تتساءل عالمة النفس والباحثة ديبرا كاواها، عن مدى تأثير الشعور المفرط بالذنب في حياة الأشخاص، موضحة أن الذنب قد يؤدي وظيفة نفسية مفيدة عندما يدفع الإنسان إلى تصحيح أخطائه، لكنه قد يتحول إلى عبء عاطفي عندما يرتبط بتوقعات غير واقعية أو بمعايير يستحيل تحقيقها.
وبحسب سايكولوجي توداي في مقال نشرته لديبرا كاواها بعنوان «هل يمنعك الشعور المفرط بالذنب من التقدم؟»، فإن كثيراً من الأشخاص يحملون الشعور بالذنب كما لو كان شارة تدل على المسؤولية؛ فيشعرون بالذنب عندما يرفضون طلباً، أو يضعون حدوداً للآخرين، أو يخصصون وقتاً لأنفسهم، بل وأحياناً عندما يحققون النجاح. وتنقل كاواها عن الطبيبة النفسية جنيفر ريد، مؤلفة كتاب Guilt Free: Reclaiming Your Life from Unreasonable Expectations، أن جانباً كبيراً من مشاعر الذنب لا ينتج عن ارتكاب أخطاء فعلية، وإنما عن توقعات غير واقعية وتأثيرات اجتماعية وثقافية.
متى يكون الشعور بالذنب مفيداً؟
لا يمثل الشعور بالذنب أمراً سلبياً في جميع الحالات. ويعتبر علم النفس الذنب عاطفة يمكن أن تؤدي وظيفة تكيفية مهمة. ويظهر الذنب التكيفي عندما يدرك الشخص أنه خالف إحدى قيمه، أو تسبب في إيذاء شخص آخر، أو تصرف بطريقة لا تتفق مع الصورة التي يريد أن يكون عليها.
فعلى سبيل المثال، إذا نسي شخص التزاماً مهماً تجاه صديق وشعر بالذنب، فقد تدفعه هذه المشاعر إلى الاعتذار، ومحاولة إصلاح ما أفسده، وتعزيز العلاقة بينهما. وبهذا المعنى، يعمل الذنب كبوصلة داخلية تساعد الإنسان على تحمل المسؤولية، وإظهار التعاطف، والحفاظ على روابطه بالآخرين.
ويرتبط الذنب التكيفي عادةً بسلوك محدد، ويتناسب مع حجم الموقف، ويستمر لفترة مؤقتة، ويدفع الشخص إلى التصرف بدلاً من شل قدرته على الحركة، كما يمكن التعامل معه من خلال إصلاح الضرر أو تقديم التعويض أو اتخاذ إجراء تصحيحي.
لكن الذنب المفرط يختلف عن ذلك. فبدلاً من أن يعمل كدليل يساعد الإنسان على مراجعة سلوكه، يتحول إلى عبء عاطفي. وغالباً ما يظهر هذا النوع من الذنب عندما يتحمل الأشخاص مسؤولية ظروف لا تخضع لسيطرتهم، أو عندما يفرضون على أنفسهم معايير يستحيل الوصول إليها.
وقد تشعر أم عاملة بالذنب لأنها حضرت اجتماعاً مهماً بدلاً من المشاركة في فعالية مدرسية لطفلها. وقد يشعر مقدم الرعاية بالذنب لأنه أخذ فترة راحة كان يحتاج إليها. وربما يشعر طالب بالذنب لأنه استراح بعد أسابيع من العمل الشاق.
ولا ينطوي أي من هذه المواقف بالضرورة على انتهاك أخلاقي، ومع ذلك قد تكون المشاعر المصاحبة شديدة للغاية.
وترى ريد أن النساء أكثر عرضة للشعور المفرط بالذنب، لأن التنشئة الاجتماعية تدفعهن في كثير من الأحيان إلى تقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن، وربط التضحية بالنفس بالفضيلة. ونتيجة لذلك، قد يصبح الذنب «عالقاً»، ويستمر لفترة طويلة بعد أن يفقد أي فائدة عملية.
وغالباً ما يتخذ الذنب المفرط صوراً مثل الاعتقاد بأن الشخص «يجب أن يفعل المزيد»، أو أنه «خذل شخصاً ما»، أو أن «الشخص الجيد كان سيتعامل مع الأمر بصورة أفضل»، أو أن «تعاسة الآخرين هي بالضرورة خطؤه».
وعلى خلاف الذنب التكيفي، يرتبط الذنب المفرط بدرجة أقل بالسلوك الفعلي، وبدرجة أكبر بالتوقعات غير الواقعية.
