أعاد حادث الدواويس بمحافظة الإسماعيلية تسليط الضوء على اتساع قاعدة عمالة الأطفال في مصر، بعدما أسفر عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين كانوا في طريقهم للعمل بإحدى المزارع، وبين الضحايا 8 أطفال لم يتجاوز أكبرهم 14 عامًا.

 

وتكشف البيانات المتاحة عن أزمة متشابكة تجمع الفقر والتسرب من التعليم وغياب الرقابة وضعف الحماية الاجتماعية، إذ قدرت اليونيسف عدد الأطفال العاملين بنحو 1.3 مليون طفل، بينهم 900 ألف يعملون في ظروف خطرة، بينما أشارت بيانات أخرى إلى أعداد أكبر وفق تعريفات ومسوح مختلفة.

 

وفي وقت تحظر فيه النصوص الدستورية والقانونية تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، تواصل عربات نقل العمال حمل الصغار إلى المزارع بدلًا من المدارس، وسط حوادث متكررة تكشف ثمن الإهمال الرسمي.

 

 

الدواويس تكشف المأساة

 

وقع حادث الدواويس صباح الثلاثاء 11 أغسطس 2026، وأسفر عن مصرع 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، بحسب بيان النيابة العامة والتغطيات الصحفية. وكان بين المتوفين 8 أطفال، لم يتجاوز أكبرهم سن 14 عامًا.

 

لم يكن وجود الأطفال داخل مركبة متجهة إلى إحدى المزارع تفصيلًا عابرًا، بل كشف عن منظومة واسعة لتشغيل القاصرين ونقلهم في ظروف غير آمنة، غالبًا عبر سيارات مخصصة لنقل البضائع أو العمال دون وسائل حماية كافية.

 

وقالت دار الخدمات النقابية والعمالية إن وجود أطفال بين الضحايا يكشف جانبًا أكثر خطورة يتعلق بمنظومة تشغيل العمال والرقابة على استخدام الصغار، محملة المسؤولية لكل من يشارك في تنظيم تشغيلهم ونقلهم إلى أماكن العمل.

 

واعتبر حزب العدل أن طفلًا يبلغ 13 عامًا لا يفترض أن يكون داخل سيارة لنقل العمال في السادسة صباحًا، وإنما يجب أن يكون في المدرسة أو المنزل أو مركز شبابي يوفر له الحماية المناسبة لسنه.

 

ويأتي الحادث في ظل تسرب نحو 65.7 ألف طالب وطالبة من التعليم الأساسي خلال العام الدراسي 2024/2025، ما يكشف العلاقة المباشرة بين مغادرة المدرسة والدخول المبكر إلى سوق العمل، خصوصًا داخل الأسر الأشد فقرًا.

 

وكلما تراجعت قدرة الأسرة على تغطية احتياجاتها الأساسية، أصبح الطفل مصدرًا إضافيًا للدخل، حتى لو كان العمل يهدد حياته أو يمنعه من استكمال تعليمه. وبذلك يتحول الفقر إلى قوة تدفع الصغار من الفصول إلى المزارع.

 

ولم يكن حادث الدواويس الأول من نوعه، إذ شهدت السنوات الماضية حوادث متكررة لمركبات تنقل أطفالًا وفتيات إلى أماكن العمل، ما يؤكد أن المأساة ليست حادثًا مروريًا منفصلًا، وإنما نتيجة نمط تشغيل ونقل يفتقر إلى الرقابة.

 

وفي مايو 2024، سقطت سيارة تقل 26 فتاة من العمالة اليومية من فوق معدية أبو غالب التي تربط بين الجيزة والمنوفية في مياه الرياح البحيري، ما أسفر عن وفاة 16 فتاة تراوحت أعمارهن بين 14 و20 عامًا.

 

كما شهد الطريق الإقليمي في يونيو 2025 حادث قرية كفر السنابسة بمحافظة المنوفية، الذي أسفر عن وفاة 19 فتاة تراوحت أعمارهن بين 14 و21 عامًا، ودفع منظمات حقوقية إلى وصفه بأنه نتيجة للإهمال المزمن.

 

 

أرقام متباينة وخطر واحد

 

كشف تقرير لمنصة «متصدقش» أن نحو 5% من الأطفال المصريين يعملون، بينما قدرت اليونيسف عددهم بنحو 1.3 مليون طفل، بينهم قرابة 900 ألف يمارسون أعمالًا خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم وتعليمهم ونموهم النفسي.

 

واستنادًا إلى مسح الأسرة المصرية لعام 2021، قالت اليونيسف إن 4.9% من الأطفال بين 5 و17 عامًا يعملون. وبلغ عدد العاملين بين 5 و11 عامًا نحو 467.825 ألف طفل، مقابل 313.186 ألفًا بين 12 و14 عامًا.

 

وترتفع نسبة عمالة الأطفال إلى 10% بين الصغار الذين يعيشون ضمن أفقر 20% من السكان، بينما تنخفض إلى 1.5% فقط بين الأطفال المنتمين إلى أغنى 20% من الأسر، ما يوضح دور الفقر في دفع الأطفال إلى العمل.

 

وتشير اليونيسف إلى أن أكثر من ثلث أطفال مصر يعيشون داخل أسر فقيرة. كما حذرت في ديسمبر 2024 من أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع التضخم يضعان مزيدًا من الأطفال أمام خطر الانخراط في العمل لمساعدة أسرهم.

