د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

أثار خبر مرض الإعلامي المصري أحمد موسى، والذي لا يكتفي بتأييد السيسي، بل يوغل في التحريض ضد كل من ليس على درجة تماهيه مع النظام، وبمجرد نشر خبر تغيبه عن الشاشة لفترة تقصر أو تطول، راح الناس يعلقون على الخبر في مواقع تابعة للنظام، وكان معظمها دعوات على موسى، وعلى أمثاله من الإعلاميين، مذكرين الناس بتحريضه على الجزائريين، والمصريين، وعلى كل من يعارض السيسي.

 

فرأى إعلاميون آخرون يؤيدون النظام، أن المشهد سوف يتكرر معهم، لو حدث لهم ما حدث لموسى، سواء كانت الحالة مرضا أم وفاة. والمرض والوفاة أمر بقدر الله لا ينكره أحد، وسوف يطال الجميع، ولن يخلد أحد في هذه الحياة الدنيا، لكن مواقف المريض أو الميت مع الناس، وبخاصة فيما يتعلق بالمظالم والخوض في الأعراض، أمر يحدد وجهة الناس في الدعاء، هل له أم عليه؟

 

كانت تعليقات الناس بالدعوات واللعنات مثار قلق وانزعاج، وهو ما تكرر من قبل مع شخصيات مشابهة، سواء من الإعلام أو القضاء أو السياسة، أو العسكر، فإذ بإعلاميين وغيرهم ممن يؤيدون النظام يهاجمون الذين دعوا على موسى وغيره، ووصفهم بأنهم غلاظ القلوب، وقساة، وأنهم لا يعرفون الله، واتهموا الجميع بأنهم ينتمون لجماعة الإخوان، وأنهم لجان إلكترونية!!

 

والمشهد الذي لا يرصد هنا، هو أن هذه الأخبار منشورة على مواقع تابعة للنظام، وترك إدارة المواقع والقنوات التعليقات مفتوحة للجميع، أمر متعمد، لأنهم يعلمون من خلال تجارب سابقة ما سينتج عنه هذا الأمر، لكن المواقع والقنوات فضلت أن تستفيد بالتفاعلات التي تفيدهم في الانتشار والمشاركة للمنشور، ولو كان على حساب من يصطفون معه في نفس الموقف، ولا ندري لماذا يعتبون على المظلومين بالدعوات على من أعان على ظلمهم، بينما هم أنفسهم قدموا مصلحتهم الإعلامية على الحفاظ على زميل لهم، وهو ما نراه يتكرر في كل حالة مثيلة.

 

ارتدى هؤلاء الإعلاميون الذين يؤيدون السيسي ثوب الفضيلة، بينما يقومون بالخوض في أعراض من يرفضون حكمه، ويصطلون بنار سجنه، أو الغربة عن الأوطان، ولا ندري من أين أتوا بهذه الأخلاق التي ترفض الشماتة، أو الفرح فيما يصيبهم من ابتلاءات الله، لمن يعاون الظلمة؟!

 

رأينا محمد الباز، ونشأت الديهي، وحمدي رزق، وثروت الخرباوي، وغيرهم، يصفون من شمتوا أو فرحوا في مرض أحمد موسى، أو موت قضاة ظلمة، بأنهم تجار دين، وعدموا أخلاق الإسلام، بينما مارس هؤلاء جميعا وغيرهم، أشد درجات التسفل الأخلاقي في الحديث عن الأحياء والأموات، والخوض في الأعراض بشكل غير مسبوق في الإعلام، دون أدنى مساءلة أو عتاب، أو لوم، سواء من السلطة أو من العقلاء.

 

فعندما مات الرئيس محمد مرسي، خرج أحمد موسى بكل عبارات البذاءة، شامتا في الرجل الذي مات مظلوما في محبسه، ولا يذكره حيا وميتا إلا بالخائن العميل، وشتائم لا تنتهي، وهو ما تكرر مع علماء مثل الشيخ القرضاوي، والدكتور عصام العريان، وعند وفاة الأستاذ مهدي عاكف، بل نشرت جريدة روزاليوسف العنوان الرئيس عند وفاة عاكف: الجنازة حارة.. والميت عاكف.

 

أما نشأت الديهي، فلم يدع معارضا، أو مخالفا للسيسي، مهما كانت درجة أدب المخالف، إلا ونعته بأنه ابن حرام، ويباهي بأنه صاحب عبارة صكها بنفسه، وهي حديثه عن معارضين بقوله عنهم: نطفة محرمة في رحم موبوء. وهذه عبارات تقال على شاشة مصرية يشاهدها عامة الشعب، بل راح يتهم المرحومة زينب الغزالي بعبارات قذف صريح ووقح في عرضها.

