مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
المثل العربي الشهير يقول: "تمخض الجبل فولد فأرًا"، وهو مثل يُضرب للقائد أو الزعيم الذي ينتظر منه الرأي العام قرارات حاسمة وبالغة الأهمية، أو الإقدام على عمل ضخم عظيم التأثير، فيكون القرار أو العمل هزيلًا ومخيبًا للآمال، والنتيجة ضعيفة، والأثر قد يكون محدودًا. وهذا المثل ينطبق إلى حد ما على حزمة العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة التي فرضها دونالد ترامب على إيران.
قبيل إعلان العقوبات، ملأ ترامب وإدارته الدنيا صراخًا وتهديدًا ووعيدًا بأن إيران على موعد مع حرب اقتصادية شرسة لم يسبق لها مثيل، وعقوبات قاسية على داعميها وشركائها التجاريين، وأن واشنطن تستعد لشن "أكبر هجوم مالي" على إيران، وفرض أقسى العقوبات وقطع كل شريان اقتصادي للنظام الإيراني، وأعلن ترامب مرات قرب إطلاق "أشد عملية اقتصادية ساحقة تفرض على أي دولة"، والتهديد بفرض عقوبات مالية قاسية على أي دولة أو جهة تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات الأميركية، كذلك توعد وزير خزانته سكوت بيسنت إيران بأكبر حملة عزل اقتصادي في التاريخ، وأضخم هجوم مالي حُشد ضد خصم للولايات المتحدة، والهدف قطع شريان الحياة الاقتصادي عن إيران.
لكن ما صدر عن وزارة الخزانة كان مخيبًا لآمال حكومات ومؤسسات دولية توقعت عقوبات أشد، وحتى أسواق المال والمستثمرين تجاهلت معظمها عقوبات ترامب، بعد أن جاءت حزمة العقوبات الجديدة على إيران أقل تشددًا مما كانت تتوقعه. فقد فرضت عقوبات جديدة على 60 فردًا وكيانًا وسفينة، وتوسيع صلاحيات الوزارة لاستهداف العاملين في 5 قطاعات إيرانية، هي الطيران والأصول الرقمية والذهب والشحن والتكنولوجيا.
بل إن العقوبات الأميركية الجديدة لا ترقى إلى تلك العقوبات التاريخية التي تعرضت لها إيران على مدى نصف قرن ونجحت في الالتفاف عليها، حيث جُمِّدَت أموالها في الخارج، التي تتجاوز 100 مليار دولار، وفُرض حصار اقتصادي قاسٍ. وهي تتضاءل كثيرًا أمام العقوبات القاسية التي فرضها الغرب في عام 2022 بحق روسيا، عقابًا لها على غزو أوكرانيا، والتي وصلت إلى حد تجميد أصول البنك المركزي الروسي ومنعه من الوصول إلى نحو 400 مليار من احتياطي النقد الروسي المودع في الخارج، ومصادرة جزء من هذا الاحتياطي لمصلحة أوكرانيا، وفرض عقوبات قاسية بحق قطاع الطاقة الروسي، وحظر استيراد أوروبا النفط والغاز الروسي، كذلك فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكبر حزمة عقوبات استهدفت شرايين اقتصاد الحرب الروسي بهدف زيادة الضغط على موسكو وتجفيف المصادر المالية والإيرادات الدولارية التي توجه لتمويل الحرب على أوكرانيا.
ووصل الأمر بالغرب إلى سحب الاستثمارات والشركات العالمية من روسيا، واستبعاد كبريات البنوك الروسية من نظام سويفت (SWIFT) المالي العالمي، وحظر تصدير التقنيات الحساسة وأشباه الموصلات ومعدات الطيران إلى روسيا، وحظر أسطول الظل الروسي الذي تستخدمه موسكو في تهريب النفط والتحايل على قيود تصديره، وحظر استيراد الفحم والنفط الخام المنقول بحرًا من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي، وفرض سقف لأسعار الخام الروسي، وفرض قيود قاسية بحق القطاع المصرفي وشبكات العملات المشفرة والتحويلات البنكية الروسية. ولا تزال واشنطن وبروكسل تعملان على تجفيف الموارد التي تعتمد عليها روسيا في تجهيز العتاد العسكري، والضغط على مصادر الدخل الروسية، خصوصًا من صادرات الطاقة والسلاح والأغذية.
وقبل أيام فرض مشروع قانون أميركي أقره مجلس الشيوخ رسومًا جمركية تصل إلى 500% على الواردات الروسية، بما فيها النفط والغاز، إضافة إلى رسوم 100% على أكبر 5 مستوردين للطاقة الروسية، ومن بينهم الصين والهند.
يبالغ ترامب عندما يحاول خداع العالم بعقوباته والزعم بنجاحه في تدمير اقتصاد إيران إلى درجة لم يسبق لها مثيل، أو أن الولايات المتحدة دخلت المرحلة النهائية من المواجهة مع إيران، كما بالغ الغرب من قبل حينما روّج لقرب انهيار الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات القاسية المفروضة على موسكو. فقد تعاملت روسيا مع تلك العقوبات ولم تشهد أي انهيارات في أنشطتها المختلفة، ولا تزال لديها السيولة النقدية التي تموّل من خلالها حربها على أوكرانيا. كذلك لدى إيران القدرة على التعامل مع عقوبات ترامب، خصوصًا أن دولًا كبرى رفضت الخضوع لتلك العقوبات، ومنها الصين التي تستورد 85% من النفط الإيراني.