«معادلة الذنب» تكشف مصدر المشاعر المرهقة
تقدم ريد إحدى أبرز أفكارها من خلال ما تسميه «معادلة الذنب»، وهي أداة تهدف إلى مساعدة الأشخاص على تحديد مصادر شعورهم بالذنب وتقييم مدى مبرراته. وتشجع المعادلة الأشخاص على فحص التوقعات التي تقف وراء استجاباتهم العاطفية، ومعرفة ما إذا كانت تلك التوقعات واقعية وعادلة، أو حتى نابعة منهم أساساً.
ويتمثل السؤال المحوري هنا في: هل أشعر بالذنب لأنني خالفت إحدى قيمي، أم لأنني فشلت في تلبية توقع غير منطقي؟
وتكتسب هذه التفرقة أهمية كبيرة. فإذا نشأ الشعور بالذنب عن مخالفة إحدى القيم، فقد يحتاج الشخص إلى اتخاذ إجراء لتصحيح الأمر. أما إذا نتج الشعور عن معيار غير واقعي، فقد يكون التعاطف مع الذات ووضع حدود صحية استجابة أكثر فائدة.
وتصف ريد أربعة دوافع شائعة تغذي الشعور المفرط بالذنب، وتطلق عليها «أربع قوى غاضبة للتوقعات غير المعقولة». ويمكن لهذه الدوافع أن تشوه تصور الإنسان لمسؤوليته، وتبقيه عالقاً في دوائر متكررة من لوم الذات.
ويأتي الكمال في مقدمة هذه الدوافع، إذ يقوم على الاعتقاد بأن الأخطاء غير مقبولة وأن الإنسان يجب أن يؤدي جميع أدواره دون أي تقصير. ويخلق السعي إلى الكمال هدفاً متحركاً يستحيل الوصول إليه بصورة نهائية.
ويأتي إرضاء الآخرين كدافع ثانٍ، ويتمثل في إعطاء قبول الآخرين ورضاهم أولوية تفوق احتياجات الشخص نفسه. وعندما يتحول قول «نعم» إلى استجابة تلقائية، يظهر الشعور بالذنب غالباً بمجرد محاولة الشخص قول «لا».
أما الدافع الثالث فيتمثل في تحمل المسؤولية المفرطة، حين يفترض الإنسان أنه مسؤول عن مشاعر الآخرين أو نتائج أفعالهم أو سلامتهم. وقد يؤدي ذلك إلى حمل أعباء لا تخصه في الأصل.
ويتمثل الدافع الرابع في وهم السيطرة، أي الاعتقاد بأن بذل المزيد من الجهد أو التخطيط أو التضحية يمكن أن يمنع خيبة الأمل أو الصراع أو المعاناة. وعندما تثبت الحياة حتماً عكس ذلك، يظهر الشعور بالذنب.
وغالباً ما تعمل هذه الدوافع الأربعة معاً، لتفرض على الإنسان معياراً شبه مستحيل: أن يكون مثالياً، وأن يسعد الجميع، وأن يسيطر على كل النتائج، وألا يضع نفسه في المرتبة الأولى أبداً.
كيف نتخلص من الذنب المفرط دون التخلي عن المسؤولية؟
لا تعني الحرية من الشعور المفرط بالذنب أن يصبح الإنسان أنانياً أو غير مبالٍ بالآخرين، بل تعني تعلم التمييز بين المسؤولية الحقيقية وتحمل مسؤوليات تتجاوز حدود الشخص.
وقد يساعد الذنب التكيفي الإنسان على النمو، بينما يبقيه الذنب المفرط عالقاً في مكانه.
وعندما يتوقف الشخص لحظة لفحص التوقعات التي تقف وراء شعوره بالذنب، يمكنه أن يبدأ بطرح أسئلة أكثر صحة على نفسه: هل هذا التوقع واقعي؟ وهل كنت سأطالب شخصاً أحبه أو صديقاً لي بالمعيار نفسه؟ وهل أتحمل بالفعل مسؤولية هذه النتيجة؟ وماذا تخبرني قيمي، بعيداً عن توقعاتي، بأنه ينبغي أن أفعل؟
وتشير أفكار ريد إلى أن الحياة ذات المعنى لا تُبنى على التضحية المستمرة بالنفس، وإنما على الانسجام مع القيم الشخصية، واحترام الذات، والتحلي بالشجاعة اللازمة للتخلي عن توقعات لم تكن مسؤولية الشخص في الأساس.
ولا يكمن الهدف في التخلص من الشعور بالذنب تماماً، وإنما في إفساح المجال للنوع الذي يساعد الإنسان على مراجعة نفسه والتقدم، مع التخلي عن الذنب الذي لا يفعل سوى إثقال كاهله.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/seeds-of-wisdom/202608/is-excessive-guilt-holding-you-back

