صعّد أهالي جزيرة الوراق مواجهتهم مع الحكومة خلال أيام قليلة، بعدما انتقلوا من تسليم المطالب وانتظار الرد إلى تظاهرات متلاحقة، ورفض التفاوض قبل قبول قاعدة حاسمة هي بيت مقابل بيت داخل الجزيرة.

 

وجاء التحول بعد اجتماع حاشد اليوم ، انتهى إلى تجميد المطالب الخدمية والفرعية مؤقتا، وحصر التفاوض في ضمان بناء مساكن بديلة داخل الوراق لمن تنزع منازلهم الحالية.

 

 

وبذلك أغلق المشاركون الباب أمام عروض الشقق البديلة خارج بيوتهم الأصلية، معتبرين أن جوهر النزاع لم يعد تحسين خدمة أو تخفيف قيد، وإنما الحفاظ على الوجود السكني للأهالي داخل الجزيرة نفسها.

 

وخلال تظاهرة الجمعة تحرك المحتجون من السكة الكبيرة نحو الجامع الكبير في قلب الكتلة السكنية، وهو مسار اختاره المنظمون بعيدا عن نقاط تمركز الشرطة الموجودة قرب أطراف الجزيرة ومداخل المعديات.

 

وبحسب مصدر من الأهالي شارك في التظاهرة، استهدف المسار تقليل احتمالات الاحتكاك المباشر مع الأمن، مع إبقاء الحشد داخل الشوارع السكنية ورفع الضغط الجماعي دون منح السلطات ذريعة لمواجهة أوسع.

 

وفي الوقت نفسه ردد المشاركون هتافات تربط الأرض بالبقاء، بينها أرضي بدمي مش بالحبر، ومش هنسيب بيوتنا ولو فيها موتنا، بما يعكس انتقال الخطاب من المطالب الإجرائية إلى تمسك وجودي بالمكان.

 

الشارع يفرض شرطه

 

ومنذ تأسيس حركة باقون في جزيرة الوراق منتصف أغسطس، تحرك الأهالي على مراحل، بدأت بمسيرة صامتة شارك فيها نحو 200 شخص لتسليم قائمة مطالب إلى جهاز تنمية المدينة يوم 18 أغسطس.

 

ثم ارتفع حجم المشاركة يوم 25 أغسطس إلى أكثر من 1000 متظاهر بحسب تقارير منشورة، بعدما رفض رئيس الجهاز لقاءهم أو إبلاغهم برد واضح على المطالب التي كانوا قد سلموها قبل أسبوع.

 

وعقب ذلك أصبحت مسألة الجهة التي يفاوضها الأهالي جزءا من الأزمة نفسها، إذ يرى أعضاء بالحركة أن الحوار مع جهاز المدينة لا معنى له إذا كان عاجزا عن حسم مطلب البقاء.

 

ومن زاوية عمرانية، يرى الباحث إبراهيم عز الدين أن إعادة تخطيط الوراق كان ينبغي أن تتم بالتشاور مع السكان، مع إتاحة خيار البقاء داخل الجزيرة وعدم اختزال التعويض في المقابل المالي.

 

كما يعتبر عز الدين أن التعويض العادل يجب أن يراعي الآثار الاجتماعية وفقدان مصادر الرزق، وهي رؤية تضع مطلب بيت مقابل بيت ضمن نقاش أوسع عن استمرار المجتمع المحلي بعد التطوير.

 

وبموجب 3 قرارات، رفض المجتمعون التفاوض قبل قبول المبدأ الأساسي، وجمدوا بقية المطالب، وأكدوا رفض استبدال منازلهم بشقق، في محاولة لتوحيد الرسالة ومنع تفتيت الموقف بين ملفات متعددة ومتوازية حاليا.

