياسي والمدني.
الاعتقالات تتصدر المشهد الحقوقي
وضعت المبادرة المصرية ملف الاعتقالات السياسية والحبس الاحتياطي المطول في مقدمة القضايا التي عرضتها أمام النواب الأوروبيين.
وبحسب ما طرحه بهجت، استمر خلال العام الماضي التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي بحق متهمين في قضايا ذات طابع سياسي، مع اتهام السلطات باستخدام هذا الإجراء بصورة تتجاوز وظيفته القانونية، ليصبح في بعض الحالات وسيلة لمعاقبة الأصوات المنتقدة.
كما أشارت المبادرة إلى عدم صدور قرارات رئاسية بالعفو عن سجناء سياسيين خلال العام الماضي، معتبرة أن استمرار احتجاز المعارضين وأصحاب الرأي يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة الحقوقية.
ولم تتوقف المخاوف، بحسب المبادرة، عند الاعتقالات، وإنما امتدت إلى الإجراءات التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان، من بينها المنع من السفر والتحفظ على الأموال والإدراج على قوائم الإرهاب.
واستشهدت المبادرة بحالة ثلاثة من مديريها، الذين تقول إنهم يخضعون لإجراءات تستمر منذ نحو ست سنوات، معتبرة ذلك جزءًا من نمط أوسع من التضييق على المنظمات الحقوقية والعاملين فيها.
حجب المواقع يضيّق مساحة الصحافة
تطرق بهجت كذلك إلى أوضاع حرية الصحافة، مؤكدًا استمرار حجب مواقع إعلامية مستقلة وملاحقة صحفيين يعملون فيها.
وترى المبادرة المصرية أن استمرار الحجب والملاحقات الأمنية للصحفيين يعكسان تضييقًا متزايدًا على مساحة العمل الصحفي المستقل، وهو ما ينعكس على قدرة المواطنين على الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات.
واستند بهجت في حديثه إلى مؤشرات دولية تتعلق بحرية الصحافة، مشيرًا إلى تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لمصر في المرتبة 169 من بين 180 دولة، بينما تضع لجنة حماية الصحفيين مصر ضمن أسوأ الدول عالميًا من حيث احتجاز الصحفيين.
وتقدم هذه الأرقام، وفق المبادرة، صورة عن الفجوة بين الخطاب الرسمي حول الإصلاحات وبين تقييم المؤسسات الدولية المستقلة لأوضاع الحريات الصحفية.
ملاحقات بسبب الآراء والمعتقدات
شملت المحاور التي عرضتها المبادرة المصرية أيضًا ما وصفته بالملاحقات المرتبطة بالأخلاق والمعتقدات الدينية، إلى جانب استهداف أفراد مجتمع الميم.
وقالت المبادرة إن حملات القبض والملاحقة تتزايد تحت عناوين من بينها حماية «القيم الأسرية» أو اتهامات تتعلق بازدراء الأديان، معتبرة أن استخدام مثل هذه الاتهامات يفتح الباب أمام توسيع دائرة الملاحقات المرتبطة بالتعبير عن الرأي أو المعتقد.
كما تناولت أوضاع اللاجئين وملتمسي اللجوء، متهمة السلطات بتكثيف حملات التفتيش والاحتجاز التي قالت إنها تستند في بعض الحالات إلى الهوية أو لون البشرة.
واعتبرت المبادرة أن عمليات الإبعاد القسري الجماعي، إذا ثبتت، تمثل خرقًا للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وحقوق طالبي اللجوء.
مؤشرات اقتصادية تزيد الضغوط
لم تفصل المبادرة بين الأزمة الحقوقية والأوضاع الاقتصادية، إذ ربطت بين تراجع الحريات وارتفاع الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون.
وأشار بهجت إلى استمرار ارتفاع التضخم وزيادة تكاليف المعيشة، بالتزامن مع رفع الدعم عن الوقود وبعض السلع الأساسية، معتبرًا أن هذه السياسات أدت إلى زيادة الأعباء على شرائح واسعة من المجتمع.
