لم تكن كلمات الرجل الذي ظهر في الشارع مجرد شكوى عابرة من فاتورة كهرباء مرتفعة، بل بدت كأنها خلاصة ما يعيشه ملايين المصريين يوميًا تحت وطأة الغلاء وتآكل الدخل وتراجع الخدمات. مواطن يدفع، بحسب حديثه، 500 جنيه شهريًا لشحن كارت الكهرباء، ثم يقضي ساعات في الظلام بسبب الانقطاعات المتكررة، فيجد نفسه أمام معادلة قاسية: تكلفة تتصاعد، وخدمة لا تصل بالقدر الذي يدفع مقابله.
فاتورة باهظة وخدمة غائبة
في المقطع المتداول، يتحدث المواطن بانفعال واضح، لا بوصفه خبيرًا اقتصاديًا ولا ممثلًا لتنظيم سياسي، وإنما كرجل أنهكته الحسابات اليومية. يسأل ببساطة عن معنى أن يضع مئات الجنيهات في كارت الكهرباء، ثم يظل محرومًا من التيار لساعات. هذا السؤال، رغم بساطته، يضرب في قلب أزمة أوسع: من يدفع ثمن فشل إدارة الخدمات العامة؟.
الكهرباء ليست رفاهية يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها. انقطاعها يعني بيتًا بلا مروحة في حر الصيف، وطعامًا مهددًا بالفساد في الثلاجة، وأطفالًا لا يستطيعون المذاكرة، ومريضًا قد يتوقف جهازه أو دواؤه عن العمل، وصاحب محل يخسر يومه بسبب توقف الثلاجات أو المعدات. ومع ذلك، يتعامل الخطاب الرسمي غالبًا مع الأزمة باعتبارها ظرفًا طارئًا أو نتيجة استهلاك مرتفع، بينما لا يجد المواطن أمامه سوى العداد الذي يبتلع الرصيد.
المشكلة ليست في أن المواطن يرفض دفع مقابل الخدمة، بل في أن الدفع لم يعد يضمن حصوله عليها. كل زيادة في تكلفة المعيشة تتحول إلى ضغط جديد على الأسرة، من فاتورة الكهرباء إلى أسعار الطعام والدواء والمواصلات والإيجار. وعندما تكون المرتبات ثابتة أو تتحرك ببطء شديد مقارنة بالأسعار، يصبح أي بند إضافي في المصروفات تهديدًا مباشرًا لاستقرار البيت.
من صبر الناس إلى الانفجار
عبارة «اتخنقنا.. موتونا أحسن» لا ينبغي التعامل معها كمادة للفرجة أو كجملة مثيرة صالحة للتداول فقط. هي تعبير مجازي شديد القسوة عن حالة انسداد يشعر بها مواطن لم يعد يرى طريقًا لتدبير احتياجاته الأساسية. خلف هذه الجملة غضب وخوف وعجز، وهي مشاعر لا تظهر فجأة، بل تتراكم مع كل زيادة جديدة، وكل خدمة تتراجع، وكل وعود لا تنعكس على الواقع.
المواطن البسيط لا يطلب قصورًا ولا امتيازات. يريد أن يعرف كيف يكمل الشهر دون ديون، وكيف يوفر طعامًا ودواءً لأسرته، وكيف يضمن أن الكهرباء والمياه والمواصلات ستعمل حين يحتاج إليها. لكن السياسات التي توسع الأعباء على الناس ثم تطالبهم بمزيد من التحمل تخلق شعورًا عميقًا بأن الدولة لا ترى إلا الأرقام والجبايات، ولا ترى الوجوه المتعبة خلف العدادات والفواتير.
الأخطر أن الغلاء لم يعد أزمة تخص الفئات الأفقر فقط. الطبقة الوسطى نفسها تتآكل سريعًا، والموظف الذي كان يملك هامشًا بسيطًا للطوارئ أو التعليم أو العلاج بات يطارد الأساسيات. كثيرون يقلصون الطعام، يؤجلون العلاج، يلغون الدروس، أو يدخلون في دوامة الاقتراض. وبينما تُقدَّم أرقام عن الإصلاح والاستثمار والنمو، يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع: أين أثر ذلك على المائدة وفاتورة الكهرباء وقدرة الأسرة على الحياة؟.
الغضب لا تعالجه البيانات
لا يمكن مواجهة هذا الغضب بتصريحات مطمئنة أو أرقام عامة عن الدعم والمشروعات. المواطن يقيس الواقع بما يدفعه وما يحصل عليه، لا بما يُقال في المؤتمرات. فإذا ارتفع سعر الخدمة وتراجعت جودتها، فالمشكلة ليست في سوء فهم الناس، بل في خلل حقيقي يستدعي المحاسبة والمعالجة.
المطلوب أولًا شفافية واضحة بشأن أسباب الانقطاعات، ومدتها، وخطط إنهائها، بدل ترك المواطنين أسرى للشائعات والتخبط. والمطلوب أيضًا مراجعة حقيقية لفواتير الكهرباء والشرائح وأعباء الشحن، خصوصًا على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل. لا يجوز أن تتحول الخدمات الأساسية إلى باب مفتوح لاستنزاف من لا يملكون بديلًا.
كما أن أي حديث عن حماية اجتماعية يفقد معناه إذا لم يترجم إلى إجراءات ملموسة: أجور تواكب الأسعار، رقابة تمنع الاستغلال، دعم يصل لمستحقيه، وخدمات تُقدَّم بكفاءة وعدالة. الناس لا تحتاج إلى من يشرح لها أن العالم يمر بأزمات؛ هي تعرف ذلك من الأسواق ومن جيوبها. لكنها تريد أن تعرف لماذا تتحمل وحدها الكلفة كاملة، ولماذا تُطلب منها التضحية كل مرة دون أن ترى تحسنًا حقيقيًا.
صرخة هذا المواطن ليست حادثة فردية، بل إنذار من الشارع. تجاهل النظام لها لن يحل الأزمة، والسخرية منها لن تطفئ الغضب. حين يدفع الناس مقابل خدمة ثم يُحرمون منها، وحين يصبح تدبير الضروريات معركة يومية، فإن المسألة لم تعد مجرد فاتورة كهرباء، بل كرامة معيشية تُسحب من البيوت تدريجيًا.