 

لهذا يبدو قرار تجميد المطالب الفرعية محاولة لمنع تفكيك موقف الأهالي عبر الاستجابة لخدمات محدودة، بينما يظل السؤال المركزي معلقا حول مصير المنازل والأراضي وحدود حق السكان في إعادة البناء داخل الجزيرة.

 

السكن البديل محل نزاع

 

في المقابل تقول الحكومة إن مشروع التطوير يتضمن بدائل عينية تشمل وحدات سكنية وأراضي سكنية أو زراعية للمستحقين، وحددت 30 سبتمبر 2026 موعدا لبدء تسليم 792 وحدة ضمن المرحلة العاجلة.

 

غير أن هذا المسار لا يطابق مطلب المحتجين الحالي، لأنهم لا يطالبون بمجرد وحدة بديلة، بل بضمان حق كل أسرة منزوعة الملكية في بناء منزل داخل الجزيرة مقابل المنزل المزال.

 

وعلى هذا الأساس يتحول الخلاف من كمية الوحدات المطروحة إلى طبيعة البديل وموقعه وشروطه، وهي عناصر تحدد ما إذا كان التطوير يحافظ على المجتمع القائم أو يعيد توزيعه جغرافيا فعليا.

 

وتشير الباحثة العمرانية أمنية خليل، التي درست حالات إخلاء بينها الوراق، إلى أن نقل السكان إلى مساكن تحددها الدولة دون مساحة اختيار حقيقية يدخل في نطاق مشكلات الإخلاء القسري المعروفة.

 

ووفقا لهذا المنظور لا يكفي توفير سقف بديل لإغلاق النزاع، لأن السكن يرتبط بالموقع والعمل والعلاقات الاجتماعية والقدرة على الاختيار، وهي عناصر يضعها أهالي الوراق حاليا في صلب تفاوضهم المباشر.

 

فضلا عن ذلك تكشف الهتافات الأخيرة أن الثقة في الوعود الشفوية تراجعت بشدة، وهو ما يفسر إصرار الحركة على موافقة مسبقة وواضحة قبل العودة إلى أي مسار تفاوضي مع المسؤولين.

 

القانون أمام اختبار الملكية

 

أما قانونيا فتظل مسألة نزع الملكية والتعويض من أكثر ملفات الوراق تعقيدا، خصوصا مع وجود ملكيات خاصة ووثائق مسجلة من جانب سكان، مقابل قرارات حكومية خصصت مساحات للمشروع العمراني الجديد.

 

ويؤكد الباحث العمراني يحيى شوكت في دراساته عن نزع الملكية أن التعويض العادل ليس تفصيلا لاحقا، وأن الطعن على قيمة التعويض يستدعي ضمانات تمنع الإخلاء قبل حسم النزاع وسداد المستحقات.

 

ومن ثم يمنح مطلب بيت مقابل بيت التفاوض بعدا يتجاوز السعر، لأنه يربط التعويض باستمرارية السكن في الموقع نفسه، بينما تركز الصيغة الحكومية على حزمة بدائل متعددة تخضع لشروط الاستحقاق.

 

كذلك يضاعف الاحتكاك عند المعديات حساسية الملف، لأن القيود المرتبطة بمواد البناء والحركة اليومية تحولت خلال السنوات الماضية إلى مصدر مواجهة متكرر بين السكان وقوات الأمن المحيطة بمداخل الجزيرة نفسها.

 

ومع تكرار التظاهرات خلال أسبوع، تبدو الحركة الجديدة أكثر ميلا إلى تثبيت مطلب موحد بدلا من قوائم طويلة، وهو أسلوب يقلل مساحة المناورة لكنه يرفع كلفة أي رفض حكومي مباشر.

 

وأخيرا تقف أزمة الوراق أمام اختبار واضح، فإما أن تقدم الحكومة ضمانة مكتوبة ومحددة تسمح بالبقاء وإعادة البناء داخل الجزيرة، أو يستمر الشارع في اعتبار مشروع التطوير مسارا لاقتلاع مجتمع قائم.