لفهم طبيعة مصر في عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، يرى بالبانوز فيريراس باريس أن النظر إلى أطراف القاهرة قد يكون كافيًا، حيث شُيد في العاصمة الإدارية الجديدة مجمع عسكري ضخم يُعرف باسم «الأوكتاجون». صُمم المجمع ليكون المقر الجديد للقيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة والقيادة العامة، واستمد اسمه من المباني الثمانية ذات الشكل المثمن التي تشكل قلبه. لكن حجم المجمع ووظائفه يرويان قصة تتجاوز بكثير نطاق الدفاع الوطني.
وفي مقاله الذي نشره موقع ليدرز رادار «رادار القادة»، يستعرض الكاتب اتساع نطاق نفوذ القوات المسلحة المصرية داخل الاقتصاد ومؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن المجمع يضم منشآت مرتبطة بالأمن والاتصالات والبنية التحتية، فيما تقدمه الحكومة المصرية باعتباره مركزًا يمكن من خلاله تنسيق الخدمات الوطنية الأساسية. وبذلك، لا يمثل «الأوكتاجون» مجرد نظير مصري لمبنى البنتاجون الأميركي، بل يعكس أيضًا تنامي نفوذ القوات المسلحة.
من الجنرال إلى الرئيس.. كيف ترسخ نفوذ الجيش في مصر؟
بينما ارتفعت جدران «الأوكتاجون» في الصحراء، وسّعت القوات المسلحة حضورها إلى ما يتجاوز الثكنات. فلا تقتصر مهام الجيش المصري اليوم على حماية الحدود والتعامل مع الأسلحة، بل يشيد الطرق ويدير الأراضي وينتج الأسمنت والأغذية ويسيطر على شركات ويدير مشروعات للبنية التحتية. وامتد نفوذ الجيش بذلك إلى الاقتصاد والسياسة وجزء كبير من جهاز الدولة.
وحظي الجيش دائمًا بمكانة مميزة في الحياة السياسية المصرية، لكن الحدود الفاصلة بين القوات المسلحة والدولة ازدادت ضبابية خلال حكم السيسي. وللوصول إلى جذور هذا الوضع، يعود الكاتب أكثر من سبعة عقود إلى الوراء.
لم يبدأ الحضور السياسي البارز للجيش مع السيسي. فمنذ ثورة الضباط الأحرار عام 1952، التي أنهت الملكية، حكم مصر على مدى عقود رؤساء ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، هم جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك.
وجاء التحول الكبير عام 2011، عندما استقال مبارك بعد نحو 30 عامًا في السلطة وسط احتجاجات الربيع العربي. وأوصلت الانتخابات محمد مرسي إلى الرئاسة بوصفه أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا.
لكن حكم مرسي لم يستمر سوى عام تقريبًا. وبعد أشهر، انقلب عليه الجيش في يوليو 2013، وكان وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي على رأس المؤسسة العسكرية. وأعلن السيسي عزل مرسي وتعليق العمل بالدستور، قبل أن يدعي الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2014.
ومنذ ذلك الحين، رسخ السيسي نظامًا تحتل فيه القوات المسلحة موقعًا محوريًا. وعززت التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019 الدور المؤسسي للجيش، وأسندت إليه مهمة حماية الدستور والديمقراطية. لكن نفوذ المؤسسة العسكرية خلال سنوات حكم السيسي لم يقتصر على السياسة، بل امتد كذلك إلى مختلف قطاعات الاقتصاد المصري.
جيش يمارس الأعمال.. من المعكرونة إلى الأسمنت
لا تقتصر أنشطة القوات المسلحة المصرية على شراء الدبابات وتصنيع الأسلحة وحماية الحدود، بل تنتج أيضًا المعكرونة والحليب والبيض والمياه المعبأة. كما تصنع الأسمنت والحديد، وتوزع الوقود، وتشيد الطرق، وتشارك في مشروعات تتراوح بين الزراعة والضيافة. وأصبح الجيش المصري بذلك أحد اللاعبين الرئيسيين في الاقتصاد.
ويتمحور جزء كبير من هذه الشبكة حول جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي أنشئ عام 1979 للمساهمة في تحقيق اكتفاء القوات المسلحة ذاتيًا.
وأنتج الجهاز سلعًا للاستخدام العسكري، ثم طرح الفوائض في السوق المدنية. ومع مرور السنوات، تحولت هذه البنية إلى تكتل اقتصادي ضخم.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى امتلاك الجهاز نحو 62 شركة، فيما لا يمثل الجهاز سوى جزء من منظومة أوسع، إذ يقدر الصندوق وجود نحو 80 شركة مملوكة للجيش وتتبع جهات عسكرية مختلفة.
