اعتقلت قوات الأمن المصرية خلال أيام 3 من أقارب مصريين يقيمون خارج البلاد، في الإسكندرية والجيزة، بينهم شقيقتان وأخ، وانتهت الوقائع إلى إخفاء اثنتين وحبس الثالث احتياطيا، بحسب منظمات حقوقية تابعت الحالات.
ويكشف تتابع المداهمات أن دائرة الاستهداف لم تعد تقف عند أصحاب المواقف العلنية خارج مصر، بل امتدت إلى أسرهم داخل البلاد، في ممارسة تضرب الأمان العائلي وتحول البيوت والأمهات والأطفال إلى مساحة ضغط وانتقام.
قرابة تحت الاستهداف
وبحسب مركز الشهاب، اقتحمت قوة أمنية منزل عائلة منى الشاذلي في الإسكندرية يوم 16 أغسطس، واعتقلت شقيقتها إيمان، قبل أن تداهم الأسرة مجددا في 18 أغسطس وتقتاد شيماء، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى جهة مجهولة.
وفي وقت سابق، كان المركز قد وثق اقتحام منزل الأسرة في 19 مايو 2026، وقال إن الأبواب حطمت والشقق فتشت وتعرضت والدة منى، البالغة 65 عاما، لاعتداء جسدي تسبب في تدهور حالتها الصحية.
كما ربط المركز بين الاقتحامات وبين رسائل تهديد ومساومة قال إن منى تلقتها، وتضمنت مطالب بحذف مواد منشورة ووقف ظهورها الإعلامي والحقوقي، مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين ورفع القيود المفروضة عليهم.
وفوق ذلك، أشار المركز إلى محاولات اختراق استهدفت حسابات الناشطة وتطبيقات المراسلة بالتزامن مع الضغط على الأسرة، بما يرسم مسارا متوازيا يجمع بين المداهمة الميدانية والملاحقة الرقمية والضغط على أفراد لا يواجهون اتهامات معلنة.
وفي حالة عائلة عبد الهادي، قالت هيومن رايتس إيجيبت إن قوات الأمن الوطني داهمت منزل والدة عمرو عبد الهادي فجر 16 أغسطس، ثم اقتحمت منزل شقيقه أحمد واقتادته أمام زوجته وأطفاله إلى قسم إمبابة.
لاحقا، ظهر أحمد أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 6252 لسنة 2026، وواجه اتهاما بالانضمام إلى جماعة إرهابية، قبل صدور قرار بحبسه 15 يوما، وفق ما نقلته المنظمة الحقوقية.
وفي المقابل، تقول المنظمة إن أحمد لم يكن يمارس نشاطا عاما معارضا، بينما احتجزت والدته نحو 5 ساعات، وتلقت خلالها رسالة تطالبها بأن تطلب من ابنها عمرو تخفيف نشاطه، وهو ما يمنح الواقعة دلالة تتجاوز التحقيق الفردي.
ويرى الباحث الحقوقي عمرو مجدي، في توثيق سابق لهيومن رايتس ووتش، أن اعتقال أقارب منتقدين يكشف توجها لخنق الاعتراض السلمي وتصوير المنتقدين كتهديد، وهي قراءة تنطبق على نمط ربط القرابة بالملاحقة الأمنية.
الاحتجاز أداة ضغط
ومن ثم، لا تبدو الوقائع الثلاث منفصلة عن سجل أوسع وثقته منظمات دولية خلال سنوات، إذ سجلت هيومن رايتس ووتش مداهمات واعتقالات ومنع سفر بحق أقارب مصريين يقيم أصحاب صلة بهم خارج البلاد.
كذلك، وثقت المنظمة في تقرير سابق 28 حالة لصحفيين وناشطين وعاملين بالإعلام يقيمون خارج مصر، تعرض أقاربهم داخل البلاد للمضايقة أو التهديد أو العقاب خارج إطار القضاء بسبب نشاط ذويهم.
وعلى نحو مماثل، سجلت المنظمة اعتقال أو ملاحقة 20 قريبا مرتبطين بـ11 شخصا من المنتقدين بالخارج، بينهم أفراد اتهموا بالانضمام إلى جماعات إرهابية أو نشر أخبار كاذبة، رغم أن جوهر الاستهداف ارتبط بالصلة العائلية.
