أعلنت وزارة الداخلية المصرية في 4 أكتوبر 2016 مقتل أستاذ الطب محمد كمال وياسر شحاتة داخل شقة بمنطقة البساتين في القاهرة بزعم تبادل إطلاق النار خلال محاولة اعتقالهما، بينما اتهمت جماعة الإخوان الأجهزة الأمنية باعتقال الرجلين ثم اغتيالهما خارج نطاق القانون.
ربطت الواقعة بين مسيرة طبيب قضى سنوات في علاج المرضى غير القادرين بصعيد مصر وبين نهج أمني توسع بعد انقلاب 3 يوليو 2013 في قتل معارضين داخل شقق ومناطق صحراوية، ثم إصدار بيانات تتهم الضحايا بإطلاق النار من دون تحقيق مستقل يكشف حقيقة ما جرى.
طبيب وهب مهنته للفقراء
ولد محمد محمد محمد كمال الدين في محافظة أسيوط، وارتبطت سنواته الأولى بالدراسة والعمل داخل الصعيد، قبل أن يتخصص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة ويصبح أستاذًا بكلية الطب في جامعة أسيوط، حيث شارك في تعليم أجيال من الأطباء وعلاج مرضى المحافظة.
وبعد استكمال مساره الأكاديمي، جمع كمال بين التدريس الجامعي والعمل داخل غرف العمليات، وأسهم في تطوير تخصصه بمحافظة عانت طويلًا من نقص الخدمات الطبية المتقدمة، بينما حافظ على صلته بالمرضى الذين عرفوه طبيبًا قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بالصراع بين جماعة الإخوان وسلطة عبد الفتاح السيسي.
إلى جانب ذلك، شارك الطبيب الأسيوطي في مشروع طبي خيري استهدف تقديم العلاج للمرضى غير القادرين، ولم يتعامل مع العمل الخيري باعتباره نشاطًا موسميًا، بل جعله امتدادًا لمهنته ومسؤوليته تجاه سكان الصعيد الذين كانت تكاليف العلاج والسفر إلى القاهرة تحرم كثيرين منهم من الرعاية المناسبة.
ومن زاوية الحق في العلاج، يؤكد خبير السياسات الصحية علاء غنام أن اعتماد الفقراء على المبادرات الخيرية يكشف قصور الإنفاق العام وعدم قدرة المستشفيات الحكومية على ضمان خدمة متكاملة، وهو سياق يوضح القيمة الإنسانية لدور أطباء اختاروا تخصيص جانب من خبرتهم للمرضى الذين لا يملكون تكاليف العلاج.
كذلك احتفظ زملاء ومرضى في أسيوط بصورة مختلفة عن الوصف الأمني الذي أحاط باسمه لاحقًا، إذ عرفوه أستاذًا جامعيًا وطبيبًا متخصصًا شارك في العمل الخيري، بينما تجاهلت حملات التشويه الحكومية هذه المسيرة وحصرت الرجل في الاتهامات التي أعلنتها الداخلية بعد مقتله.
قيادة فرضتها الاعتقالات
عقب انقلاب 3 يوليو 2013، دفعت الاعتقالات الواسعة التي استهدفت قيادات جماعة الإخوان عددًا من الشخصيات إلى تحمل مهام تنظيمية جديدة، وكان محمد كمال من بين الذين اضطلعوا بأدوار قيادية بعدما اعتقلت الأجهزة الأمنية مسؤولين بارزين أو أجبرت آخرين على مغادرة البلاد.
وفي عام 2014، تولى كمال رئاسة اللجنة الإدارية العليا التي أدارت جانبًا من شؤون الجماعة خلال مرحلة اتسمت بتفكيك هياكلها وملاحقة أعضائها وإغلاق مقارها ومصادرة أموالها، بينما واجه التنظيم خلافات داخلية بشأن أسلوب الإدارة والتعامل مع السلطة التي أطاحت بالرئيس المنتخب محمد مرسي.
ثم استمر كمال في أداء هذا الدور وسط صراع داخل الجماعة بين جبهات متنافسة بشأن القيادة والانتخابات الداخلية ومسؤولية الأجيال السابقة، قبل أن يعلن في مايو 2016 استقالته من التشكيلات الإدارية ومن عضوية مكتب الإرشاد، داعيًا القيادات الأقدم إلى إفساح المجال أمام جيل الشباب.
