كشفت وزارة الصناعة عن وجود نحو 12000 مصنع متعثر أو متوقف كليًا وجزئيًا وتحت الإنشاء في مختلف المحافظات المصرية، وسط استمرار أزمة المصانع المغلقة والمتعثرة التي تهدد فرص العمل والإنتاج، وتطرح تساؤلات حول نتائج خطط الحكومة لدعم القطاع الصناعي.

 

وتأتي هذه الأرقام لتكشف فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي حول تحقيق نهضة صناعية وتعزيز الاقتصاد، وبين واقع آلاف المصانع التي توقفت أو عجزت عن استكمال أعمالها، بينما يتحمل العمال وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة تبعات التعثر المستمر.

 

وبحسب بيانات وزارة الصناعة، يصل عدد المصانع المغلقة أو القائمة دون تشغيل إلى نحو 5800 مصنع، بينما يبلغ عدد المصانع المتعثرة خلال مراحل البناء نحو 5500 مصنع، بما يعكس حجم التعثر داخل أحد أهم القطاعات المنتجة.

 

كما أن وجود هذا العدد الكبير من المصانع المتوقفة يثير تساؤلات حول فاعلية السياسات الحكومية التي أعلنت مرارًا عن استهداف زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بينما ما زالت طاقات صناعية كبيرة خارج الخدمة.

 

لزيادة الجدل حول الملف، جاء قرار إنشاء صندوق حكومي لإعادة هيكلة وتمويل المصانع المتعثرة وسط مخاوف من أن يتحول الحل إلى توسع جديد في ملكية الدولة بدلًا من معالجة أسباب الأزمة الحقيقية.

 

لذلك طالب النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، الحكومة بالكشف عن تفاصيل الصندوق الجديد، ومعايير اختيار المصانع المستفيدة، وحجم الأموال العامة التي ستوجه إليه، ومدى توافقه مع توجهات تقليل تدخل الدولة الاقتصادية.

 

ومن ثم يبرز السؤال الأكبر حول أسباب وصول آلاف المصانع إلى مرحلة التعثر، خاصة مع تأكيدات حكومية متكررة بأن الصناعة تمثل محورًا رئيسيًا في خطط التنمية، وأن الدولة تعمل على توفير بيئة جاذبة للاستثمار والإنتاج.

 

غير أن الواقع يشير إلى استمرار أزمات التمويل والإدارة والطاقة والتراخيص التي تواجه عددًا من المصانع، وهو ما يجعل الحديث عن الإنجازات الاقتصادية محل انتقادات من قطاعات صناعية ترى أن المشكلات الأساسية لم تعالج.

 

كما يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد أن إنقاذ المصانع المتعثرة يحتاج إلى معالجة أسباب التعثر وليس الاكتفاء بضخ أموال جديدة، مؤكدًا أن الإدارة الجيدة والتمويل المناسب ودراسة السوق عوامل أساسية لاستعادة الإنتاج.

 

عجز التمويل يهدد المصانع

 

وبالتالي فإن أزمة المصانع المتعثرة لا ترتبط فقط بنقص السيولة، بل تمتد إلى ضعف التخطيط الصناعي وارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة المنافسة، وهي عوامل دفعت منشآت عديدة إلى التوقف رغم امتلاكها أصولًا إنتاجية.

 

علاوة على ذلك، فإن غياب بيانات تفصيلية معلنة حول طبيعة المصانع المتعثرة وقطاعاتها وحجم مديونياتها يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طريقة إدارة الملف، ومدى وجود رؤية واضحة لإنقاذ المصانع القابلة للعودة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة يجب أن تعتمد على دراسات جدوى حقيقية، وليس مجرد تدخلات مالية قد تؤدي إلى استمرار نزيف الموارد دون تحقيق عائد اقتصادي.

 

وبناءً على ذلك فإن نجاح أي خطة لإنقاذ المصانع يتطلب تحديد المنشآت القادرة على العودة للإنتاج، واستبعاد الحالات التي فقدت مقومات الاستمرار، حتى لا تتحول أموال الدعم إلى أعباء إضافية على الموازنة العامة.

 

كما أن تأسيس صندوق حكومي للاستثمار في الشركات المتعثرة أثار مخاوف بشأن طبيعة دوره، خاصة إذا امتلك حصصًا في شركات خاصة تعمل داخل قطاعات تنافسية كان يفترض أن يترك فيها المجال للقطاع الخاص.

 

دور الدولة تحت المجهر

 

لذلك يرى مراقبون أن الأزمة لا تكمن فقط في وجود المصانع المتعثرة، وإنما في طريقة تعامل الحكومة معها، وما إذا كان التدخل سيكون مؤقتًا لإعادة الهيكلة أم سيؤدي إلى توسع طويل الأمد في ملكية الدولة.

 

ومن ثم طالب محمد فؤاد بتوضيح الأساس القانوني والاقتصادي لإنشاء الصندوق، والكشف عن حجم رأس ماله ومصادر تمويله، والدراسات التي قارنت بين التدخل الحكومي والبدائل الأخرى مثل الشراكات والاستثمارات الخاصة.

 

غير أن غياب هذه الإجابات يزيد المخاوف من تكرار تجارب سابقة دخلت فيها جهات حكومية في إدارة أنشطة اقتصادية دون معالجة جذور المشكلات، وهو ما قد يحمّل المال العام أعباء جديدة.

 

كما يؤكد الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الدولة تحتاج إلى وضع أولويات واضحة لدعم الصناعة، مشيرًا إلى أن توفير بيئة مناسبة للمستثمرين قد يكون أكثر تأثيرًا من زيادة ملكية الحكومة للمشروعات.

 

علاوة على ذلك، فإن استمرار تعثر آلاف المصانع يعني استمرار خسارة فرص عمل وإنتاج محلي كان يمكن أن يساهم في زيادة الصادرات وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.

 

فجوة بين الوعود والواقع

 

وبالتالي تكشف أرقام المصانع المتعثرة عن فجوة بين التصريحات الحكومية حول نمو الصناعة وبين معاناة آلاف المنشآت التي لم تجد طريقها إلى التشغيل، رغم مرور سنوات على إعلان برامج متعددة لدعم القطاع.

 

كما أن ملف المصانع المتوقفة يعكس أزمة أوسع تتعلق بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل الخطط المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها أصحاب الأعمال والعمال، بدلًا من الاكتفاء بالإعلانات الرسمية.

 

لذلك يبقى السؤال مطروحًا حول أسباب استمرار وجود 12000 مصنع خارج دائرة الإنتاج، وما إذا كانت الإجراءات الجديدة ستقدم حلًا حقيقيًا أم ستكون مجرد محاولة مؤقتة لمعالجة آثار أزمة ممتدة.

 

ومن ثم فإن إنقاذ الصناعة المصرية يتطلب شفافية كاملة حول أسباب التعثر، وآليات اختيار المصانع المستفيدة، وضمان عدم تحول الصندوق الجديد إلى عبء مالي جديد بدلًا من أن يكون أداة لإعادة الإنتاج.

 

ختامًا، فإن ملف المصانع المتعثرة يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على تحويل وعود دعم الاقتصاد إلى واقع، بعدما أصبحت آلاف المصانع المتوقفة شاهدًا على أزمة تحتاج إلى حلول جذرية تتجاوز البيانات والتصريحات.