تكشف ماكينات استرداد العبوات في حي الدقي مفارقة قاسية: تقنية تصل الشارع باسم إعادة التدوير، لكنها تسحب من جامعي المخلفات أكثر المواد قابلية للبيع، وتترك لهم نفايات أقل قيمة وأشد خطورة، من دون ضمان دخل بديل.

 

وتحوّل التشغيل التجريبي لماكينتين تستقبلان الزجاجات البلاستيكية وعلب المشروبات المعدنية، مقابل نقاط مالية، إلى اختبار اجتماعي يتجاوز سؤال النظافة، بعدما اصطدم مباشرة بعمال يعتمدون على الفرز اليومي لتأمين طعام أسرهم.

 

وبحسب التصور المعلن، يدخل المواطن العبوة في الماكينة، ثم يسجل رقم هاتفه للحصول على نقاط، بينما تنقل المواد إلى مسار إعادة التدوير. غير أن هذا الترتيب يعيد توزيع العائد قبل أن يحدد نصيب العاملين القدامى.

 

كما أن الواقعة التي ظهر فيها طفل عمره 14 عاما وهو يحاول إخراج عبوات من إحدى الماكينات، ثم إيداعه دار رعاية، أظهرت أن العبوة الصغيرة ليست مخلفا هامشيا، بل موردا ماليا يتنازع عليه الفقراء.

 

لذلك بدا الخلاف أكبر من عطل تقني أو محاولة عبث، فالمشكلة أن النظام الجديد يضع القيمة في نقطة ثابتة ومراقبة، بعدما كان جامع القمامة يصل إليها عبر الشارع والأحياء وأكياس المنازل.

 

ومن ثم، فإن نجاح الماكينات بيئيا لا يقاس بعدد الزجاجات التي تختفي من الطرقات فقط، بل بقدرتها على منع انتقال كلفة التحديث إلى العمال الذين لم يشاركوا في تصميمه أو تحديد قواعده.

 

غير أن محافظة الجيزة تقول إن التجربة لا تستهدف الإقصاء، وإن متعهدي جمع القمامة سيحصلون على المواد ويدفعون بها إلى مصانع التدوير، موضحة أن التشغيل ما زال اختباريا وقابلا للتعديل.

 

وفوق ذلك، يظل الوعد بدمج المتعهدين غامضا بالنسبة إلى جامعي القمامة المستقلين، الذين لا يعملون بعقود واضحة ولا يملكون ضمانا بأن تتحول الماكينة إلى فرصة عمل، بدلا من كونها منافسا جديدا.

 

قيمة العبوة

 

أولا، يضع شحاتة المقدس، نقيب جامعي القمامة، لب الأزمة في قيمة البلاستيك والعلب المعدنية، مؤكدا أن سحبها من المصدر يعني تقليص المورد الأهم للعمال، الذين لا يتقاضون أجرا حكوميا منتظما نظير الجمع.

 

وثانيا، يقول المقدس إن المتعهد يدفع تكاليف الوقود والعمال والنقل، بينما يحصل من السكان على مبالغ محدودة، ولذلك تعتمد استمرارية عمله على المواد الصلبة القابلة للبيع، لا على رسوم الجمع وحدها.

 

وبحسب روايته، تضم نقابته نحو مليون جامع قمامة في القاهرة الكبرى، يجمعون 16 ألف طن يوميا عبر 4500 عربة، وهي أرقام تعكس اتساع المنظومة غير الرسمية التي لا يمكن استبدالها بماكينتين.

 

في المقابل، لا يرفض المقدس التكنولوجيا من حيث المبدأ، لكنه يطالب بأن يتولى المتعهدون تفريغ الماكينات وتوريد عائدها، بما يحفظ للدولة هدف التدوير وللعمال حصتهم من القيمة الاقتصادية.

 

وعلى الجانب الآخر، يرى أيمن محرم، العضو المنتدب لشركة ارتقاء للخدمات المتكاملة وتدوير المخلفات، أن فصل المخلفات من المنبع تأخر كثيرا، وأن الحوافز قد تدفع المواطنين إلى تسليم المواد نظيفة وقابلة للتدوير.

 

ويحذر محرم من أن استمرار القمامة في الشوارع يفتح الباب أمام النباشين لفرزها عشوائيا، معتبرا أن تقليل زمن بقائها قد يحد من الفوضى، لكنه لا يقدم وحده إجابة عن مصير العاملين في الفرز.

 

كذلك، فإن طرح محرم يوضح التوتر بين هدفين مشروعين: تحسين جودة المواد الداخلة إلى المصانع، وحماية شبكة عمل تقليدية تؤدي خدمة عامة من دون حماية اجتماعية أو اعتراف مهني كاف.

