وجّه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي باستكمال إنشاء مدينة العدالة على مساحة 51 فدانًا بالعاصمة الإدارية، بينما تنتقد منظمات حقوقية استمرار احتجاز آلاف الأشخاص ومحاكمات وصفتها بالجائرة، ما فجّر تساؤلات حول بناء مدينة للعدالة وسط أزمة أعمق في ضماناتها.

 

ويأتي المشروع في لحظة تتراكم فيها انتقادات حقوقية لنظام السيسي بسبب الحبس الاحتياطي المطول والتدوير ومحاكمة معارضين ونشطاء، لتبدو المفارقة صارخة بين تشييد صرح يحمل اسم العدالة وبين مطالب قديمة بإصلاح القضاء وضمان المحاكمات المنصفة.

 

وبحسب بيانات رسمية، تستهدف المدينة جمع هيئات ومحاكم ومرافق قضائية في مركز واحد مع الاعتماد على الرقمنة وتطوير البنية التحتية، وهي أهداف لا يعترض عليها المنتقدون بقدر اعتراضهم على اختزال العدالة في مبان جديدة.

 

وفي المقابل، وثقت منظمة العفو الدولية خلال 2026 استمرار وجود آلاف الأشخاص في احتجاز تعسفي، بعضهم بسبب ممارسة حقوقهم، ومنهم من ظل محبوسًا بعد محاكمات وصفتها المنظمة بأنها شديدة الجور، بما يناقض الصورة الاحتفالية بالمشروع.

 

ومن ناحية أخرى، قالت هيومن رايتس ووتش إن آلاف المحتجزين ظلوا رهن الحبس الاحتياطي المطول أو يقضون أحكامًا صدرت بعد محاكمات غير عادلة، بينما استمرت السلطات في ملاحقة منتقدين ونشطاء خلال سنوات حكم السيسي.

 

وفوق ذلك، عبّرت مجموعة العمل الأممية المعنية بالاحتجاز التعسفي عن قلقها من اتساع حالات الاحتجاز التعسفي في مصر، معتبرة أن تكرارها قد يدل على ممارسة منهجية أو واسعة، وهو تحذير يطال جوهر منظومة العدالة.

 

وبالتالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت القاهرة تحتاج مباني قضائية حديثة، بل ما إذا كانت السلطة التي تبني مدينة باسم العدالة مستعدة لمعالجة انتقادات تمس استقلال القضاء وضمانات الدفاع وحق المتهم في محاكمة منصفة.

 

ويرى منتقدون أن السيسي لا يستطيع فصل مشروعه العمراني عن مسؤوليته عن البيئة القانونية التي تشكلت خلال حكمه، خاصة بعد تعديلات 2019 الدستورية التي وسعت سلطات الرئيس في التعيينات والإشراف المرتبط بالهيئات القضائية.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح افتتاح أي مقر قضائي جديد بلا إصلاحات موازية مجرد تحديث للواجهة، إذا بقيت الانتقادات المتعلقة بالحبس المطول والمحاكمات الجماعية واستخدام قوانين الإرهاب ضد معارضين وصحفيين ونشطاء دون معالجة جذرية.

 

 

العدالة قبل المباني

 

قال ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، في مواقف حقوقية متكررة إن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة أساس أي إصلاح حقيقي، وهي زاوية تجعل قيمة المؤسسة مرتبطة بأدائها لا بفخامة مقرها.

 

وفي السياق نفسه، هاجم محمد ناصر خطاب السيسي بشأن مدينة العدالة، معتبرًا أن الرئيس يقدم نفسه راعيًا للعدالة بينما يحمّله معارضوه مسؤولية منظومة شهدت انتهاكات ومحاكمات مثيرة للجدل واحتجازًا مطولًا لمعارضين ونشطاء

 

 

 

ومن زاوية أكثر مباشرة، كتبت سلوى أن المطلوب هو تطبيق العدالة داخل مصر قبل الانتقال إلى ما وصفته بالبرج العاجي الجديد، في إشارة إلى فجوة تراها بين الاسم الرسمي للمشروع وتجارب مواطنين مع المنظومة

 

 

 

وبالمثل، تساءل حسين عما إذا كانت العدالة تحتاج أصلًا إلى مدينة جديدة، رابطًا اعتراضه بانتشار المحسوبية والرشوة من وجهة نظره، ومعتبرًا أن توجيه الأموال إلى المباني لا يعالج اختلالات أعمق في المؤسسات.

