كشفت واقعة مستشفى روض الفرج العام فجوة خطيرة بين احتياجات المنشآت الطبية الحرجة وبطء تنفيذ التغذية الكهربائية البديلة، بعدما ظل خط ثان مدفوع التكلفة غائباً، رغم اعتماد الخدمة على استقرار التيار.
وبحسب سؤال برلماني قدمه النائب محمد عبد الرحمن راضي إلى وزير الكهرباء، سددت مديرية الشئون الصحية بالقاهرة مبلغ 76,927,199.5 جنيهاً بتاريخ 23 يونيو 2026، مقابل تنفيذ الأعمال المطلوبة بالمستشفى، وفق المستندات المشار إليها في السؤال.
كما مر أكثر من شهرين على تحويل المبلغ دون بدء التنفيذ، بينما سجلت المستشفى انقطاعات متكررة تجاوز بعضها ساعة ونصف يومياً، كان آخرها في 21 أغسطس 2026، وفق تفاصيل السؤال المنشور والبيانات المتاحة.
لذلك لا تبدو الأزمة مجرد تأخير إداري في تركيب كابل أو محول، فالمرفق يستقبل حالات تتوقف سلامتها على الكهرباء، ويضم 15 سرير رعاية مركزة، و45 وحدة غسيل كلوي، و12 حضانة أطفال تعمل على مدار الساعة.
ومن ثم فإن كل دقيقة انقطاع ترفع مستوى المخاطر داخل أقسام تعتمد على أجهزة التنفس والمراقبة والضخ والحفظ والتعقيم، فيما لا تكفي الحلول المؤقتة وحدها لضمان استمرار الخدمة أمام عطل ممتد.
غير أن المسؤولية الفنية لا تبدأ عند لحظة الانقطاع، بل عند تصميم منظومة قادرة على عزل العطل وتحويل الأحمال تلقائياً، مع اختبار دوري للمولدات واللوحات ومصادر التغذية، وتوثيق نتائج الاختبارات أمام جهة رقابية مستقلة ومتخصصة.
علاوة على ذلك، يرى المهندس الاستشاري مبروك عامر، رئيس شعبة الهندسة الكهربائية بنقابة المهندسين، أن المنشآت الحيوية تحتاج إلى تطبيق صارم للمعايير، لأن سلامة المرضى تتطلب إدارة المخاطر قبل وقوع العطل.
وتؤكد خبرة المهندس محمد عمر بيبرس، أمين شعبة الهندسة الكهربائية، أهمية ربط التصميم بالتشغيل والصيانة والتدريب، إذ لا تحقق المعدات الاحتياطية غايتها إذا غابت الجاهزية البشرية أو تعذر الوصول السريع إلى مناطق الخلل.
وبناءً على ذلك، فإن تركيب الخط الثاني يجب أن يتزامن مع مراجعة الأحمال، وتحديد الدوائر ذات الأولوية، وفحص مسارات الكابلات، وضمان توافقها مع أجهزة الرعاية، لا أن ينتهي عند تسليم الأعمال الورقية.
حسابات معلقة
وفي المقابل، تحمل الواقعة بُعداً مالياً لا يقل حساسية، فالمبلغ المحول خرج من موازنة صحية عامة، بينما بقي الغرض الذي خصص له دون تنفيذ معلن، ما يستدعي كشف مسار الإنفاق ومراحل التعاقد.
أيضاً يفرض التأخير سؤالاً واضحاً عن الجهة التي احتفظت بالمبلغ أو أدارت استخدامه، وعن الأساس الذي سمح بعدم إنجاز الخدمة خلال المدة المتوقعة، خصوصاً مع استمرار تعرض المرضى لخطر الانقطاع.
إذ إن مطالبة الصحة بفوائد عن فترة التأخير ليست حكماً تلقائياً، بل مسألة تتوقف على طبيعة الاتفاق وأمر الدفع وشروطه، وعلى ثبوت الإخلال ووجود نص أو سند قانوني يحدد التعويض.