 

أما محمد الباز ففي تصرف غريب، لا ينم عن أن مصر دولة فيها قانون، ولا علاقة لهذه السلطة بالخلق أو القانون، فراح يحرض على قتل الدكتور أيمن نور، والأستاذ محمد ناصر، والأستاذ معتز مطر، قائلا: من يلقى هؤلاء في أي مكان يقتلهم. ولم يكن ذلك في منشور على صفحته، بل على قناة فضائية مصرية، شاهدها الجميع، وقام أيمن نور ببلاغ للنائب العام على صفحته، ولم نجد موقفا رافضا لفعلته المشينة، سواء من السلطة، أو ممن يلبسون مسوح الخلق والفضيلة عندما يشمت أو يفرح المظلومون بما يصيب هؤلاء الظلمة.

 

أما حمدي رزق وثروت الخرباوي، فقد قاما بالحديث منذ أسبوعين عني وعن شيخنا القرضاوي، بكلام مختلق تماما، يسيء للرجل خلقا وسلوكا، بل زاد من ذلك أن نسبوا ما ألصقوه بالرجل لي، رغم أني لم يجمعني مطلقا أي لقاء بالخرباوي، فأن يجمعا بين الكذب والتسفل، ثم بعد ذلك يشكون من مواقف الناس عند مصائبهم!

 

كان يمكن لحمدي رزق أن يصمت، حتى ينسى الناس له مقالا، بلغ فيه درجة من الكذب والتوقح، حين كتب بعد فض رابعة مباشرة، مقالا بعنوان: (من قصص جهاد النكاح في رابعة)، مدعيا أن شخصا صحب زوجته لرابعة لممارسة جهاد النكاح في رابعة، وأنه قدم امرأته لتمارس الرذيلة في رابعة، لكل راغب في المتعة الحرام، وأن تحكيما عرفيا حضره، أي: أنه لا يقول كلاما مطلقا في الهواء، أو يحكي عن ناس تشيع ذلك، لا، هو يتحدث عن حدث بعينه يختلقه كاملا، ولا أدري في أي منطقة في مصر يمكن أن يحدث ذلك؟ أو يقبل به أحد، لكنه استمرأ الخوض في أعراض الناس، وهم أموات، قتلوا ظلما بأبشع قتلة، ثم راح يشوه سمعة الناس، ثم يخرج ليعلم الناس أخلاقيات الإسلام مع المريض؟!

 

ولم يقف الأمر عند إعلاميين، بل انتقل إلى مشايخ، ومن هذ النماذج: الشيخ علي جمعة، والذي فعل فعلة في منتهى التسفل، فعندما مات الشيخ القرضاوي، قام علي جمعة بتحريض اثنين من تلامذته لكتابة قصيدتين، بعد وفاة القرضاوي بيومين، كانت القصيدتان هجاء مقذعا في القرضاوي، وقام علي جمعة بنشر القصيدتين على موقعه وصفحته الرسمية، حتى لا يدع أحد بأن صفحة مجهولة نشرتها، بل صفحاته المعتمدة والموثقة رسميا، فهل ينتظر علي جمعة أو تلامذته، حين يمرض أو يموت، أن يترحم عليه الناس أو يدعون له بالشفاء؟! سوف يشرب من نفس الكأس، ويشرب معه تلامذته، فلا يلومون أحدا عندما يأتي هذا اليوم.

 

لدي حصر أكثر مما ذكرت، لشخصيات إعلامية وسياسية ودينية، كانت مواقفها من المظلومين، متجاوزة لكل ثابت أخلاقي، ولكل ثابت رجولي أو تربوي، فقد تجازوا الدين والخلق والمروءة، وأخلاق أبناء البلد، وراحوا يصفون المكلومين المظلومين بأنهم لا يتحلون بأخلاق الإسلام، عندما رأوا بعض عقاب الله للظلمة في الدنيا على ما اقترفوه بحقهم، يذكروننا في ذلك بقول العرب: رمتني بدائها وانسلت.

 

أو ما ورد في السينما المصرية في مشهد للفنانة نجمة إبراهيم، والتي كانت تقوم بدور (ريا) السيدة التي تخطف النساء وتسرق ذهبهن، ثم تقتلهن، وعندما كانت تخنق إحداهن، قاومتها الضحية، وعضت يدها، فقالت (ريا) معقبة بعد قتل الضحية: بنت الحرام قامت بعض يدي وأنا أخنقها وكأنني عدوتها!!