كشف النائب أحمد السنجيدي، عضو مجلس النواب، أن أزمة منظومة صرف المعاشات في مصر بدأت بنحو 70 ألف متضرر، قبل انخفاض العدد تدريجيا، مؤكدا أن أعطال النظام الإلكتروني عطلت حصول مواطنين على مستحقاتهم رغم النفي الرسمي الأول لوجود المشكلة.
وتكشف الأزمة فجوة قاسية بين الخطاب الحكومي عن التحول الرقمي وبين حياة أصحاب معاشات يعتمد كثير منهم على مستحق شهري لتوفير الطعام والعلاج، بينما تحول العطل الإداري إلى عبء إنساني يدفع ثمنه مواطنون لم يختاروا النظام ولا أخطاءه.
أعطال تتجاوز الخلل التقني
وفي البداية، أوضح السنجيدي أن 13 نائبا تقدموا بطلبات إحاطة بشأن أزمة صرف المعاشات، بعدما تزايدت شكاوى المستحقين من تعطل النظام، وهو ما وضع هيئة التأمينات أمام أسئلة برلمانية مباشرة بشأن مسؤوليتها عن التأخير وأسباب استمرار المشكلة.
وبحسب السنجيدي، بدأت الأزمة بنحو 70 ألف حالة متضررة، ثم انخفض العدد إلى 45 ألفا، وبعد ذلك إلى 12 ألفا، وصولا إلى قرابة 10 آلاف، وهي أرقام تكشف أن المعالجة تمت تدريجيا دون إنهاء المشكلة بالكامل.
وفي المقابل، كانت التصريحات الرسمية في بداية الأزمة تميل إلى نفي وجود خلل حقيقي في المنظومة، قبل أن تكشف الشكاوى المتكررة والمناقشات البرلمانية أن المشكلة أوسع من مجرد حالات فردية، وأنها أثرت فعليا على عمليات الصرف.
ومن ناحية أخرى، اضطر مجلس النواب إلى استدعاء رئيس هيئة التأمينات لمناقشة الأزمة، بعدما أثبت النواب وجود أعطال في النظام، وهو تطور أظهر أن الاعتراف بالمشكلة جاء بعد ضغط رقابي وليس عبر كشف مبكر وشفاف من الجهة المسؤولة.
وبدوره، يرى كامل السيد، وكيل وزارة التأمينات الاجتماعية السابق ونائب رئيس اتحاد المعاشات، أن المشكلة ارتبطت بطريقة الانتقال إلى النظام الإلكتروني الجديد، محذرا من إدارة قاعدة بيانات ضخمة دون تجهيز يضمن استمرار الخدمات وعدم تعطيل حقوق المستفيدين.
ووفقا للسيد، فإن منظومة التأمينات تتعامل مع قاعدة بيانات بالغة الضخامة تشمل ملايين المواطنين، ولذلك فإن نقلها إلى نظام جديد كان يتطلب اختبارات دقيقة وخطة انتقال تحمي البيانات والخدمات، بدلا من تحميل أصحاب المعاشات تكلفة أخطاء التنفيذ.
وعلى هذا الأساس، يصبح تراجع أعداد المتضررين من 70 ألفا إلى نحو 10 آلاف دليلا على معالجة جانب من الأزمة، لكنه لا يمثل نجاحا كاملا، لأن بقاء مواطن واحد دون مستحقاته يعني استمرار خلل يمس حقا ماليا أساسيا.
وفوق ذلك، فإن أصحاب المعاشات لا يملكون ترف انتظار إصلاح تقني يمتد شهورا، لأن المعاش لدى قطاعات واسعة يمثل الدخل الرئيسي للأسرة، وتأخره قد يعني العجز عن شراء الدواء أو سداد الفواتير أو توفير الاحتياجات اليومية الضرورية.
حقوق معلقة خلف النظام
وفي السياق نفسه، يقول عبد الغفار مغاوري، المستشار القانوني للاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات، إن عددا من المستحقين ظل غير قادر على صرف معاشه، رغم إعلان الهيئة معالجة قطاعات من الأزمة، بما يثبت استمرار آثار الخلل على المواطنين.
كما أوضح مغاوري أن الاتحاد خاطب هيئة التأمينات بشأن مطالب أصحاب المعاشات والأحكام والحقوق المتعلقة بهم، لكنه لم يتلق ردا رسميا على بعض هذه المطالب، وهو ما يزيد التساؤلات بشأن قنوات التواصل والمحاسبة داخل المنظومة.
وعلاوة على ذلك، تكتسب الأزمة خطورتها من أن المستفيد لا يستطيع اختيار طريقة بديلة للحصول على حقه حين تتعطل المنظومة، إذ يصبح رهينة لقاعدة بيانات وإجراءات إلكترونية وقرارات إدارية لا يملك أي سلطة على تشغيلها.