وبالتالي، فإن رسالة مطالبة والدة عمرو عبد الهادي بالتأثير على ابنها، إذا صحت كما نقلتها المنظمة، تقدم مؤشرا مباشرا على توظيف الاحتجاز العائلي كوسيلة ضغط، لا كإجراء مستقل تحكمه أدلة تخص المحتجز نفسه.
ومن زاوية أخرى، وصف جو ستورك، المسؤول السابق في هيومن رايتس ووتش، هذا النمط بأنه عقاب للأسر بسبب نشاط أقاربها بالخارج، وقال في توثيق سابق إن المداهمات والاعتقالات الشبيهة باحتجاز الرهائن يجب أن تتوقف.
علاوة على ذلك، أظهرت حالات سابقة أن رسائل مماثلة نقلت إلى عائلات ناشطين، حيث طلب أفراد أمن من أقارب غادة نجيب وهشام عبد الله إبلاغهما بالتوقف عن النشاط، بينما أكد أفراد الأسرة أن المحتجزين لا علاقة لهم به.
ولهذا، تكمن خطورة النمط في أنه يوسع دائرة الخوف من الشخص إلى محيطه الاجتماعي، ويجعل الأب أو الأم أو الشقيق عرضة للضغط بسبب رأي لم يعبّر عنه، فتتحول القرابة نفسها إلى مخاطرة أمنية.
وبعبارة أخرى، لا يقتصر الأثر على ثلاثة محتجزين، بل يمتد إلى مصريين في الخارج قد يراجعون أي ظهور أو نقد خشية الانتقام من أسرهم، وهو ما يخلق رقابة ذاتية قائمة على الخوف لا على القانون.
القانون لا يبرر القرابة
أما قانونيا، فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدقت عليه مصر عام 1982، يحظر الحرمان التعسفي من الحرية والتدخل التعسفي أو غير القانوني في الأسرة والمنزل، ويلزم السلطات بضمان الحماية القانونية لهذه الحقوق.
ومع ذلك، لا يرد تعبير العقاب الجماعي حرفيا في نص العهد، لكن احتجاز شخص بسبب قرابته، أو مداهمة منزله للضغط على طرف ثالث، يمكن أن يصطدم مباشرة بضمانات الحرية الشخصية وحرمة الأسرة والمنزل.
وبناء على ذلك، فإن أي اتهام جنائي لأحمد عبد الهادي يجب أن يقوم على أدلة تخصه شخصيا، لا على صلته بشقيقه، كما يجب تمكينه من الدفاع والتواصل القانوني ومراجعة ضرورة حبسه أمام جهة قضائية مستقلة.
وفي السياق نفسه، فإن استمرار إخفاء إيمان وشيماء، بحسب المنظمات، يثير أسئلة أشد خطورة بشأن مكان الاحتجاز وسلامتهما وإمكان التواصل مع محام، لأن الاحتجاز غير المعلن يحرم الأسرة من أبسط ضمانات المعرفة والمتابعة القانونية.
ومن جانبه، قال نيل هيكس، المسؤول الحقوقي في معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، في قضية مشابهة عام 2020، إن الانتقام من أقارب المدافعين يبدو موجها لعرقلة العدالة وإسكاتهم حتى عندما يكونون خارج مصر.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود أطفال داخل الأسر المتضررة يضاعف الكلفة الإنسانية، إذ تؤدي المداهمات الليلية واختفاء أحد الوالدين أو الأقارب إلى صدمات وخوف ممتد، بينما يفترض أن تحمي إجراءات إنفاذ القانون المدنيين لا أن تروعهم.
وعليه، طالب مركز الشهاب بالكشف الفوري عن مكان احتجاز شيماء وإيمان وإخلاء سبيلهما، ووقف استهداف الأقارب، وفتح تحقيق مستقل في اقتحامات منزل الأسرة والاعتداء على الأم وما رافق ذلك من تخريب ومصادرة.
وفي الاتجاه ذاته، طالبت هيومن رايتس إيجيبت بالإفراج عن المحتجزين بسبب صلاتهم العائلية أو آرائهم، ومحاسبة المتورطين في استخدام أفراد الأسر كوسيلة ضغط، وإنهاء الممارسات التي تنقل العقوبة من صاحب الموقف إلى أقاربه.
وأخيرا، تضع هذه الوقائع وزارة الداخلية والنيابة العامة أمام مسؤولية واضحة لتقديم رواية موثقة عن أسباب القبض وأماكن الاحتجاز والأدلة، لأن الصمت الرسمي يترك رواية الانتقام العائلي بلا رد ويعمق الشكوك بشأن غياب الضمانات.

