أعلنت شركة باركن الإماراتية في 19 أغسطس 2026 توقيع مذكرة تفاهم مع شركات مدن مصر لإدارة الأصول والمرافق ومواصلات مصر وريدكون العقارية لدراسة التعاون في إدارة المواقف والتنقل داخل مصر بعد أيام من اجتماع رسمي مع هيئة المجتمعات العمرانية لبحث تشغيل مواقف القاهرة الجديدة وإمكان التوسع لاحقا في مدن أخرى.

 

ويربط هذا التحرك بين شركة تملك حكومة دبي حصة حاكمة فيها وبين سوق مصري تدفعه الحكومة بصورة متزايدة نحو الشراكات الخاصة في إدارة الأصول والخدمات الحضرية بينما لم تعلن الجهات المصرية حتى الآن قيمة الاستثمارات المتوقعة أو مدة التشغيل أو نموذج تقاسم الإيرادات أو قواعد حماية بيانات المركبات ومستخدمي المواقف.

 

 

شاهين: النفوذ يتجاوز الاستثمار

 

وبداية يكشف مسار باركن أن الشركة لا تدخل مصر كمزود تقني محدود فقط إذ تبحث المذكرة التخطيط والتطوير وسياسات المواقف وإدارة الطلب والرقابة بالكاميرات والقراءة الآلية للوحات المركبات والتصاريح الرقمية ومنصات الإدارة وهي مجالات تمنح المشغل المحتمل قدرة واسعة على تشغيل الخدمة وجمع البيانات وإدارة التحصيل إذا تحولت الدراسات إلى تعاقدات نهائية.

 

وفي المقابل سبقت مذكرة 19 أغسطس خطوة رسمية في 11 أغسطس عندما اجتمع نائب وزيرة الإسكان للمجتمعات العمرانية وليد عباس مع ممثلي باركن ومدن مصر لبحث منظومة مواقف القاهرة الجديدة كنموذج أولي وشملت المناقشات حصر المواقف القائمة ومساحاتها وطاقتها الاستيعابية وآليات إدارتها وتشغيلها واستثمارها وإمكان تعميم النموذج على مدن جديدة أخرى.

 

ومن ثم لا تقف القضية عند موقف سيارات منفرد لأن الجهة الحكومية ناقشت منذ البداية نموذجا قابلا للتوسع داخل المدن التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية وهو ما يضع الحكومة أمام سؤال مباشر عن سبب إسناد دراسة قطاع يومي مرتبط بالشوارع والتحصيل والبيانات إلى شركة أجنبية قبل نشر كراسة شروط واضحة أو دراسة جدوى متاحة للرأي العام.

 

وإلى جانب ذلك تتمتع باركن بخبرة واسعة في دبي حيث أنشأتها حكومة الإمارة لتولي مهام المواقف العامة وتسمح تشريعاتها بإدارة المواقف العامة والخاصة وإصدار التصاريح وتحصيل الرسوم كما يحتفظ صندوق دبي للاستثمارات بحصة مسيطرة في الشركة بعد طرح جزء من أسهمها في سوق دبي المالي خلال مارس 2024.

 

وعلى المستوى السياسي سبق لأستاذ الاقتصاد مصطفى شاهين أن حذر في تصريحات منشورة عام 2022 من أن توسع حكومات خليجية في شراء حصص وأصول مصرية قد يمنحها تأثيرا على القرار الاقتصادي والسياسي ورغم أن مذكرة باركن لا تمثل بيعا لأصول حتى الآن فإن تحذيره يظل مرتبطا بمسألة حدود النفوذ الناتج عن إدارة مرافق عامة حساسة.

 

 

الولي: الإفصاح شرط للرقابة

 

وفي هذا السياق تزداد الأسئلة لأن البيانات المعلنة عن مذكرة باركن لم تتضمن حتى الآن قيمة مالية أو مدة تعاقد أو نسبة إيرادات أو تحديد الجهة التي ستملك قواعد البيانات أو آلية تسعير الانتظار أو حدود سلطة الشركة في الرقابة والتحصيل بينما تركز البيانات المنشورة على الكفاءة والتكنولوجيا والتوسع الإقليمي من دون تفاصيل تعاقدية قابلة للفحص.

 

وبحسب قانون تنظيم انتظار المركبات رقم 150 لسنة 2020 تخضع الشوارع الواقعة تحت ولاية المحافظات وأجهزة المدن لقواعد ترخيص وتنظيم محددة كما لا يجوز للشركات أو الأفراد أصحاب حق الاستغلال تحصيل مبالغ تتجاوز القيمة التي تحددها اللجنة المختصة وهو ما يجعل أي توسع تجاري في المواقف مرتبطا بقرارات عامة يجب أن تكون معلنة وقابلة للمراجعة.

