أعلنت القوات المسلحة التابعة لجماعة أنصار الله الحوثية تنفيذ ثلاث عمليات ضد أهداف سعودية، بينها ناقلة النفط «أمزان» شمالي البحر الأحمر قبالة ينبع، فيما أكدت شركة «البحري» السعودية تعرض سفينتها لحادث بحري مع سلامة الطاقم، دون إقرار بحجم الأضرار التي أعلنتها الجماعة.
وتعيد الواقعة المدنيين اليمنيين إلى قلب صراع تتسع دوائره فوق أرضهم وبحارهم؛ إذ تتحول الموانئ والطرق وموارد الطاقة إلى أوراق ضغط عسكرية، بينما يدفع السكان كلفة تعطّل التجارة وارتفاع المخاطر واستمرار غياب تسوية تنهي الحرب.
ناقلة «أمزان» بين روايتين
قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الجماعة استهدفت ناقلة النفط السعودية «أمزان» بصاروخ باليستي، وادعى إصابتها مباشرة شمالي البحر الأحمر قبالة سواحل مدينة ينبع.
وأضاف البيان أن الضربة تسببت في اندلاع حريق على متن الناقلة، وأن سفنًا أخرى ابتعدت عن محيطها، في تصوير لعملية أرادت الجماعة تقديمها باعتبارها اختراقًا مباشرًا للحماية البحرية السعودية.
لكن شركة «البحري» السعودية، مالكة السفينة، أقرت بوقوع حادث بحري يخص الناقلة، وأعلنت أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم تسجل إصابات، من دون تقديم تفاصيل علنية عن سبب الحادث أو مدى الضرر.
كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتلقيها بلاغًا عن إصابة ناقلة بمقذوف مجهول على مسافة 63 ميلًا بحريًا غرب ينبع، مؤكدة سلامة الطاقم وعدم الإبلاغ عن تأثير بيئي.
ويعني ذلك أن أصل واقعة الاستهداف البحري وجد ما يسنده من مصادر ملاحية وتجارية، لكن رواية الحريق والإصابة «المباشرة والدقيقة» لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة تتجاوز البيان العسكري.
ويقع الاستهداف قرب ينبع، أحد أهم منافذ تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر، ما يضفي على العملية حساسية اقتصادية تتجاوز الخسائر الميدانية المباشرة، خصوصًا مع اضطراب مسارات الطاقة الإقليمية.
ويرى الباحث الأمني مايكل نايتس، في دراساته عن عمليات الحوثيين البحرية، أن الجماعة طورت قدرتها على استخدام المسيّرات والصواريخ الباليستية والمجنحة لفرض تهديد مستمر على الملاحة، حتى مع محدودية قدرتها على التحكم في نتائج كل ضربة.
وتكشف الحادثة أن تأمين السفن لا يقتصر على اعتراض المقذوفات؛ فالغموض الذي يحيط بحالة السفينة ونوعية الأضرار يخلق بحد ذاته أثرًا اقتصاديًا عبر رفع كلفة التأمين ودفع السفن إلى تغيير مساراتها.
ادعاءات برية بلا تحقق
في العملية الثانية، قالت الجماعة إنها استهدفت تحشيدات سعودية في منطقتي العبر والوديعة، مستخدمة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ضد رتل عسكري محمل بالعتاد.
وادعى البيان إحراق وتدمير أكثر من عشر شاحنات أسلحة قادمة من الأراضي السعودية، إلا أنه لم ينشر صورًا أو تسجيلات موثقة تحدد المكان والزمان أو تسمح بفحص مستقل لحجم الخسائر.
كما أعلن الحوثيون تنفيذ عملية ثالثة ضد تحشيدات سعودية في منطقة الكنايس، وقالوا إنها أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص، بينهم قادة وضباط، وإحراق مخازن أسلحة.
لكن عدم صدور تأكيد سعودي مستقل، وغياب بيانات من جهات محايدة أو صور أقمار صناعية منشورة، يجعلان أرقام القتلى والخسائر المعلنة جزءًا من رواية طرف في الحرب لا حقيقة نهائية مكتملة.
