يبدو أن هناك أمرًا يدبر بليل يخشاه النظام ويقض مضاجعه، إلى الحد الذي دفع الإعلاميين المحسوبين على الأجهزة الأمنية إلى التحذير خلال الفترة الأخيرة من خطورة "انفجار الأوضاع" أو حدوث "ثورة جياع"؛ نتيجة للضغوط الاقتصادية المتزايدة والغلاء وموجات التضخم التي تعيشها البلاد.
وكان لافتًا للانتباه تصاعد تلك النبرة لتعكس حالة غير مألوفة في الخطاب الإعلامي الرسمي، حيث لم تعد التحذيرات تقتصر على المعارضة في الخارج بل امتدت لتشمل أصواتًا توصف عادةً بـ "أذرع الدولة الإعلامية".
إعلاميون يحذرون من حالة غليان
ويعد الإعلامي مصطفى بكري عضو مجلس النواب من أبرز الأصوات التي حذرت بشكل صريح ومتكرر من "ثورة جياع" أو انفجار شعبي غير مسيطر عليه، وذلك على خلفية تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين، حيث طالب الحكومة مرارًا بمراجعة سياساتها والحد من القرارات التي تضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة قبل فوات الأوان.
وشاطره الرأي الإعلامي محمد علي خير، مشيرًا إلى أن حالة الغليان المكتوم في الشارع المصري بسبب الغلاء المستمر للأقوات والوقود وخدمات الطاقة لا يمكن تجاهلها، وأن حماية الأمن القومي تبدأ من احتواء الغضب المعيشي للمواطنين قبل أن يتحول إلى احتجاجات عشوائية.
في حين حذر الإعلامي عمرو أديب من "خطورة الضغط على المواطن". وعلى الرغم من دعوته المستمرة للاستقرار، فإنه يحذر صراحة من أن المواطن المصري وصل إلى مرحلة "عدم القدرة على الاحتمال"، منبهًا الحكومة بضرورة التدخل السريع ببرامج حماية اجتماعية حقيقية لتفادي حدوث احتقان يؤدي إلى فوضى غير محمودة العواقب.
وعلى الرغم من أن أحمد موسى من أشد المدافعين عن النظام، إلا أنه في فترات ذروة الأزمات (مثل خطط تخفيف الأحمال ورفع أسعار الوقود والخبز المدعم)، حذر من أن مثل هذه القرارات "تخلق حالة من السخط الشديد" وتمنح قوى المعارضة والإخوان المسلمين فرصة سانحة للتحريض على الثورة ونزول الشارع.
ماذا ينتظر مصر في نوفمبر القادم؟
وأعطى الدكتور أيمن منصور ندا، الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وهو من أحد أشد المنتقدين للإعلامين الموالين للانقلاب، صورة أكثر وضوحًا لبروز التحذيرات والمخاوف من خروج الأمر على السيطرة في مصر في هذه الآونة.
وقال ندا في منشور مطول عبر صفحته على موقع "فيسبوك": "خلال الفترة من يونيو وحتى بداية هذا الشهر، أغسطس، تلقيتُ، على غير العادة، عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية كبرى.. بعض هذه الدعوات كانت بحضور عدد قليل من السياسيين والمفكرين المصريين، بينهم برلمانيون ورؤساء أحزاب ووزراء سابقون، وبعضها كانت دعوات فردية شخصية، وفي بعضها كنت المصري الوحيد بصحبة عدد من الشخصيات الأجنبية.. اللقاءات كلها كانت "ودية".. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه لقاءات سرية أو بعيدة عن أعين الدولة..".
وأضاف: "ليس في هذه اللقاءات شيء مهم أو "رسمي" يمكن ذكره، غير أن الشعور العام، والإيحاء الذي تولد لديّ ولدى عدد ممن حضروا بعضها، لم يكن مطمئنًا.. كان هناك شيء يصعب الإمساك به: نوعية الأسئلة، وتكرار بعضها، والاهتمام بالتفاصيل، والرغبة في معرفة كيف يفكر الناس، وكيف ترى النخب الوضع الاقتصادي والسياسي، وإلى أي مدى يستطيع المجتمع أن يتحمل المزيد.. لم يقل لي أحد إن شيئًا سيحدث، ولم يهمس سفير في أذني بموعد محدد، لكنني خرجت من هذه اللقاءات بانطباع يصعب التخلص منه: هناك شيء ما مهم جدًا قد يجعل نهاية أكتوبر أو شهر نوفمبر مختلفين عما قبلهما..".
وفيما أشار أستاذ الإعلام إلى أنه يجهل طبيعة ما قد يحدث، لكنه وضع افتراضات، الأول: أنه لن يكون حدثًا إيجابيًا؛ فالأحداث السعيدة لا تحتاج عادةً إلى كل هذا الجس للنبض واستطلاع المزاج وسؤال الناس عما يمكن احتماله.
