سرعت الحكومة المصرية بيع حصص من شركات مملوكة للدولة خلال أول 8 أشهر من 2026، لتجمع نحو 5.5 مليار جنيه من أصول رابحة، بينما تتزايد الضغوط لتوفير التمويل وخفض الدين.

 

وكشفت الصفقات انتقال أجزاء جديدة من ملكية شركات تعمل في الأسمدة والبتروكيماويات والبترول وتداول الحاويات إلى المستثمرين، في وقت يطالب صندوق النقد بتسريع التخارج وتقليص وجود الدولة الاقتصادي.

 

وبينما تقدم الحكومة الطروحات باعتبارها وسيلة لتوسيع مشاركة القطاع الخاص، يطرح بيع حصص في شركات ناجحة سؤالا مختلفا حول استبدال إيرادات وأرباح مستقبلية بحصيلة مالية تحصل عليها الخزانة مرة واحدة.

 

وتزداد حدة السؤال لأن صندوق النقد يضع استخدام حصيلة بيع أصول الدولة ضمن أدوات خفض الدين والاحتياجات التمويلية، بعدما أكد أن تسريع برنامج التخارج يمثل ركنا أساسيا لاستمرار برنامجه مع مصر.

 

 

بيع الرابح لسد الفجوة

 

وفي التفاصيل، تصدرت أبو قير للأسمدة المبيعات بقيمة 1.63 مليار جنيه، تلتها مصر لإنتاج الأسمدة بقيمة 1.57 مليار، ثم الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع بحصيلة بلغت 1.55 مليار جنيه.

 

كما شملت القائمة الإسكندرية للزيوت المعدنية بقيمة 338 مليون جنيه، وفالمور القابضة بنحو 294.8 مليون، وسيدي كرير للبتروكيماويات بقيمة 135.3 مليون جنيه، لتصل الحصيلة الإجمالية إلى نحو 5.5 مليار.

 

ومن ثم لا يتعلق الأمر بالتخلص من شركات متعثرة تستنزف الموازنة، إذ تضم القائمة شركات ذات نشاط تصديري وربحية وحضور قوي في قطاعات الأسمدة والطاقة والبتروكيماويات والخدمات المرتبطة بالتجارة الخارجية.

 

وفي هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب سابقا من تحويل الأصول العامة إلى حصيلة مالية لمرة واحدة، معتبرا أن ذلك قد يحرم الأجيال المقبلة من ملكية أصول مهمة.

 

وبحسب عبد المطلب، ترتبط الطروحات كذلك بتعهدات مصر أمام صندوق النقد، بينما وصف الاعتماد على عوائد بيع الأصول لتمويل العجز بأنه خيار يمكن استخدامه مرحليا لكنه بطبيعته غير مستدام.

 

لذلك تظهر المعضلة بوضوح عندما تستخدم الدولة حصيلة بيع أصل منتج لسداد التزامات مالية قائمة، لأن الدين قد يبقى بينما تتراجع ملكية الدولة في شركة كانت توفر أرباحا سنوية.

 

وعلاوة على ذلك، يصبح تقييم الصفقة أكثر تعقيدا إذا كان البيع يجري تحت ضغط الحاجة إلى السيولة، لأن احتياج البائع للتمويل قد يضعف قدرته التفاوضية مقارنة بمستثمر يمتلك الوقت والسيولة.

 

 

الدولار يحرك الطروحات

 

وفي المقابل، يكشف تقرير صندوق النقد أن استراتيجية خفض الدين المصرية قامت جزئيا على استخدام حصيلة بيع الأصول، مؤكدا أن برنامج التخارج يوفر موارد للتمويل وخفض الاحتياجات المالية للدولة.

 

وبالتالي يصعب فصل تسارع بيع الحصص عن الاتفاق مع الصندوق، خصوصا بعدما طالب في يوليو 2026 بتنفيذ أكثر حسما لوثيقة ملكية الدولة وتسريع التخارج الذي اعتبر تقدمه أبطأ من المتوقع.

 

ومن ناحية أخرى، ربط خبير أسواق المال وائل النحاس بين برنامج الطروحات واتفاق صندوق النقد، معتبرا أن بيع الأصول جاء أساسا للحصول على السيولة اللازمة لمواجهة الفجوة التمويلية والالتزامات الخارجية.

 

كما انتقد النحاس في تصريحات سابقة طريقة تنفيذ بعض الطروحات، محذرا من أن البيع المتعجل لتلبية التزامات التمويل قد يمنع الدولة من الحصول على أفضل قيمة ممكنة مقابل أصولها.

 

وبناء على ذلك، تتحول قضية الطروحات من نقاش حول زيادة كفاءة الشركات إلى سؤال عن سبب توجيه عوائد البيع، خاصة عندما تصبح الحصيلة جزءا من خطة إدارة الدين والتمويل.

 

وفوق ذلك، ذكر صندوق النقد أن نحو نصف عوائد صفقات تخارج مستهدفة بقيمة 1.5 مليار دولار كان متوقعا توجيهها إلى الموازنة، بما يؤكد الارتباط المباشر بين البيع والاحتياجات المالية.

 

وعليه، فإن الحصول على الدولارات أو الجنيهات اليوم لا يمثل مكسبا صافيا تلقائيا، إذ ينبغي مقارنته بقيمة الأصل المباع وأرباحه المستقبلية وأهمية القطاع الذي تعمل فيه الشركة للدولة.

 

 

أصول أقل وديون باقية

 

وفي قراءة أكثر انتقادا، يرى خبير التمويل والاستثمار رشاد عبده أن بيع شركات تحقق عوائد كبيرة يمكن أن يفقد الدولة أصولا تاريخية ومصادر دخل مقابل معالجة ضغوط مالية قصيرة الأجل.

 

ووفق عبده، واجهت الحكومة ضغوطا لتنفيذ تعهداتها أمام صندوق النقد مع اتساع احتياجات التمويل، ما دفعها إلى التوسع في بيع الأصول لتوفير السيولة وسداد الالتزامات وتمويل الواردات.

 

لكن المشكلة الأعمق تظهر إذا استمرت أسباب الأزمة نفسها بعد البيع، لأن التخلص من أصل لا يخفض تلقائيا فاتورة الفوائد أو العجز ما لم يصاحبه تغيير هيكلي في إدارة الإنفاق والدين.

 

كذلك تكشف بيانات صندوق النقد ضخامة المشكلة، إذ أشار في مارس 2026 إلى أن مدفوعات الفائدة تستحوذ على نحو 73 في المائة من الإيرادات، بما يقيد الإنفاق على الأولويات.

 

وفوق هذا، باعـت مصر حصصا في 23 شركة بنحو 5.9 مليار دولار بين 2022 ونهاية 2025، ما يعني أن عمليات 2026 تأتي امتداداً لمسار تخارج واسع وليس إجراء منفردا.

 

وبالتوازي، تستعد الحكومة لمزيد من الطروحات بعدما قيدت شركات إضافية تمهيدا للبيع، وهو ما يوسع المخاوف من استمرار استخدام الأصول العامة مخزونا يمكن تسييله كلما احتاجت الخزانة إلى تمويل.

 

وأخيرا، تكشف حصيلة الـ5.5 مليار جنيه مفارقة جوهرية، فالدولة تحصل على سيولة فورية مقابل تقليص ملكيتها في شركات رابحة، بينما تبقى الديون والفوائد والاحتياجات التمويلية بحاجة إلى حلول تتجاوز البيع.