 

 

 

وعند هذه النقطة، تتجاوز الانتقادات لغة مواقع التواصل، إذ تقول فريدوم هاوس إن الجهاز التنفيذي يمارس تأثيرًا على المحاكم وإن نظام العدالة استُخدم في قضايا ضد معارضين، مع انتقادات متكررة لضمانات الإجراءات القانونية.

 

 

المعتقلون خلف الواجهة

 

ويؤكد حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في مواقفه الحقوقية المستمرة أن الحبس الاحتياطي والتدوير واستخدام نيابة أمن الدولة في قضايا التعبير تمثل مشكلات مركزية، ما يجعل إصلاح الإجراءات أولوية.

 

وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن مدينة تحمل اسم العدالة مستفزًا لمنتقدي السلطة حين يقارنونه بآلاف محتجزين توثق منظمات حقوقية بعض حالاتهم باعتبارها تعسفية، أو بأحكام صدرت في قضايا شهدت انتقادات لضمانات المحاكمة.

 

وعلاوة على ذلك، لا توجد بيانات مستقلة موثوقة تثبت ادعاء وجود مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين، لكن المصادر الحقوقية الدولية تتحدث بثبات عن آلاف المحتجزين، وهو رقم كاف لطرح أزمة حقوقية واسعة دون تضخيم غير موثق.

 

ومن جهة موازية، يشير نجاد البرعي، المحامي والحقوقي، في مواقفه بشأن قانون الإجراءات الجنائية إلى أن ضمانات الحرية والمحاكمة العادلة وتقليص الحبس الاحتياطي هي قلب الإصلاح، لا مجرد تغيير الأبنية أو الأدوات الإدارية.

 

وفي المقابل، يقدّر المحامي منير الخطير أن انتقال عمله إلى مدينة العدالة قد يرفع تكلفة رحلته اليومية إلى نحو 300 جنيه بالمواصلات، وربما 1000 جنيه باستخدام سيارة أجرة، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا للانتقادات

 

 

 

 

كلفة المشروع والأولوية

 

كما رأت رانيا الخطيب أن بناء مدينة تحمل اسم العدالة لا يعني تحقق العدالة، معتبرة أن الدولة تكرر إنشاء مدن تحمل أسماء قطاعات مختلفة بينما لا يلمس المواطن، من وجهة نظرها، تحسنًا يوازي حجم الإنفاق.

 

 

 

وفي الاتجاه ذاته، اتهم واثق السلطة بالإنفاق على مقرات ومبان جديدة في وقت تعاني البلاد من ديون وضغوط اقتصادية، ورأى أن مدينة العدالة امتداد لنهج يعطي الأولوية للإنشاءات على حساب احتياجات المواطنين.

 

 

 

ومن جانب آخر، وصف حساب مونت بلانكو المشروع بأنه استمرار في إهدار المال العام بينما يعاني مواطنون من الغلاء.

 

 

 

في حين اختصر درويش اعتراضه بالقول إن الإنفاق الجديد يأتي بالتوازي مع استمرار تجويع الشعب.

 

 

 

وبناءً على ذلك، تتقاطع ثلاثة اعتراضات في مواجهة المشروع، أولها غياب إصلاحات قضائية توازي البناء، وثانيها ارتفاع كلفة الوصول للمقر الجديد، وثالثها أولوية الإنفاق في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع أعباء الدين.

 

وأخيرًا، تكشف المفارقة بين مدينة العدالة وسجل الانتقادات الحقوقية أن أزمة مصر ليست في غياب مبنى يحمل الاسم، بل في الثقة بمنظومة القضاء نفسها، وهو تحد لن تحله العاصمة الإدارية ما لم تتغير القواعد والممارسات.

 

قنــــاة مكملين - الرسمية (@MekameleenMk) on X

ناصر: السيسي يقتـ ـ ـل القتيـ ـ ـل ويمشي في جنازتـ ـه.. طالع يوجه بإنشاء مدينة العدالة!!