ومن جهة ثانية، فإن وصف المشكلة باعتبارها عطلا فنيا فقط يتجاهل أثرها الاجتماعي، لأن توقف النظام لا يعني مجرد شاشة لا تعمل، وإنما قد يعني مواطنا بلا دخل لأسابيع أو شهور وأسرة تؤجل احتياجات أساسية انتظارا لمستحق قانوني.
وبالتالي، فإن مسؤولية الهيئة لا تنتهي بإعادة تشغيل النظام أو خفض عدد الحالات العالقة، بل تمتد إلى مراجعة كل حالة تضررت وتحديد مدة التأخير وضمان صرف المستحقات المتأخرة ومعالجة الأضرار التي ترتبت على توقف الدخل.
ومن ثم، تبدو تصريحات السنجيدي بشأن وعود إنهاء الأزمة مع بداية الشهر الحالي اختبارا جديدا لمدى قدرة الهيئة على تحويل التعهدات إلى نتائج، خصوصا بعدما تجاوزت الأزمة أكثر من موعد سابق لإنهائها بصورة كاملة.
غير أن استمرار نحو 10 آلاف حالة، وفقا للأرقام التي عرضها السنجيدي، يعني أن الحديث عن نجاح واسع يظل منقوصا، لأن هذه الحالات ليست رقما هامشيا بل آلاف الأسر التي تنتظر أموالا يفترض أنها مستحقة وليست منحة حكومية.
وبالمثل، تكشف الواقعة مشكلة أوسع في الإدارة العامة حين يسبق النفي التحقيق، إذ كان من المفترض أن تدفع الشكاوى الأولى إلى فحص سريع وعلني للمنظومة، لا إلى إنكار الأزمة قبل أن تفرض الأرقام والطلبات البرلمانية الاعتراف بها.
المعاش حق لا ينتظر
وفي هذا الإطار، يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن مشكلات أصحاب المعاشات لا يمكن فصلها عن ضغوط المعيشة، منتقدا عدم معالجة أوضاع متضررين خرجوا إلى المعاش وبقوا دون دخل نتيجة تعطل المنظومة ومشكلات التطبيق.
وبحسب الميرغني، فإن توقف دخل صاحب المعاش يأتي بينما تواجه الأسر ارتفاعا في تكاليف المعيشة وتراجعا في القدرة الشرائية، وهو ما يجعل التأخير أكثر قسوة على فئات تعتمد بصورة أساسية على دخل ثابت محدود.
وفي ضوء ذلك، لا تبدو أزمة النظام الإلكتروني منفصلة عن العدالة الاجتماعية، لأن المواطن الذي أدى اشتراكاته طوال سنوات عمله يفترض أن يحصل على مستحقاته فور استحقاقها، دون أن يتحول الانتقال الرقمي إلى حاجز جديد أمام حقه.
وبصورة أوسع، تطرح الأزمة سؤالا حول كيفية تنفيذ مشروعات التحول الرقمي الحكومية، ومدى وجود خطط بديلة تضمن استمرار الخدمات عند الأعطال، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالدخل والعلاج والخدمات التي لا يمكن تعليقها حتى إصلاح الأنظمة.
وفي الوقت ذاته، يثير انتقال الأزمة بين أرقام 70 ألفا و45 ألفا و12 ألفا ثم 10 آلاف تساؤلا بشأن معايير حصر المتضررين، والمدة التي انتظرتها كل حالة، وما إذا كانت هناك تعويضات أو إجراءات لجبر الضرر الناتج عن التأخير.
ولهذا، فإن نشر بيانات تفصيلية عن الحالات المتبقية ومواعيد إنهائها يمثل الحد الأدنى من الشفافية المطلوبة، بدلا من الاكتفاء بتأكيدات عامة حول تحسن الأداء، لأن المتضرر يحتاج موعدا واضحا لصرف حقه وليس وصفا لمعدلات الإنجاز.
وبناء على ذلك، يصبح الدور الرقابي للبرلمان ناقصا إذا توقف عند طلبات الإحاطة والاستدعاءات، إذ يفترض أن يمتد إلى تحديد المسؤولية عن إطلاق منظومة غير مستقرة، ومراجعة تكلفة المشروع وآليات اختباره ومحاسبة من تسبب في تعطيل المواطنين.
وفي المقابل، فإن إعلان حل جزء كبير من الحالات يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإغلاق الملف، لأن جوهر القضية ليس نسبة الحالات التي جرى إنجازها، وإنما ضمان عدم تكرار أزمة يمكن أن تحرم آلاف المواطنين من دخلهم مجددا.
وأخيرا، تبقى أزمة المعاشات نموذجا كاشفا لكلفة الإدارة غير المستعدة، إذ بدأ الخلل بعشرات الآلاف ثم تقلص دون أن ينته، بينما ظل المواطن الطرف الأضعف بين نفي رسمي ووعود متكررة ونظام إلكتروني يفترض أن يسهل حقه لا يعطله.