 

وفي المقابل، أشار بيان لمنظمة العمل الدولية صدر في يناير 2025 إلى وجود 4.2 مليون طفل عامل، بينهم 3.7 مليون طفل يعملون في ظروف خطرة أو غير قانونية، بما يعادل نحو 88% من إجمالي العدد الوارد في البيان.

 

واستندت هذه الأرقام إلى المسح الوطني لعمال الأطفال لعام 2023، لكن تفاصيل المسح لم تنشر رسميًا حتى الآن، رغم إعلان وزير العمل السابق محمد جبران في فبراير 2026 اقتراب إطلاقه بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

ويفسر اختلاف السنوات والتعريفات والمنهجيات جانبًا من التفاوت بين أرقام اليونيسف ومنظمة العمل الدولية، لكنه لا يلغي حقيقة اتساع الظاهرة. كما أن عدم نشر المسح يحرم الباحثين والرأي العام من تقييم البيانات وبناء سياسات دقيقة.

 

وتتسبب عمالة الأطفال، بحسب اليونيسف، في سوء النمو والتغذية ونقص الفيتامينات وفقر الدم والإصابات الجسدية، فضلًا عن الاضطرابات النفسية والسلوكية، كما تؤثر في انتظام الطفل بالتعليم وقدرته على استكمال مراحل الدراسة.

 

ويمثل قطاع الزراعة بؤرة رئيسية للظاهرة، إذ أفاد تقرير دار الخدمات النقابية والعمالية الصادر في يونيو 2024 بأن نحو 60% من الأطفال العاملين بين 5 و17 عامًا يعملون في الأنشطة الزراعية.

 

ويتعرض الأطفال في المزارع لمخاطر الآلات والمبيدات والحرارة والإجهاد البدني، إلى جانب أخطار الانتقال لمسافات طويلة داخل مركبات غير مؤهلة. ورغم أعدادهم الكبيرة، ترى الدار أنهم لا يحظون باهتمام كاف من الجهات المعنية.

 

 

قوانين معطلة وحماية غائبة

 

ينص الدستور المصري في مادته 80 على أن كل من لم يبلغ 18 عامًا يعد طفلًا، ويحظر تشغيله قبل تجاوز سن إتمام التعليم الأساسي، كما يمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم للخطر.

 

ويحظر قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تشغيل الأطفال قبل بلوغ 15 عامًا، مع السماح بتدريبهم عند بلوغ 14 عامًا بشرط ألا يعوق التدريب مواصلة التعليم أو يعرض صحتهم البدنية والنفسية وسلامتهم وأخلاقهم للخطر.

 

كما يمنع القانون تشغيل الأطفال أو تدريبهم في المهن والصناعات الخطرة أو الأعمال غير المشروعة. لكن تكرار الحوادث ووجود أطفال صغار بين ضحايا مركبات العمال يكشف فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع اليومي.

 

وترتبط هذه الفجوة بضعف التفتيش على المزارع وأماكن العمل غير الرسمية، وغياب الرقابة على وسطاء التشغيل ووسائل نقل العمال، فضلًا عن حاجة الأسر إلى الدخل وعدم كفاية برامج الحماية الاجتماعية لمواجهة الغلاء.

 

ورصدت مؤسسة المرأة الجديدة 25 حادثًا تعرضت له عاملات الزراعة خلال الفترة من 1 يناير إلى 23 أبريل 2025، نتج عنها 305 إصابات، بينها 81 لقاصرات، و44 وفاة، من بينهن 12 قاصرًا.

 

وتظهر هذه الأرقام أن الخطر لا يبدأ داخل موقع العمل فقط، بل يمتد إلى الطريق المؤدي إليه. فالأطفال والعاملات ينقلون في مركبات مزدحمة وغير آمنة، بينما تمر منظومة التشغيل بأكملها بعيدًا عن الرقابة والمساءلة الفعلية.

 

وفي أبريل 2026، أشارت اليونيسف إلى أن 9% من الأطفال بين 5 و17 عامًا في أفريقيا يعملون وفق معيار النشاط الاقتصادي، استنادًا إلى أحدث البيانات المتاحة خلال الفترة من 2020 إلى 2024.

 

ويحتسب هذا المعيار الطفل بين 5 و11 عامًا ضمن عمالة الأطفال إذا مارس ساعة واحدة من النشاط الاقتصادي، ويرتفع الحد إلى 14 ساعة أسبوعيًا لمن تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عامًا، و43 ساعة للفئة بين 15 و17 عامًا.

 

ولا يمكن مواجهة الظاهرة بالعقوبات القانونية وحدها، إذ يتطلب الأمر توسيع مظلة الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الفقيرة، ومنع التسرب من التعليم، وإتاحة مدارس آمنة وجاذبة، وتشديد الرقابة على المزارع ووسطاء التشغيل ومركبات نقل العمال.

 

ويبقى حادث الدواويس إنذارًا جديدًا بأن الأطفال يدفعون ثمن الفقر والإهمال مرتين؛ مرة عندما يغادرون مدارسهم بحثًا عن دخل محدود، ومرة عندما تتحول رحلة العمل في الصباح الباكر إلى طريق لا يعودون منه.