تتفاقم تداعيات كارثة الفيضانات المفاجئة التي اجتاحت المناطق الحدودية بين نيبال وإقليم التبت الصيني، بعدما ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 633 قتيلاً على جانبي الحدود، وسط استمرار عمليات البحث عن نحو 3 آلاف مفقود، وتحذيرات من أن الأرقام مرشحة لمزيد من الارتفاع مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق التي عزلتها المياه والانهيارات الأرضية.
عندما شاهدت المقاطع الصادمة من #نيبال خطر في بالي هذه الآية الرهيبة المفزعة
— عـمَّار أبو مروان𝕏 (@_Ammor__) August 26, 2026
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
ما الذي حدث بالضبط!؟
اليوم (26 أغسطس 2026)، على الحدود بين نيبال (مقاطعة راسووا) و #التبت الصيني… pic.twitter.com/pjUAA5Q6LR
وبحسب أحدث البيانات الصادرة السبت، سجلت نيبال وحدها 626 حالة وفاة، بينما أعلنت السلطات الصينية وفاة 7 أشخاص في التبت، بعد الكارثة التي بدأت الأربعاء عندما تسبب انهيار جليدي في اندفاع كميات هائلة من الصخور والجليد والطين والحطام عبر شبكات الأنهار الجبلية، لتتحول خلال فترة وجيزة إلى سيول جارفة دمرت قرى وطرقاً وجسوراً ومنشآت للطاقة.
حصيلة تتصاعد وسباق مع الزمن
دخلت عمليات البحث والإنقاذ يومها الرابع وسط سباق مع الزمن للعثور على ناجين، في وقت أكدت فيه السلطات النيبالية أن نحو 2426 شخصاً ما زالوا في عداد المفقودين داخل البلاد، بينما تحدثت السلطات الصينية عن أكثر من 550 مفقوداً في مقاطعة جيرونج بالتبت، لترتفع الحصيلة الإجمالية للمفقودين إلى قرابة 3 آلاف شخص.
وتواصل القوات المسلحة والشرطة وفرق الطوارئ والمتطوعون عمليات التمشيط في القرى والمناطق التي غمرتها السيول، بينما تشكل التضاريس الجبلية والطرق المقطوعة وكميات الطين والحطام الهائلة عقبات كبيرة أمام الوصول إلى بعض المواقع.
وأعلن الجيش النيبالي تنفيذ عمليات إجلاء جوي واسعة باستخدام طائرات الهليكوبتر، شملت آلاف العالقين في المناطق المتضررة، وبينهم عشرات الأجانب. وأشارت تقارير إلى إجلاء 2265 شخصاً جواً، بينما ارتفع إجمالي من تم إنقاذهم وإجلاؤهم لاحقاً مع استمرار العمليات.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، تجاوز عدد الذين تم إنقاذهم في نيبال 3700 شخص بحلول السبت، فيما واصلت المروحيات نقل الناجين والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية إلى المناطق المعزولة، بعد استئناف بعض الرحلات التي تعطلت بسبب سوء الأحوال الجوية.
وتركز إحدى أصعب عمليات الإنقاذ في موقع مشروع «أبر تريشولي-1» للطاقة الكهرومائية في منطقة راسوا، حيث تعتقد السلطات أن أكثر من 100 شخص قد يكونون عالقين داخل نفق امتلأ بطبقات كثيفة من الطين، بينما تعرقل صعوبة التضاريس وعدم توافر أماكن مناسبة لهبوط المروحيات جهود الوصول إليهم.
وفي العاصمة كاتماندو، تتجمع أسر المفقودين أمام المستشفيات ومراكز الإغاثة بحثاً عن أي معلومات بشأن ذويهم، بينما علقت صور المفقودين والجثث التي لم يتم التعرف عليها على الجدران في محاولة للوصول إلى هويات الضحايا.
انهيار جليدي يطلق طوفاناً مدمراً
بدأت الكارثة صباح الأربعاء 26 أغسطس، عندما أدى انهيار جليدي في مرتفعات الهيمالايا إلى إطلاق كتلة ضخمة من المياه والجليد والصخور والطين، اندفعت بسرعة عبر مجاري الأنهار في اتجاه المناطق المنخفضة الواقعة بين نيبال والتبت.