كما انتقد أولوية توجيه جانب كبير من الإنفاق العام إلى سداد الديون، على حساب قطاعات مثل الصحة والتعليم والأجور، بحسب عرضه أمام البرلمان الأوروبي.
وترى المبادرة أن هذه الضغوط الاقتصادية ساهمت في تصاعد الاحتجاجات العمالية، في وقت تتراجع فيه، وفق رؤيتها، المساحات المتاحة للتعبير والاحتجاج والتنظيم السلمي.
وفي مؤشرات أخرى استند إليها بهجت، جاءت مصر في المرتبة 135 من أصل 142 دولة في مؤشر سيادة القانون، بينما احتلت المرتبة 130 عالميًا في مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
كما أشار إلى تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي لمصر ضمن أسوأ عشر دول في مؤشر الفجوة بين الجنسين.
تحذير من «قنبلة موقوتة»
في ختام كلمته، انتقد بهجت التقييم الأخير للمفوضية الأوروبية، الذي اعتبر أن مصر اتخذت خطوات «ملموسة وذات مصداقية» في مجال حقوق الإنسان.
ووصف المدير التنفيذي للمبادرة هذا التقييم بأنه غير واقعي، معتبرًا أنه جاء في سياق تسويغ صرف دفعة مالية جديدة لمصر بقيمة 1.5 مليار يورو.
وحذر من أن استمرار إغلاق القنوات القانونية والسلمية أمام التعبير والمشاركة السياسية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر وعدم المساواة، قد يقود إلى تداعيات أكثر خطورة على المدى الطويل.
وقال بهجت إن مصر تسير في «طريق محفوف بالمخاطر»، معتبرًا أن اجتماع التضييق السياسي مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة يجعل البلاد أمام ما وصفه بـ«قنبلة موقوتة».
وربط بهجت بين هذه المخاوف والتركيبة السكانية لمصر، مشيرًا إلى أن نحو 60% من المصريين تقل أعمارهم عن 30 عامًا، وهي شريحة واسعة، بحسب رؤيته، تنشأ في ظل ما سماه «جمهورية الخوف» وواقع اقتصادي يحد من فرص تحسين المستقبل.
وأضاف أن التجارب التاريخية تشير إلى أن إغلاق مساحات المشاركة السياسية، مع تزايد الفقر وانعدام المساواة، يمثل عوامل يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار.
انقسام أوروبي حول التعامل مع مصر
وحول ردود فعل أعضاء البرلمان الأوروبي على كلمته، قال بهجت إن المواقف اختلفت وفقًا للتيارات السياسية التي يمثلها النواب المشاركون في الجلسة.
وأوضح أن أكبر المجموعات السياسية في البرلمان الأوروبي، وفي مقدمتها حزب الشعب الأوروبي، إلى جانب بعض أحزاب اليمين المتطرف، تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا رئيسيًا في الحد من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، ولذلك تميل إلى دعم الحكومة المصرية باعتبارها عنصرًا مهمًا في استقرار المنطقة، بصرف النظر عن سجلها الحقوقي أو أوضاعها الاقتصادية.
في المقابل، يرى بهجت أن الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار والخضر يتبنون رؤية مختلفة، تقوم على أن تحقيق الاستقرار لا ينفصل عن معالجة أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية والاعتراض السلمي.
وبحسب المدير التنفيذي للمبادرة، فإن استمرار غياب هذه المساحات لا يمثل مشكلة داخلية فقط، وإنما قد يتعارض أيضًا مع المصالح الأوروبية على المدى البعيد.
وأكد بهجت أن التحذيرات التي طرحتها المبادرة أمام البرلمان الأوروبي ليست جديدة، مشيرًا إلى أن أصواتًا سياسية وحقوقية وإعلامية متعددة سبق أن عبرت عن مخاوف مشابهة.
واعتبر أن هشاشة الوضع الإقليمي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات الإفقار وغياب قنوات الانتقاد والمشاركة والتنظيم، تجعل الحاجة إلى معالجة هذه الملفات أكثر إلحاحًا.