لكنه رجح أن تكرار الدعوات من جانب السفراء قد يكون الهدف منها الحصول على معلومات من المدعوين إلى تلك اللقاءات. "فالسفير لا يدعوك دائمًا إلى العشاء لكي يخبرك بالمستقبل؛ أحيانًا يدعوك لأن عاصمته تسأله عن المستقبل، ولا يملك الإجابة الكاملة.. ومن هنا أصبح السؤال عندي مختلفًا قليلاً: ليس فقط "ماذا يعرف السفراء؟"، وإنما "ماذا يحاول السفراء أن يعرفوا؟".
أربعة سيناريوهات محتملة
وطرح ندا أربعة سيناريوهات رئيسة؛ بعضها أقرب إلى الوقائع، وبعضها أكثر إثارة وأقل سندًا:
السيناريو الأول اقتصادي: ربما تستعد الدولة للإعلان عن مرحلة اقتصادية جديدة، أو حزمة قرارات صعبة تواكب انتهاء البرنامج، أو صيغة مختلفة للعلاقة مع الصندوق ومؤسسات التمويل.
إذ قال إن "الصندوق، رغم إتاحته نحو 1.8 مليار دولار بعد المراجعة السابعة، لا يزال يتحدث عن الدين والاحتياجات التمويلية والتخارج وتقليص بصمة الدولة وإصلاح أسعار الطاقة.
وأوضح أن "هذه ليست لغة تخص الاقتصاديين وحدهم؛ فعندما يقول الصندوق "إصلاح أسعار الطاقة"، يسمع المواطن "بنزين وكهرباء"، وعندما يتحدث عن "زيادة الإيرادات"، يتحسس الناس جيوبهم.. اقتصاد الصندوق يعيش في جداول إكسل، لكنه في الشارع يصبح فاتورة كهرباء وأجرة ميكروباص وكيس بقالة.. وهنا يصبح السؤال: كم بقي من طاقة الاحتمال؟ ومتى تتحول أزمة الأسعار إلى أزمة سياسة؟".
السيناريو الثاني سياسي: أن يصاحب الانتقال الاقتصادي إعادة ضبط محسوبة للمجال العام؛ لا تحولاً ديمقراطيًا كبيرًا، وإنما إفراجات، وتحريكًاً محدودًا للحياة الحزبية، ومساحة أوسع للنقاش، وبعض التغييرات في الإعلام وربما وجوه جديدة.
وأوضح أن الضغط الاقتصادي يحتاج إلى صمام سياسي واجتماعي، وليس من الحكمة أن ترفع الأسعار وتخفض سقف السياسة في اليوم نفسه.. ويعزز هذا الاحتمال الاهتمام الأوروبي بمصر؛ فالمساعدات لا ترتبط بالاقتصاد فقط، وإنما أيضاً بالحوكمة والحقوق والهجرة والاستقرار، ومن الطبيعي أن تسعى السفارات إلى معرفة الفاعلين الحقيقيين وحجم الاحتقان وما قد يحدث إذا اتسع المجال قليلاً..
السيناريو الثالث إقليمي: أن يكون القلق متعلقًا بما يحيط بمصر أكثر مما يجري داخلها؛ السودان، وغزة، وليبيا، والبحر الأحمر، والطاقة والملاحة.. وفي هذه الحالة يصبح السؤال الخارجي الحقيقي: "كم صدمة أخرى تستطيع مصر أن تتحمل؟".. لكنَّ هذا الاحتمال، رغم خطورته، لا يفسر وحده التركيز على أكتوبر ونوفمبر؛ فالحروب لا تستخدم Google Calendar، والصواريخ لا تحجز موعدًاً قبل ثلاثة أشهر.
أما السيناريو الرابع، والأكثر إثارة، فهو تغيير كبير في بنية السلطة أو قواعد اللعبة.. لا أملك حتى الآن مؤشرًا جديًا يسمح لي بالذهاب إلى هناك.. وفي السياسة ينبغي أن نعرف أين ينتهي التحليل ويبدأ الخيال.. لذلك، إذا أُجبرت على الرهان اليوم، فلن أراهن على ليلة تستيقظ فيها مصر فتجد نفسها بلدًا آخر، بل على شيء أقل درامية وأكثر واقعية: بداية إعادة ترتيب للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة.
مع ذلك، قال أستاذ الإعلام إنه يميل إلى استبعاد الرابع ما لم تظهر مؤشرات جديدة، ورأى الثالث خطرًا دائمًا لكنه لا يفسر التوقيت، بينما يبدو السيناريوهان الاقتصادي والسياسي الأكثر قابلية لأن يفسرا معًا ما أشعر به: مرحلة اقتصادية جديدة تحتاج إلى قدر من إعادة الضبط السياسي والاجتماعي، في توقيت إقليمي شديد الحساسية. وقد لا يقع "حدث" واحد كبير في نوفمبر؛ ربما يكون ما ننتظره بداية مرحلة، لا لحظة بعينها.. وهنا أعود مرة أخرى إلى حفلات العشاء وإلى الأسئلة التي سمعتها فيها.

