يؤكد القرآن الكريم أنه كتاب هداية شامل أنزله الله تعالى لإخراج البشر من ظلمات الجهل والضلال والهوى إلى نور الإيمان والعدل والاستقامة، ليكون منهجًا ينظم علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه.
ولا تقف هداية القرآن عند الوعظ المجرد، بل تمتد إلى بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، عبر تشريع رباني يحقق العدل ويحفظ الحقوق ويهدي إلى الطريق الأقوى والأصلح في مختلف شؤون الحياة.
من الظلمات إلى نور الهداية
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257].
وتبرز الآية أن ولاية الله للمؤمنين ليست وصفًا نظريًا، بل هداية عملية تنقلهم من الحيرة إلى اليقين، ومن الظلم إلى العدل، بينما يقود الطاغوت الإنسان إلى مسارات الفساد والضياع.
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1].
فالقرآن رسالة لإخراج الناس من تعدد الظلمات إلى نور واحد، هو صراط الله العزيز الحميد، ولذلك كان التمسك به أساسًا لإصلاح الفرد والأمة.
وقد شهد التاريخ أن العرب حين استجابوا لهدي القرآن انتقلوا من التناحر والجاهلية إلى أمة حملت العلم والعدل ورسالة التوحيد إلى العالم، فكان القرآن مصدرًا للتحرر من التبعية والذل والانقسام.
القرآن يهدي للتي هي أقوم
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].
وتقرر الآية أن هداية القرآن هي الأقوَم في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، لأنها صادرة عن الله العليم بأحوال خلقه ومصالحهم، لا عن بشر يخطئون ويصيبون.
وتتجلى هذه الهداية في تشريع يصون المال والعرض والنفس والأسرة، ويقيم العلاقات الاجتماعية على الرحمة والعدل والمسؤولية، فلا يختزل الدين في الشعائر، ولا يفصل الإيمان عن السلوك اليومي.
ومن هنا، فإن زعم الاستغناء عن هدي القرآن يضع الإنسان أمام تشريعات بشرية محدودة تتبدل بتبدل المصالح والضغوط، بينما يبقى الوحي ميزانًا ثابتًا للحق والعدل.
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
فالآية تستنكر الإعراض عن حكم الله واللجوء إلى الأهواء والظنون، وتؤكد أن اليقين بعدل الله وحكمته يقتضي تقديم شرعه على كل تصور بشري يناقضه.
كمال الدين يقتضي التمسك
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3].
وتعلن هذه الآية كمال الدين وتمام النعمة، بما يعني أن المسلم لا يحتاج إلى منهج بديل عن الوحي في أصول هدايته وقيمه وضوابط حياته.
فالإسلام دين شامل، والقرآن مصدره الأول، ومن واجب المسلم أن يقرأه بتدبر، ويحول آياته إلى أخلاق وعمل وعدل ورحمة، لا أن يبقيه حاضرًا في التلاوة وغائبًا عن الواقع.
ويزداد معنى الخشوع أمام عظمة هذا الكتاب حين يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقرآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].
فالقرآن ليس نصًا للتبرك العابر، بل نداء للتفكر والتدبر والعمل؛ ومن تمسك به بصدق، استضاء قلبه، واستقام سلوكه، ووجد في هدايته طريقًا ثابتًا إلى صلاح الدنيا والآخرة.
.....................................
المراجع:
- الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 1431هـ - 2010م.
- تفسير ابن كثير
- إعجاز القران الكريم، د. محمد صادق درويش، دراسة موضوعية، تحقيق: نور الدين عتر، دار الاصلاح للطباعة، ط1، 2009م.