وبحسب أستاذ الدراسات الأمنية عمر عاشور، فإن الخلافات التنظيمية لا تمنح أجهزة الدولة حق قتل أي مطلوب، لأن الاتهامات يجب أن تنتقل إلى قضاء مستقل يختبر الأدلة ويمنح المتهم حق الدفاع، بينما يؤدي استبدال المحاكمة ببيان أمني إلى إهدار الحقيقة القانونية وحقوق الضحية معًا.
لاحقًا قدمت وسائل الإعلام الموالية للسلطة كمال باعتباره مسؤولًا عن جناح مسلح داخل الجماعة، واعتمدت على روايات وتحقيقات أمنية لم تخضع لمراجعة مستقلة، بينما نفت الجماعة تلك الاتهامات واعتبرت استخدامها بعد مقتله محاولة لتبرير تصفيته وإغلاق باب التحقيق في ملابسات الساعات الأخيرة.
روايتان ونهاية بلا تحقيق
مساء 3 أكتوبر 2016، تحركت قوة أمنية إلى شقة في منطقة البساتين بجنوب القاهرة قالت الداخلية إن محمد كمال وياسر شحاتة استخدماها للاختباء والتخطيط لأعمال مسلحة، ثم أعلنت الوزارة في 4 أكتوبر مقتلهما بعدما زعمت أن القوة تعرضت لإطلاق نار فردت على مصدره.
في المقابل، قالت جماعة الإخوان إن قوات الأمن ألقت القبض على الرجلين قبل مقتلهما بعدة ساعات، كما نشرت مواقع مصرية أخبارًا عن اعتقال كمال حيًا قبل أن تعدل تغطيتها لاحقًا وتعلن مقتله، وهو تسلسل زمني عزز الشكوك بشأن الرواية الرسمية وظروف وجوده داخل الشقة.
وبشأن هذه التناقضات، قال عمر عاشور إن رواية الداخلية شابها تضارب واضح وإن غياب جهة تحقيق محايدة مثّل المشكلة الأساسية، لأن الجهة التي نفذت العملية قدمت الرواية الوحيدة المتاحة، من دون تمكين مؤسسة مستقلة من فحص مكان الواقعة والأسلحة ومسارات الطلقات وأسباب الوفاة.
وفي السياق نفسه، يعزو الحقوقي عزت غنيم تصاعد القتل خارج القانون في مصر إلى اتساع صلاحيات الأجهزة الأمنية وغياب الرقابة والمحاسبة، موضحًا أن البيانات التي تتحدث عن اشتباكات لا تكفي قانونًا عندما تسبق الواقعة ادعاءات بالاعتقال أو الاختفاء وتغيب التحقيقات القضائية الجادة.
علاوة على ذلك، وثقت منظمات حقوقية لاحقًا نمطًا متكررًا تعلن فيه وزارة الداخلية مقتل مطلوبين خلال تبادل لإطلاق النار، ثم تقدم أسر الضحايا شهادات تفيد باعتقالهم قبل الواقعة، وهو النمط الذي وصفه الباحث الحقوقي عمرو مجدي بأنه يثير شبهات قوية حول إعدامات محتملة خارج نطاق القضاء.
بعد مقتله، نُقل جثمان محمد كمال من القاهرة إلى مسقط رأسه في أسيوط، حيث دفن بعيدًا عن الجامعة والمستشفى والمرضى الذين ارتبطت بهم سنوات حياته، فعاد إلى المحافظة جثمانًا بعدما بدأ فيها طبيبًا وأستاذًا ومشاركًا في مشروع علاجي لخدمة الفقراء.
وأخيرًا، أبقت سلطة السيسي ملف مقتل محمد كمال مغلقًا بلا تحقيق مستقل يجيب عن سؤال الاعتقال السابق أو يفحص رواية تبادل النار، لكن بقاء سيرته الطبية والخيرية في أسيوط يمنع اختزاله في بيان الداخلية، ويجعل نهايته شاهدًا على دولة واجهت خصومها بالرصاص بدل المحاكمة.