 

وإزاء ذلك تصبح هوية الشركاء المصريين جزءا من الملف إذ تعمل مواصلات مصر بالفعل بموجب عقود مع وزارة الإسكان من خلال هيئة المجتمعات العمرانية ومع وزارة النقل من خلال جهاز تنظيم النقل البري ومع هيئة النقل بالقاهرة كما تقول الشركة إن استثماراتها مدعومة من مجموعة الإمارات الوطنية إلى جانب البنك الأهلي المصري.

 

ومن ناحية أخرى تسجل الشركة نفسها أن مجموعة الإمارات الوطنية رفعت في 2016 رأس المال للاستحواذ على 75% من شركة مصر باص قبل إعادة تقديمها باسم مواصلات مصر ثم دخل البنك الأهلي المصري في 2021 بزيادة رأسمالية كما أسست مواصلات مصر لاحقا شراكات مرتبطة بوزارة النقل لتقديم حلول نقل ذكي في العاصمة الإدارية.

 

كذلك سبق للخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن انتقد في تصريحات منشورة غياب البيانات التفصيلية حول الاستثمارات الإماراتية في مصر وربط صعوبة تقييمها بضعف الإفصاح الحكومي وتخدم ملاحظته هذا الملف مباشرة لأن الحكومة لم تنشر حتى الآن شروطا مالية أو تشغيلية توضح ما الذي ستقدمه باركن وما الذي ستحصل عليه مقابل إدارة محتملة للمواقف.

 

 

المرغني: الدولة تتراجع أمام الخاص

 

وفي امتداد هذا المسار لا تدخل باركن إلى سوق منفصلة عن النقل العام لأن شريكها مواصلات مصر شارك سابقا في مشروعات ومذكرات مرتبطة بوزارة النقل كما أسس مع شركة سوبر جيت كيانا لتقديم خدمات النقل الذكي وهو ما يضع المواقف والتنقل الجماعي والتحصيل الرقمي داخل شبكة واحدة تتقاطع فيها شركات خاصة مع جهات حكومية متعددة.

 

ومع اتساع هذه الشبكة يبرز سؤال تكلفة الخدمة على المواطن لأن تحويل المواقف إلى منظومات ذكية ومدفوعة قد يرفع كفاءة التشغيل لكنه ينقل أيضا خدمة يومية من إدارة محلية مباشرة إلى نموذج تجاري يعتمد على التحصيل والتصاريح والمراقبة ولذلك يصبح نشر قواعد التسعير ومصير الإيرادات والرقابة على المخالفات شرطا لمنع تحميل المستخدمين كلفة توسع لم يناقشوه.

 

وفي قراءة سابقة لواقع النقل بالقاهرة قال الباحث الاقتصادي إلهامي المرغني إن الدولة قلصت دورها في النقل العام وترك ذلك مساحة أوسع للقطاع الخاص لكي يملأ الفجوة كما طالب بعلاقة أكثر عدلا بين الخدمة والعامل والمستخدم وتكتسب ملاحظته أهمية جديدة مع انتقال الاستثمار الخاص من تشغيل الحافلات إلى إدارة المواقف والبيانات المرتبطة بالحركة اليومية.

 

وبموازاة ذلك يملك مشروع باركن بعدا يتعلق بالبيانات وليس التحصيل وحده لأن التقنيات التي تطرحها الشركة تشمل قراءة لوحات المركبات آليا والرقابة بالكاميرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتصاريح الرقمية ومنصات الإدارة وهي أدوات تستدعي من الحكومة إعلان قواعد التخزين والوصول والمشاركة والاحتفاظ بالبيانات قبل منح أي مشغل أجنبي دورا تنفيذيا واسع النطاق.

 

وأخيرا تكشف الوقائع المعلنة حتى الآن أن حكومة السيسي تفتح أمام شركة مرتبطة بحكومة دبي بابا جديدا داخل إدارة المواقف بالتوازي مع شراكات قائمة في النقل والإسكان من دون نشر الصورة المالية والتعاقدية كاملة ولذلك لا يحتاج الملف إلى دعاية عن المدن الذكية بقدر حاجته إلى الإفصاح عن العقود والعوائد والرسوم والبيانات وحدود السيطرة قبل توقيع أي اتفاق نهائي.