وتُستخدم البيانات العسكرية عادةً لتأكيد الردع ورفع المعنويات وإرباك الخصم، ولذلك لا يصح التعامل مع كل رقم معلَن باعتباره نتيجة ثابتة قبل مراجعته عبر مصادر ميدانية مستقلة.
ويحذر الباحث اليمني فَراء المسلمِي، في كتاباته عن الحرب اليمنية وتدخلات القوى الإقليمية، من اختزال النزاع في لغة المحاور العسكرية، لأن ذلك يخفي واقع الانقسام الداخلي وانهيار مؤسسات الدولة وتآكل حياة المواطنين.
وتكشف مزاعم استهداف العبر والوديعة تحديدًا عن احتمال اتساع مسرح الاشتباك إلى المناطق الحدودية، بما يحمله ذلك من مخاطر على حركة المدنيين والنازحين والتجارة البرية بين اليمن والسعودية.
كما أن توظيف القوافل والمخازن والحدود في التصعيد يضع المناطق الطرفية أمام خطر دائم، حيث يصعب على الأهالي التمييز بين النشاط العسكري وحركة الإمداد المدني في بيئة تفتقر إلى الحماية والشفافية.
حصار متبادل يدفع ثمنه المدنيون
ربط الحوثيون عملياتهم بما أسموه «حظر الملاحة البحرية على السعودية» وبـ«معادلة الحصار بالحصار»، في إشارة إلى القيود المفروضة على موانئ ومطارات ومناطق خاضعة لسيطرتهم.
غير أن نقل منطق الحصار إلى البحر لا يضمن أن يدفع الثمن صانع القرار وحده؛ فالنتائج تطال البحارة والعمال والمستهلكين وسلاسل الغذاء والدواء في دول المنطقة، ومن بينها اليمن.
وتعرضت الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لاضطرابات متكررة منذ أواخر 2023، ما دفع شركات شحن إلى تغيير طرقها ورفع كلفة الرحلات، وهي فاتورة تُترجم في النهاية إلى أسعار أعلى وتأخيرات أطول.
وترى الباحثة أبريل لونغلي ألي، المتخصصة في شؤون اليمن، أن هشاشة الدولة وتعدد القوى المسلحة جعلا اليمن ساحة مفتوحة لصراعات أوسع، بينما تبقى الأولوية الغائبة هي بناء تسوية تحمي المجتمع من استدامة الحرب.
ولا يكفي أن تتبادل الأطراف تهديدات «التصعيد الشامل» بينما يبقى اليمنيون بلا ضمانات حقيقية لوصول الوقود والغذاء والرواتب والخدمات، وبلا مسار واضح للمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.
كما أن تكرار استهداف منشآت الطاقة والسفن التجارية ينذر بتوسيع دائرة الخطر البيئي؛ فأي تسرب نفطي أو حريق كبير في البحر الأحمر سيترك أثرًا يتجاوز حدود الخصوم العسكريين إلى الثروة السمكية والسواحل.
وتحتاج البيانات الصادرة عن جميع الأطراف إلى فصل واضح بين ما هو ادعاء عسكري وما ثبت بالصور والتحقيقات المستقلة، لأن التضخيم الإعلامي لا يقل خطورة عن الصاروخ حين يحجب الحقائق عن الناس.
وفي ظل غياب تعليق سعودي تفصيلي على المزاعم البرية، يبقى الثابت أن ناقلة تعرضت لحادث قبالة ينبع، أما بقية الخسائر والأرقام التي أعلنها الحوثيون فتظل غير قابلة للتحقق المستقل حتى الآن.
وتؤكد الوقائع أن استمرار الردع المتبادل بلا قناة سياسية فعالة سيحوّل البحر والحدود إلى جبهات مفتوحة، ويمنح الأطراف المسلحة مساحة أكبر للتهديد، فيما يظل المدني اليمني أول من يخسر وآخر من يُسمع صوته.

