أثارت الصين مخاوف بشأن مستقبل المنافسة على طرق التجارة العالمية بعدما دفعت بسفينة حاويات إلى أوروبا عبر طريق القطب الشمالي، الذي يبلغ مساره نحو نصف طول طريق قناة السويس، ما أعاد الجدل حول قدرة القناة على الحفاظ على حصتها من حركة الشحن.

 

ويأتي التحرك الصيني بينما تعتمد مصر بقوة على إيرادات قناة السويس لتوفير العملة الأجنبية، في وقت دفعت فيه الاضطرابات الإقليمية شركات شحن إلى البحث عن بدائل، بما يكشف هشاشة التعويل على الموقع الجغرافي وحده دون تطوير تنافسي مستمر.

 

وفي المقابل، يرى خبراء أن الطريق القطبي لا يمثل حاليا بديلا كاملا للقناة، لأن تشغيله يرتبط بظروف مناخية قاسية وفترة إبحار محدودة، فضلا عن قيود تتعلق بأحجام السفن والحمولات وقدرة الموانئ على خدمة الخطوط المنتظمة.

 

ومن ناحية أخرى، يمنح المسار الشمالي الصين ميزة تقليص المسافة بين شرق آسيا وشمال أوروبا، وهي ميزة قد تصبح أكثر جاذبية إذا تحسنت ظروف الملاحة مستقبلا، أو ارتفعت كلفة التأمين والعبور عبر مناطق التوتر التقليدية.

 

كما أن التجربة الصينية تكتسب أهمية تتجاوز عدد الرحلات الحالية، لأنها تعكس توجها لدى القوى التجارية الكبرى لتنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على ممر واحد، بما يفرض على مصر قراءة التحول قبل أن يتحول إلى اتجاه دائم.

 

ورغم ذلك، لا تزال قناة السويس تمتلك أفضلية مرتبطة بقدرتها على استقبال سفن حاويات عملاقة والعمل طوال العام، بينما يبقى طريق القطب الشمالي محدودا بموسم قصير واحتياجات تشغيلية أكثر تعقيدا وكلفة في مناطق شديدة البرودة.

 

 

ممر موسمي محدود

 

ويقول أحمد الشامي، مستشار النقل وخبير اقتصاديات النقل البحري، إن المسار القطبي موسمي ويرتبط أساسا بالفترة الممتدة من يوليو إلى أكتوبر، مؤكدا أن حجم التجارة المارة عبره ما زال ضئيلا مقارنة بحركة قناة السويس.

 

وبحسب الشامي، فإن الطريق يسمح حاليا بعدد محدود من الرحلات ولا يناسب السفن والحمولات الضخمة بالقدر نفسه الذي توفره القناة، وهو ما يجعل الحديث عن استبدال السويس به مبالغة لا تعكس القدرات التشغيلية الفعلية للمسارين.

 

وعلى الرغم من هذا الاطمئنان، يحذر الشامي أيضا من التعامل مع الطريق باعتباره بلا قيمة مستقبلية، لأن تغير المناخ وتراجع الجليد قد يوسّع فترات الملاحة تدريجيا ويمنح المسار قدرة أكبر على جذب جزء من تجارة آسيا وأوروبا.

 

ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في خسارة فورية لحركة العبور، بل في تراكم بدائل قد تنتزع أجزاء من السوق على مراحل، خصوصا إذا تزامنت مع اضطرابات أمنية مستمرة وارتفاع رسوم التأمين وتكاليف المرور بالبحر الأحمر.

 

ومن ثم، يصبح تطوير الخدمات اللوجستية حول القناة ضرورة اقتصادية وليس مجرد خيار دعائي، لأن شركات الشحن تقارن بين الزمن والتكلفة والأمان والمرونة، ولا تبني قراراتها على التاريخ أو المكانة الرمزية لأي ممر مهما بلغت أهميته.

 

وفوق ذلك، يحتاج الخطاب الرسمي إلى الفصل بين حقيقة عدم وجود بديل كامل للقناة وبين وجود منافسين جزئيين يمكنهم اقتطاع أنواع محددة من الشحنات، لأن تجاهل المنافسة قد يكون أكثر ضررا من الاعتراف بها والاستعداد لها.

 

 

تنويع طرق التجارة

 

ويرى وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أن طريق القطب الشمالي يمثل مسارا إضافيا للتجارة الدولية أكثر منه بديلا لقناة السويس، موضحا أن الدول تسعى إلى تعدد الخيارات كلما ازدادت الاضطرابات في الممرات البحرية التقليدية.

