أطلق مقطع نشره الناشط الإماراتي عمر البلوشي اتهامات واسعة لمسلمي أوروبا وبريطانيا، زاعما أن قطاعات كبيرة منهم تتعرض لتطرف هادئ عبر شبكة تعمل داخل المساجد والجمعيات والجامعات والمدارس والمراكز المجتمعية.

 

ورد الباحث البريطاني أندرياس كريغ بسخرية حادة، معتبرا الخطاب جزءا من منظومة مؤثرين إماراتيين تكرر سردية أبوظبي بشأن المسلمين في الغرب، وتقدمها بصياغات متشابهة تستند إلى التخويف والاتهامات الواسعة المتكررة.
 

 

سردية تتسع بالاتهام

 

ويقول البلوشي إن الشبكة المزعومة تصور المجتمعات الغربية باعتبارها فاسدة وتدعو إلى مقاومتها من الداخل، بينما تستفيد في الوقت نفسه من مؤسسات الديمقراطية للوصول إلى مواقع عامة ومجالس وبرلمانات منتخبة.

 

وبحسب المقطع، يمتد التأثير إلى تصورات تحط من النساء الغربيات وترفض الديمقراطية الليبرالية، غير أن البلوشي لم يقدم في التسجيل بيانات محددة أو دراسات مستقلة تثبت حجم الظاهرة التي وصفها بالمتسارعة.

 

 

وفي المقابل، أيدت الصحفية الإماراتية منى الحمودي مضمون التحذير، وقالت إن التطرف يبدأ بأفكار تطبع الاحتقار والانقسام ورفض المجتمع، معتبرة أن مواجهة هذه الاتجاهات لا تتعارض مع حماية حرية الاعتقاد.

 

ويرى أندرياس كريغ أن هذا المحتوى يندرج ضمن شبكة أوسع لترويج رواية إماراتية في الغرب، وسخر من جودة المقاطع، مشبها أداء بعض صانعيها بأعمال كوميدية وقراءات آلية رديئة للغاية أيضا.

 

وسبق لكريغ أن كتب أن أبوظبي بنت سردية تجعل الإخوان المسلمين مظلة فضفاضة لتيارات وأفراد متباينين، بما يوسع دائرة الاشتباه ويخلط بين النشاط الإسلامي السلمي والتنظيمات العنيفة داخل النقاش الأوروبي.

 

ويؤكد كريغ في تحليله لملف أسرار أبوظبي أن الحملات طالت أكاديميين وصحفيين وناشطين ومؤسسات، بهدف دفع الجمهور وصناع القرار إلى تبني تصورات معدة سلفا عن الإسلام والإخوان المسلمين في أوروبا تحديدا.

 

ومع ذلك، لا يقدم المنشور دليلا مباشرا على أن فيديو البلوشي صدر بتكليف من جهة إماراتية، وهو فارق ضروري بين إثبات وجود منظومات تأثير سابقة وبين نسبة المحتوى المتشابه إليها.

 

شبكات تضخيم رقمية

 

وكشف تحقيق أسرار أبوظبي، استنادا إلى تسريبات من شركة ألب سيرفيسز السويسرية، أن الشركة عملت لصالح الإمارات وجمعت ملفات عن أكثر من 1000 شخص ونحو 400 منظمة في 18 دولة أوروبية.

 

ووفق شبكة التعاون الاستقصائي الأوروبية، قدم المستهدفون بوصفهم جزءا من شبكة مرتبطة بالإخوان المسلمين، رغم أن التحقيقات أظهرت اتساع القوائم لتشمل شخصيات ومؤسسات لا تتوافر أدلة واضحة على صلتها بالتنظيم.

 

كما وصل الملف إلى البرلمان الأوروبي، حيث تناول سؤال رسمي عام 2023 اتهامات للشركة السويسرية بالتجسس على مواطنين أوروبيين وتشويههم وربطهم خطأ بشبكة متطرفة، مطالبا بمساءلة الجهات المتورطة بشكل واضح.