وتحولت الكتلة المندفعة إلى ما يشبه جداراً هائلاً من المياه والحطام اجتاح التجمعات السكنية الواقعة على امتداد أنهار بوتي كوسي وتريشولي، ودمر منازل وجسوراً وطرقاً ومنشآت عامة ومحطات للطاقة الكهرومائية، بينما حمل التيار بعض الجثث لمسافات بعيدة عن مركز الكارثة.
وتضررت منطقة راسوا شمالي نيبال بصورة خاصة، كما لحقت أضرار بالغة بمعبر جيرونج الحدودي على الجانب الصيني، فيما وجدت فرق الإنقاذ نفسها أمام مساحات واسعة تحولت إلى طبقات من الطين والصخور والأخشاب وبقايا المباني.
ولا تزال المخاطر قائمة رغم مرور عدة أيام على الفيضان الأول، حيث تراقب السلطات بحيرتين تشكلتا في المناطق المرتفعة نتيجة الانهيار، وسط مخاوف من انهيارهما أو فيضانهما وتشكيل موجة جديدة من السيول.
وأدت الأمطار والضباب إلى تعليق بعض عمليات البحث والإنقاذ مؤقتاً السبت، قبل استئناف عدد من الرحلات الجوية، فيما أكدت السلطات أن استمرار الأمطار قد يؤدي إلى انهيارات أرضية جديدة ويعرقل وصول فرق الطوارئ إلى المناطق النائية.
وتسلط الكارثة الضوء مجدداً على هشاشة منطقة الهيمالايا أمام الفيضانات والانهيارات الجليدية والأرضية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الكتل الجليدية وتكوين بحيرات جديدة في مناطق مرتفعة، ما يزيد مخاطر حدوث فيضانات مفاجئة ذات قدرة تدميرية هائلة.
مليارات لإعادة الإعمار ومخاطر مستمرة
ومع انحسار المياه تدريجياً عن بعض المناطق، بدأت تظهر أبعاد الخسائر الاقتصادية التي قد تجعل الكارثة واحدة من أكثر الأحداث الطبيعية كلفة بالنسبة لنيبال خلال السنوات الأخيرة.
وقال وزير المالية النيبالي سوارنيم واجلي إن التقديرات الأولية تشير إلى أن البلاد قد تحتاج ما يتراوح بين 4 و5 مليارات دولار لإعادة إعمار ما دمرته الفيضانات، وهو مبلغ يعادل قرابة عُشر حجم الاقتصاد النيبالي. وأكد أن السلطات لا تزال تعمل على تقييم شامل للخسائر والأضرار.
وشملت الخسائر طرقاً وجسوراً وقرى ومنشآت سياحية ومشروعات للطاقة الكهرومائية، وهي قطاعات حيوية لاقتصاد نيبال الذي يعتمد بصورة كبيرة على السياحة وتحويلات العاملين في الخارج وإنتاج الكهرباء من الطاقة المائية.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن محطات ومشروعات للطاقة تمثل أكثر من 12% من إجمالي قدرة توليد الكهرباء في نيبال تعرضت لأضرار نتيجة الفيضانات، ما يضيف عبئاً اقتصادياً جديداً إلى تكاليف إعادة بناء الطرق والجسور والمساكن والمرافق العامة.
وطلبت الحكومة النيبالية مساعدة تقنية متخصصة من الخارج، خصوصاً في عمليات إنقاذ العالقين داخل الأنفاق، والتعرف على هوية الجثث باستخدام فحوص الحمض النووي، وإعادة إنشاء وسائل النقل والوصول إلى المناطق المعزولة، بينما أكدت أنها لا تحتاج في المرحلة الحالية إلى فرق أجنبية لتنفيذ عمليات البحث العامة.
ومع استمرار فقدان قرابة 3 آلاف شخص، تبقى الحصيلة الحالية مؤقتة وقابلة للارتفاع، بينما تتحول الأولوية تدريجياً من إنقاذ العالقين إلى إيواء الناجين وإعادة فتح الطرق وتوفير الغذاء والدواء واستعادة الخدمات الأساسية.
وتضع الكارثة نيبال والتبت أمام أزمة إنسانية واقتصادية ممتدة، كما تقدم إنذاراً جديداً بشأن المخاطر المتزايدة في جبال الهيمالايا، حيث يمكن لانهيار جليدي واحد في منطقة شديدة الانحدار أن يتحول خلال دقائق إلى كارثة تمتد آثارها عبر مئات الكيلومترات، وتترك وراءها آلاف الضحايا والمفقودين وخسائر تحتاج سنوات لإزالتها.