 

وبحسب جاب الله، لا يستطيع الطريق القطبي تحمل كامل التجارة الصينية، خصوصا أن بكين تعمل بالتوازي على أكثر من مسار لنقل بضائعها، وهو ما يعني أن هدفها الأساسي هو المرونة وعدم رهن تجارتها بطريق وحيد.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف الخطوة الصينية أن المنافسة على طرق التجارة لم تعد محصورة في توسيع الموانئ أو خفض رسوم العبور، بل أصبحت مرتبطة بتحالفات دولية وبنية تحتية جديدة وممرات بديلة تستفيد من التحولات المناخية والجغرافية.

 

وفي هذا السياق، تبدو خسائر قناة السويس خلال الأعوام الأخيرة إنذارا واضحا بأن الإيرادات ليست مضمونة، إذ يمكن للأزمات خارج الحدود المصرية أن تحول السفن بسرعة إلى طرق أخرى وتضغط على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.

 

وبالتالي، فإن الاكتفاء بإبراز عودة بعض السفن أو تحسن المؤشرات الشهرية لا يعالج أصل المشكلة، لأن المنافسة طويلة الأجل تحتاج خطة تجمع بين التسعير المرن والخدمات البحرية وتطوير الموانئ وربطها بمراكز الصناعة والتوزيع.

 

وعلاوة على ذلك، تستطيع مصر تقليل أثر البدائل عبر تحويل منطقة القناة من مجرد ممر عبور إلى مركز متكامل يقدم خدمات إصلاح وتموين وتخزين وتصنيع وإعادة تصدير، بما يرفع تكلفة التخلي عنها بالنسبة للخطوط الملاحية.

 

في المقابل، سيظل الاعتماد المفرط على رسوم المرور وحدها نقطة ضعف، لأن أي أزمة أمنية أو مسار أقصر أو تغير في أسعار الوقود قد يدفع الشركات إلى إعادة الحسابات، حتى إن كانت البدائل أقل كفاءة في الظروف الطبيعية.

 

 

تحد طويل الأجل

 

ويحذر وائل قدور، عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس السابق وخبير النقل البحري، من التقليل الكامل من المسار الشمالي، موضحا أن الصين أصبحت مستخدما رئيسيا له مع توسع تعاونها التجاري والطاقة مع روسيا.

 

وبحسب قدور، شهد الطريق منذ نهاية 2022 بداية تشغيل خطوط أكثر انتظاما لنقل الحاويات، لكن الشركات المستخدمة له ليست من كبار المشغلين العالميين، وهو ما يحد حتى الآن من قدرته على منافسة قناة السويس بصورة شاملة.

 

ومع ذلك، فإن ظهور رحلات حاويات منتظمة يغيّر طبيعة النقاش من فكرة نظرية إلى نشاط تجاري قابل للتوسع، وهو ما يستدعي مراقبة أحجام الشحن وعدد الرحلات وتطور البنية التحتية القطبية بدلا من الاكتفاء بتأكيد صعوبة الملاحة.

 

وفي الوقت نفسه، سجلت قناة السويس خلال يوليو زيادة بنحو 25 بالمائة في أعداد السفن العابرة وارتفاعا يقارب 36 بالمائة في الإيرادات الدولارية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بما يشير إلى بداية تعاف تدريجي.

 

غير أن هذه الأرقام الإيجابية لا تلغي أثر الاضطرابات الإقليمية السابقة، بعدما أعلنت مصر تكبد خسائر تقارب 10.5 مليار دولار نتيجة تراجع الملاحة، وهو رقم يكشف حساسية القناة لأي تغير سريع في قرارات شركات الشحن.

 

وبناء على ذلك، فإن عودة الخطوط الكبرى ينبغي أن تستخدم كفرصة لإعادة بناء الثقة وتقديم حوافز تنافسية، لا باعتبارها دليلا على انتهاء التهديدات، خاصة أن شركات النقل أصبحت أكثر استعدادا لتجربة مسارات مختلفة عند الأزمات.

 

ومن جانب آخر، يظل طريق القطب الشمالي مقيدا بالجليد والطقس ونقص خدمات الإنقاذ وصعوبة العمل طوال العام، إلا أن التطور التقني والاستثمارات الروسية والصينية قد تقلص بعض هذه العقبات تدريجيا خلال السنوات المقبلة.

 

ولهذا، تحتاج مصر إلى استراتيجية تتعامل مع المنافسة باعتبارها حقيقة مستمرة، عبر رفع كفاءة القناة وتوسيع الخدمات وتطوير الموانئ وتحسين التكامل مع المنطقة الاقتصادية، بدلا من حصر الرد في تأكيد أن البدائل غير قادرة على المنافسة.

 

وأخيرا، لا تبدو الرحلة الصينية تهديدا فوريا لقناة السويس بقدر ما تمثل إنذارا مبكرا بأن طرق التجارة تتحرك باستمرار، وأن الحفاظ على الممر المصري يتطلب تنافسية دائمة لا ثقة مطلقة في الجغرافيا وحدها.