 

ويربط الباحث مارك أوين جونز بين هذا التاريخ وبيئة رقمية أحدث، إذ وثق خلال 2025 شبكة حسابات ومواقع ومؤثرين إماراتيين قال إنها تستخدم محتوى مولدا آليا وتكرر رسائل حول الإخوان والهجرة.

 

ويشرح جونز أن تلك الحسابات لا تبدو أصواتا مستقلة متفرقة، بل منظومة مترابطة تعتمد توقيتا متقاربا واستوديوهات مشتركة ومواقع شبه إخبارية ومواد مصنوعة آليا، مع تضخيم متبادل يمنح الرسائل انتشارا أكبر.

 

ويشير جونز إلى أن الخطاب داخل هذه المنظومة يقدم الإمارات كنموذج للاستقرار، ويضع الإخوان والسودان والهجرة والاحتجاجات والإسلام الأوروبي في حزمة واحدة، بما يحول قضايا مختلفة إلى رواية تهديد موحدة.

 

ومن جهة أخرى، رصدت مؤسسة فريدوم هاوس أبحاث جونز حول حسابات زائفة دعمت روايات مؤيدة للإمارات وهاجمت قطر والإخوان، إضافة إلى شبكات آلية استهدفت التأثير في النقاش الخارجي بشأن قضايا إقليمية.

 

وتكشف هذه الأنماط أن قوة حملات التأثير لا تعتمد بالضرورة على صحة الادعاء الأصلي، بل على كثافة التكرار وتعدد المنصات وتشابه الرسائل، ما يمنح الانطباع بأن مواقف متفرقة تمثل إجماعا واسعا.

 

تقاطع يتجاوز المنصات

 

وفي يناير 2026، قالت مجلة إنتليجنس أونلاين إنها اطلعت على سجلات لمناقشات تعاون بين منصة فيسيغراد 24 ووزارة الخارجية الإماراتية، بهدف دعم رواية أبوظبي بشأن مواجهة الإسلام الراديكالي في الغرب.

 

وأشارت المجلة إلى أن النقاشات جاءت في بيئة يتقاطع فيها الخطاب الإماراتي مع شخصيات ومنصات من اليمين الأوروبي، بينها دوائر قريبة من نايجل فاراج وجوردان بارديلا، دون تطابق مصالح الأطراف.

 

وتساعد الباحثة كورتني فرير على فهم الخلفية الأعمق لهذا الخطاب، إذ ترى أن تشدد أبوظبي تجاه جماعة الإصلاح والإخوان لم يرتبط فقط بتهديد فعلي، بل باعتبار الإسلام السياسي خطرا على استقرار الحكم.

 

وتوضح فرير في أبحاثها عن الحركات الإسلامية الخليجية أن جماعات الإخوان اتخذت أشكالا مختلفة بحسب المجال المتاح داخل كل دولة، ما يجعل التعامل معها ككتلة واحدة تبسيطا يتجاهل فروقا تنظيمية ومحلية.

 

وبناء على ذلك، يصبح نقل التصور الإماراتي عن الإخوان إلى مسلمي أوروبا أكثر إشكالية، لأنه قد يحول الاشتباه في تنظيم بعينه إلى وصم أوسع لمساجد وجمعيات وطلاب ومدارس دون أدلة فردية قابلة للفحص.

 

وعلاوة على ذلك، فإن وجود حالات تطرف حقيقية داخل مجتمعات أوروبية لا يثبت تلقائيا وجود شبكة موحدة تدير قطاعات واسعة من المسلمين، كما أن مواجهة العنف لا تبرر تعميم الاتهام.

 

ومن ثم، يعيد فيديو البلوشي فتح سؤال يتجاوز مضمونه المباشر إلى كيفية صناعة الخوف من المسلمين داخل المجال الأوروبي، ومن يملك القدرة على تكرار الرواية وتمويل انتشارها وربطها بمراكز ومنصات.