قانونياً، ينبغي أن تفحص الجهات المختصة محاضر التسليم والمقايسات والمكاتبات وأوامر التشغيل، ثم تحدد ما إذا كان التأخير تقصيراً تعاقدياً أم نتيجة عائق فني موثق أم خللاً إدارياً واضحاً ومثبتاً.
مسؤولية لا تحتمل التأجيل
في السياق نفسه، يوضح الدكتور محمد إسماعيل سليم، رئيس شركة الخدمات الطبية التابعة لقطاع الكهرباء، أن استمرارية مرافق العلاج تتطلب متابعة تنفيذية لا تكتفي بالتقارير، بل تقيس جاهزية البنية التحتية فعلياً.
وعليه، يفترض أن تعلن وزارة الكهرباء جدولاً زمنياً محدداً وعلنياً، يتضمن تاريخ بدء الأعمال، ومراحل التنفيذ، وموعد الاختبار، واسم الجهة المسؤولة، وآلية إخطار المستشفى والمرضى والعاملين عند حدوث أي تغيير.
فضلاً عن ذلك، يتعين على وزارة الصحة نشر بيان فني يشرح إجراءات الحماية الحالية، ومدة قدرة المولدات، ونتائج تجارب التحويل، والخطط البديلة أثناء تنفيذ الخط الثاني، حماية للمرضى والعاملين والزائرين.
وفقاً لقواعد السلامة المتعارف عليها، لا يجوز التعامل مع الرعاية المركزة والحضانات والغسيل الكلوي باعتبارها أحمالاً عادية، لأن انقطاعها قد يوقف أجهزة لازمة للحياة خلال لحظات قصيرة، ويضاعف احتمالات الضرر.
اختبارات غائبة
كذلك لا يكفي وجود مولد احتياطي إذا كان تشغيله يدوياً أو يتأخر بسبب نقص الوقود أو ضعف الصيانة، إذ تتطلب الأقسام الحرجة انتقالاً سريعاً ومراقبة مستمرة واستقلالاً نسبياً عن العطل الأصلي.
وعلى مستوى الإدارة، تكشف الواقعة حاجة المستشفيات الحكومية إلى سجل مركزي لمخاطر الطاقة، يربط كل منشأة بسعة احتياطية، ومواعيد صيانة دورية، ونتائج اختبارات موثقة، ومسؤول اتصال واضح يعمل طوال الوقت.
ثم إن تكرار الانقطاع لأكثر من ساعة ونصف يومياً يستوجب تحقيقاً فنياً مستقلاً، يحدد مصدر العطل، ويفصل بين قصور الشبكة أو الأحمال الزائدة أو عيوب التوزيع أو تأخر أعمال التطوير.
وفوق ذلك، يجب ألا تتحول الأسئلة البرلمانية إلى نهاية الملف، بل إلى بداية متابعة علنية تقيس ما تحقق، وتستدعي المسؤولين عن التأخير، وتحدد الإجراءات العاجلة والفورية لمنع تكرار الخطر مستقبلاً.
ومع أن الواقعة تخص مستشفى واحداً، فإن دلالتها تمتد إلى عشرات المنشآت التي تضم أجهزة حساسة، ما يجعل مراجعة التغذية البديلة أولوية وطنية لا ترتبط بموسم صيف أو موجة أعطال.
وقبل ذلك، تحتاج الجهات المعنية إلى مصارحة المرضى بحجم الخطر وإجراءات الحماية المتاحة، من دون تهويل أو طمأنة زائفة، لأن الشفافية تساعد الأسر على فهم ما يجري أثناء الطوارئ اليومية.
وإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تراجع وزارة الصحة عقود الصيانة السابقة، وتتحقق من كفاءة المولدات ومخزون الوقود، لأن استمرار الخدمة يتطلب جاهزية مثبتة لا وعوداً عامة أو بيانات موسمية معلنة.
أخيراً، يبقى السؤال الحاسم معلقاً أمام وزارتي الكهرباء والصحة، متى يبدأ تركيب الخط الثاني، ومن يتحمل كلفة التأخير، وكيف تضمن الدولة ألا يدفع المرضى ثمن فجوة إدارية جديدة، أو تتكرر الواقعة في مستشفيات أخرى.