 

من جهة ثالثة، يؤكد ياسر عبد الله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات، أن ماكينات الكانز والبلاستيك لن تنهي أزمة القمامة وحدها، وأن فصل المخلفات من المنبع يحتاج إلى منظومة أوسع من جهاز يلتقط العبوة.

 

من يدفع الثمن

 

أمام ذلك، يصبح السؤال الحقيقي: من يحصل على النقاط، ومن يخسر ثمن المادة؟ فالمواطن ينال مكافأة صغيرة، والجهة المشغلة تجمع خامة أنظف، بينما قد يفقد العامل الحلقة التي كانت تمنحه دخلا يوميا مباشرا.

 

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الفائدة البيئية المحتملة؛ فالعبوات المفصولة من المنبع تقلل اختلاط البلاستيك ببقايا الطعام والمواد الخطرة، وتخفض كلفة الفرز، وتزيد فرص تحويل المخلفات إلى خامة قابلة للتصنيع.

 

لكن هذه الفائدة تظل ناقصة إذا جرى التعامل مع جامعي القمامة بوصفهم عائقا أمام التحديث، لا شركاء يملكون خبرة ميدانية في معرفة الأحياء والأسواق وأسعار الخامات ومسارات بيعها.

 

إضافة إلى ذلك، فإن اعتماد المشروع على المواطن وحده قد يخلق فجوة بين الأحياء القادرة على استخدام الماكينات، والمناطق التي لا تصلها الخدمة أو لا يملك سكانها وقتا لتجميع العبوات وتسليمها.

 

وبناء على ذلك، تحتاج التجربة إلى سجل معلن يحدد الجهة المالكة للمواد، وقيمة النقاط، وآلية توزيع العائد، ومسؤولية الصيانة، ونصيب المتعهد والعامل، قبل التفكير في تعميمها على أحياء أخرى.

 

فيما بعد، يمكن تحويل الماكينات إلى نقاط عمل يديرها جامعو المخلفات أنفسهم، مع تدريبهم وتوفير معدات حماية وتأمين صحي، بحيث تصبح التقنية أداة لرفع كفاءة المهنة، لا وسيلة لانتزاع أكثر أجزائها ربحا.

 

وأخيرا، تكشف تجربة الدقي أن إعادة التدوير ليست عملية معدنية محايدة، لأن كل زجاجة تدخل الماكينة تحمل خلفها سلسلة من الأيدي، وكل تغيير في مسارها يعيد توزيع دخل محدود بين أطراف أقوى وأضعف.

 

إن لم تترافق الماكينات مع دمج معلن وتعويض عادل، فستتحول من حل بيئي إلى باب جديد لتهميش العمال. أما إذا شارك جامعو القمامة في إدارتها، فقد تجمع التجربة بين حماية الشارع وحماية الرزق.

 

وهكذا، لا تقف القضية عند المفاضلة بين آلة وعامل، بل عند اختيار نموذج يعترف بأن التدوير في مصر قائم بالفعل على شبكة بشرية واسعة، وأن تحديثها يبدأ بضمها لا بإخفائها.

 

وتبقى محافظة الجيزة أمام اختبار واضح: هل تكتفي بإعلان أن التجربة قيد الدراسة، أم تنشر قواعدها وتستمع إلى النقابة وتضمن للعامل المستقل موقعا في الدورة الجديدة قبل أن تتسع رقعة الماكينات.

 

حل ناقص

 

فعليا، لن تحسم النقاط وحدها أزمة المخلفات، ولن ينجح الفصل من المنبع من دون جمع منتظم وفرز آمن ومصانع تستوعب الخامة، كما أن حماية البيئة لا ينبغي أن تعني تجفيف دخل الفئات الأشد فقرا.

 

وبدلا من مطاردة الطفل الذي بحث عن العبوات، كان الأجدى قراءة الواقعة باعتبارها إنذارا مبكرا بشأن اقتصاد كامل يرى في البلاستيك موردا، لا مجرد نفاية تنتظر ماكينة.

 

لعل الاختبار الأكثر صدقا هو أن تخرج الماكينات من منطق الاستبدال إلى منطق الشراكة، فتدفع للمواطن حافزه، وتضمن للعامل أجره، وتربط العائد بمسؤولية واضحة أمام المجتمع.

 

وعندها فقط يمكن القول إن التكنولوجيا خدمت إعادة التدوير، لا أنها نقلت العبوة من يد فقيرة إلى نظام أكثر تنظيما من دون أن تنقل معها نصيب صاحبها من العائد.