تضع منحة المولد النبوي الجديدة قيمة الدعم الموجه للعمالة غير المنتظمة أمام اختبار قاس، بعدما أعلنت وزارة العمل صرف 1500 جنيه لكل مستفيد، بينما تواصل الأسعار المرتفعة تقليص ما يستطيع هذا المبلغ شراؤه فعليًا.

 

ويستفيد من المنحة 249327 عاملًا مسجلًا في 27 محافظة، بإجمالي 373990500 جنيه، على أن يستمر الصرف شهرًا عبر مكاتب البريد، ضمن منظومة تمنح العمالة غير المنتظمة 6 منح دورية خلال العام.

 

منحة أمام أسعار صاعدة

 

في المقابل، يأتي الصرف بينما بلغ التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 13 بالمئة خلال يوليو 2026، وارتفع التضخم في المدن إلى 14.9 بالمئة، بما يعكس استمرار الضغط على ميزانيات الأسر محدودة الدخل.

 

ومع ذلك، لا تعني زيادة المنحة إلى 1500 جنيه أن أثرها المعيشي ارتفع بالقيمة نفسها، لأن أسعار الغذاء والنقل والخدمات شهدت زيادات متراكمة جعلت الإنفاق الضروري يستهلك جانبًا أكبر من الدخول.

 

بحسب الخبير الاقتصادي رشاد عبده، فإن الدعم النقدي في الظروف الحالية يفقد جانبًا من فعاليته مع استمرار الضغوط التضخمية وضعف الرقابة على الأسواق، وهو ما يجعل ضبط الأسعار أولوية لحماية القوة الشرائية.

 

وفي هذا السياق، يرى عبده أن المشكلة لا تتعلق بمجرد وجود الدعم أو غيابه، بل بقدرته على الوصول إلى المستحقين، وبحجم ما يحتفظ به من قيمة بعد تحركات الأسعار المتلاحقة.

 

لكن المنحة الحالية تظل موردًا مهمًا للعامل الذي لا يملك دخلًا ثابتًا أو تأمينًا منتظمًا، خصوصًا في المواسم التي ترتفع خلالها مصروفات الغذاء والانتقال والاحتياجات المنزلية بصورة يصعب تأجيلها كثيرًا.

 

وعمليًا، تعادل المنحة 250 جنيهًا شهريًا إذا جرى توزيع قيمة المنح الست السنوية حسابيًا على مدار العام، وهو رقم يوضح حدود الأثر المستمر حين تقارن المساعدة باحتياجات معيشية تتجدد يوميًا.

 

اقتصاديًا، تكمن الفجوة في أن المنح دورية وليست دخلًا شهريًا مضمونًا، بينما التضخم يعمل بصورة متواصلة، ولذلك قد يشعر المستفيد بتحسن مؤقت عند الصرف ثم يعود سريعًا إلى الضغوط نفسها.

 

ولذلك، تبدو قيمة المنحة أكثر فاعلية عندما تقترن بآليات تمنع القفزات غير المبررة في الأسعار، وتوسع قاعدة المسجلين، وتضمن وصول المستحقات دون تأخير أو استبعاد للفئات الأشد هشاشة بشكل مباشر.

 

القيمة تتآكل سريعًا

 

من جهة أخرى، قال فخري الفقي إن متوسط التضخم خلال 3 سنوات بلغ نحو 34 بالمئة، مقابل زيادات في الدخول بمتوسط 15 بالمئة، ما أدى بحسب تقديره إلى تآكل القوة الشرائية 37 بالمئة.

 

وتكشف هذه المقارنة أن المساعدة النقدية قد ترتفع اسميًا بينما يظل المستفيد أقل قدرة على شراء احتياجاته، إذا كانت الزيادة في أسعار السلع الأساسية أسرع من الزيادة التي تطرأ على قيمة المنحة.

 

كما دعا الفقي إلى ربط قيمة الدعم بمؤشرات أسعار السلع الأساسية، بدل الاكتفاء بمعدل التضخم العام، لأن الفئات محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من مواردها على الغذاء والدواء والنقل والخدمات الضرورية.

 

وبناء على ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس كم تبلغ المنحة عند الإعلان، بل ماذا تشتري في يوم الصرف، وكم يتبقى من قيمتها بعد توفير الطعام والانتقال وبعض الالتزامات الأساسية للأسرة.

 

وفوق ذلك، تظهر مشكلة أخرى في اتساع الفارق بين العمالة المسجلة والعمالة التي تعمل خارج قواعد البيانات، إذ يظل الاستحقاق مرتبطًا بالتسجيل الرسمي، لا بمجرد العمل اليومي غير المنتظم فعليًا.

 

أمام هذه المعطيات، يمثل ارتفاع عدد المستفيدين مقارنة ببعض المنح السابقة مؤشرًا على توسع قاعدة المسجلين، لكنه لا يحسم مسألة مدى تغطية المنظومة للحجم الفعلي للعمالة الهشة في السوق المصرية كاملة.

 

ومن ثم، يظل توسيع الحصر والتسجيل جزءًا أساسيًا من كفاءة البرنامج، لأن قيمة الدعم مهما ارتفعت لن تصل إلى عامل غير موجود أصلًا داخل القاعدة التي تعتمد عليها الوزارة في الصرف.

 

وعلى هذا الأساس، تحتاج المنحة إلى تقييم دوري يجمع بين عدد المستفيدين وقيمة الصرف ونسبة التضخم ومتوسط تكاليف المعيشة، بدل الاكتفاء بإعلان إجمالي الإنفاق باعتباره وحده دليلًا على كفاية الحماية.

 

ربط الدعم بالأسعار

 

أما مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، فيرى أن الدعم النقدي أكثر كفاءة من العيني، لكنه يشدد على ضرورة مراجعته وتعويض المستفيدين عن ارتفاع التضخم.

 

وبهذا المعنى، لا يكفي ثبات المنحة عند 1500 جنيه إذا تحركت أسعار الضروريات بصورة أسرع، لأن المبلغ نفسه يمكن أن يشتري سلة أصغر من السلع كلما تراجعت القوة الشرائية للنقود.

 

إضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى قاعدة مراجعة واضحة، ترتبط بمؤشرات الأسعار أو تكلفة سلة أساسية، حتى لا تتحول الزيادة التي تُعلن مرة واحدة إلى قيمة جامدة تتآكل تدريجيًا مع الوقت.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل المنح وحدها مهمة مواجهة أزمة الدخول، لأن العمالة غير المنتظمة تحتاج أيضًا إلى أدوات تأمين صحي واجتماعي، وتعويضات فعالة، وآليات تحفظ دخلها عند الإصابة أو توقف العمل.

 

وبالتوازي، تؤكد بيانات وزارة العمل أن المنظومة تشمل رعاية اجتماعية وصحية وتعويضات إلى جانب المنح الموسمية، غير أن التحدي يبقى في حجم التغطية وسرعة الوصول وقيمة ما يحصل عليه المستفيد.

 

لهذا، تبدو منحة المولد دعمًا مطلوبًا لكنه محدود الأثر أمام موجة أسعار لم تتوقف، فالاختبار ليس في رقم الموازنة المصروفة، وإنما في قدرة العامل على تحويل المبلغ إلى احتياجات حقيقية.

 

وفي النهاية، تكشف المنحة معادلة لا يمكن تجاوزها، فكل دعم نقدي لا يتحرك مع تكلفة المعيشة يظل معرضًا للتآكل، وكل حماية اجتماعية لا تضبط الأسواق تترك المستفيد يطارد أسعارًا أسرع من دخله.