وتقدم صناعة المعكرونة أحد أكثر الأمثلة إثارة على هذا التحول. فقد بدأ الجيش المصري إنتاج المكرونة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يجمع مصانعه لاحقًا تحت شركة واحدة. وتبرز علامة «الملكة» للمعكرونة مثالًا على مدى اتساع المشروعات التجارية للجيش، بعيدًا عن الأنشطة التقليدية للقوات المسلحة.
ولا يتوقف الحضور العسكري في الاقتصاد عند هذه المنتجات. ففي ديسمبر 2025، نشر موقع «يورو نيوز» تقريرًا بعنوان «معكرونة الجيش»، عرض خلاله سائقًا يجوب القاهرة ويشير إلى شركات ومحطات وقود وحتى الأسمنت المستخدم في الطرق، مرددًا التفسير نفسه في كل مرة: «هذا من الجيش».
منافس اقتصادي.. لكنه أيضًا جزء من الدولة
لا تكمن المشكلة في المنتجات التي يبيعها الجيش فحسب، بل أيضًا في الظروف التي يعمل في ظلها. إذ تنافس شركاته مؤسسات القطاع الخاص، بينما تتمتع بمزايا يصعب على الشركات الأخرى مجاراتها، مثل الإعفاءات الضريبية، والحصول على الأراضي بشروط تفضيلية، والمزايا الإدارية والتنظيمية، والاستفادة من العمالة منخفضة التكلفة. ويضاف إلى ذلك غياب الشفافية بشأن أوضاعها المالية. ويمكن لهذه الفوارق أن تضر بالمنافسة وتحد من جاذبية الاستثمار الخاص.
ولا يمكن بالتالي قياس القوة الاقتصادية للقوات المسلحة بمجرد إحصاء عدد زجاجات المياه أو أطنان الأسمنت التي تبيعها. وتكمن أهميتها أيضًا في أن الجيش ليس شركة عادية، بل جزء من الدولة نفسها التي تضع القواعد التي تتنافس الشركات في إطارها.
ولا تنتهي هذه المكانة المميزة عند حدود الاقتصاد. فقد عززت القوات المسلحة خلال سنوات حكم السيسي نفوذها في الحياة المدنية، بالتزامن مع تقليص النظام مساحة المعارضة والاحتجاج. وتشير منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى استمرار السلطات في ملاحقة المنتقدين السلميين والصحفيين وأعضاء المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان.
ويظهر أحد أوضح الأمثلة على حجم النفوذ العسكري في منظومة المحاكم. ففي عام 2024، وسّع تشريع جديد صلاحيات القوات المسلحة للتدخل في مجالات كانت تقليديًا من اختصاص السلطات المدنية. وأصبح بإمكان الجيش التعاون مع الشرطة في حماية البنية التحتية الاستراتيجية، مثل محطات الكهرباء والطرق والسكك الحديدية، مع تمتعه خلال هذه العمليات بصلاحيات توقيف وتفتيش مماثلة لتلك التي تتمتع بها الشرطة.
ولا تعمل القوة الاقتصادية والسياسية في عزلة عن بعضها. ففي الوقت الذي تحتل فيه المؤسسة العسكرية موقعًا مميزًا في المجالين، تؤدي الأجهزة الأمنية دورًا محوريًا في السيطرة على المعارضة والمجتمع المدني.
ما وراء جدران «الأوكتاجون»
عند النظر إلى «الأوكتاجون» من هذه الزاوية، يكتسب المجمع معنى مختلفًا. فهو ليس مجرد مقر تتولى منه القيادة العليا إدارة القوات المسلحة، بل تجسد جدرانه مدى امتداد القوة العسكرية إلى ما هو أبعد من الثكنات.
ويختزل القول إن الجيش يسيطر على كل شيء في مصر واقعًا أكثر تعقيدًا؛ فلا تزال الشركات الخاصة والمؤسسات المدنية قائمة، لكنها تعمل جميعًا داخل منظومة تحتل فيها القوات المسلحة موقعًا يصعب مقارنته بموقع أي مؤسسة أخرى.
وربما لهذا السبب، يرى الكاتب أن «الأوكتاجون» يمثل مصر في عهد السيسي بصورة لافتة. فقد يثير حجمه الإعجاب، لكن دلالته الحقيقية لا تكمن في أضلاعه الثمانية أو أبعاده الهائلة، وإنما في الطريقة التي تجسد بها هندسته المعمارية حجم القوة العسكرية المصرية وامتدادها داخل الدولة والاقتصاد.
https://leadersradar.com/en/the-octagon-economy--the-business-army-of-Egypt/

