على الرغم من كونها مناسبة دينية في الأساس، إلا أن خطاب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال احتفالية المولد النبوي الشريف اليوم الأربعاء ركز على الشأن الاقتصادي، والتحديات السياسية الراهنة، دونما اعتراف صريح منه بتحمل المسؤولية عن الأوضاع الراهنة، وحالة التأزم التي دفعت العديد من المصريين إلى توجيه انتقادات علنية للسياسات الحكومية، ورفع أسعار الخدمات والمرافق.
"فوضى" وسائل التواصل الاجتماعي
وتمحور خطاب السيسي في توجيه انتقادات إلى ما وصفه بـ "الفوضى المعرفية والطرح السطحي" على منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، قائلاً إن هناك فوضى في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في المعرفة والطرح والإلمام بالتحديات التي واجهت مصر خلال الخمسين عامًا الماضية، وهناك أهمية أن يكون الشعب مستعدًا لتحمل تبعات الإصلاح والتغيير.
وهو ما يفسر الحرب التي دشنتها حكومة الانقلاب للحرب في نهاية يوليو الماضي ضد منصات التواصل الاجتماعي في مصر، بدعوى التصدي لمواجهة المخاطر السلبية الناجمة عنها، والاستخدامات السلبية لها، واختلاق الوقائع والأكاذيب والشائعات التي من شأنها إحداث الأضرار بالمجتمع، وإثارة البلبلة في نفوس المواطنين، فضلاً عن إضرارها بمسيرة الاقتصاد الوطني"، بحسب بيان لرئاسة مجلس الوزراء.
وكان لافتًا هذا التحرك بالتزامن مع تزايد حدة غضب المصريين جراء السياسات الحكومية المختلفة، فيما تُمثّل منصات التواصل الاجتماعي على الرغم من أجواء القمع والترهيب التي تشهدها البلاد آخر متنفس للتعبير عن الرأي في مصر، الأمر الذي يخشى معه النظام الانقلابي أن يكرر ثورة 25 يناير 2011، مما يجعله يعمل بشتى الطرق والوسائل إلى تكميم أفواه ملايين المصريين من رواد "السوشيال ميديا".
واعتبر منتقدون أن ما يصفه النظام بـ "الفوضى أو الطرح السطحي" هو في الحقيقة تعبير تلقائي وعفوي من المواطنين عن الضغوط المعيشية، والتضخم، والغلاء. وأشاروا إلى أن التضييق على القنوات الإعلامية التقليدية جعل من منصات التواصل الاجتماعي المتنفس الوحيد المتبقي للمواطنين للتعبير عن مخاوفهم وقلقهم الاقتصادي.
ورفض نشطاء وصف نقاشات المواطنين بـ "قلة المعرفة والإلمام"؛ واعتبروا أن الدولة هي التي تحجب البيانات الدقيقة وتتخذ قرارات مصيرية (مثل طرح أدوات دين جديدة أو صكوك الضرائب) دون نقاش مجتمعي حقيقي، ثم تطالب الشعب "بتحمل التبعات" دون فهم.
كما وجه السيسي في خطابه انتقادات إلى الإعلام المعارض في الخارج، قائلاً إن من يتناول الشأن المصري في الإعلام المناوئ غير صادقين. ويستهدف من ذلك التشكيك في نزاهة وموضوعية التقارير والبرامج التي تبثها القنوات أو الحسابات الرقمية المحسوبة على المعارضة، بوصفها طروحات "غير صادقة" ومجردة من النوايا الإصلاحية، وتتحرك بدافع الهدم وليس النقد الفني.
التمهيد لإجراءات اقتصادية و"تحمل التبعات"
واجه السيسي في خطابه، المواطنين بمصارحة واضحة حول ضرورة الاستعداد لتحمل تبعات ومسؤوليات الإصلاح والتغيير الهيكلي للعبور بالاقتصاد، وهو ما يوحي باتخاذ إجراءات جديدة قد تكون لها تداعياتها على الشريحة العظمى من المصريين.
وأثار ذلك موجة مخاوف عبر منصات التواصل الاجتماعي، المخاوف من موجات غلاء جديدة، حيث سادت حالة من القلق بين المغردين والمواطنين من أن تكون عبارة "الاستعداد لتحمل التبعات" تمهيداً لقرارات اقتصادية صعبة قادمة، مثل زيادة جديدة في أسعار الوقود، الخدمات، أو تقليص الدعم.
في حين رأى المحللون الاقتصاديون أن خطاب السيسي يؤكد التزام الدولة الصارم بمسار الاتفاقات الدولية وحتمية المضي في سداد الالتزامات الخارجية الضخمة المتوقعة خلال العامين القادمين، حيث يسعى لتهيئة المجتمع لأي ضغوط تضخمية قد تنتج عن معالجة فجوات التمويل أو اللجوء لأدوات مالية جديدة (مثل صكوك الضرائب التي أثيرت مؤخرًا كحل جذري لتوفير السيولة).
واعتبر الخبراء أن العبارات الصريحة مثل "ضرورة استعداد الشعب لتحمل تبعات الإصلاح" تعني أن الحكومة ماضية في خطط لرفع الدعم وإعادة الهيكلة الهيكلية دون تراجع، بالتزامن مع الضغوط المالية والتزامات المديونية الخارجية.
وانتقد قطاع من المعلقين تكرار إسناد الأزمات الحالية المتمثلة في التضخم والديون إلى فترات زمنية سابقة، مطالبين بتركيز السياسات الحالية على حلول إنتاجية عاجلة تخفف من حدة التضخم وضعف القوة الشرائية للطبقة العاملة والمتوسطة.

