تتزايد شكاوى مصريين مقيمين في الإمارات من إلغاء إقاماتهم بصورة مفاجئة، خصوصًا أثناء وجودهم في مصر لقضاء إجازاتهم السنوية، وسط شهادات تتحدث عن امتداد الإجراءات إلى موظفين ومهندسين ومدرسين ومستثمرين وأصحاب شركات، رغم تأكيد بعض المتضررين أن إقاماتهم وعقود عملهم كانت سارية.
ولا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية تحدد عدد الإقامات الملغاة أو تثبت وجود حملة تستهدف المصريين بسبب جنسيتهم، ما يجعل الأرقام المتداولة غير قابلة للتحقق بصورة مستقلة. لكن تكرار الشهادات وتشابه تفاصيلها يثيران مخاوف حقيقية داخل الجالية، ويفتحان الباب أمام تساؤلات عن أسباب القرارات وآليات الاعتراض عليها.
وتتمحور الأزمة حول اكتشاف بعض المقيمين إلغاء إقاماتهم من دون إخطار مسبق واضح، سواء خلال وجودهم خارج الإمارات أو عند محاولة الاستعلام عن وضعهم القانوني. وفي حالات أخرى، قال أصحاب أعمال إن الإلغاء طال موظفين يعملون داخل منشآتهم، ما تسبب في ارتباك تشغيلي وخسائر مالية.
مستثمرون أمام قرارات غامضة
أثارت شهادة مستثمر مصري يمتلك شركة قائمة في الإمارات اهتمامًا واسعًا، بعدما قال إنه فوجئ بإلغاء إقامته المرتبطة بشركته أثناء وجوده خارج الدولة في إجازة، على الرغم من استمرار الشركة في ممارسة نشاطها واحتفاظها بوضعها القانوني.
وبحسب روايته، عاد إلى الإمارات مستخدمًا تأشيرة زيارة، ثم تمكن لاحقًا من استخراج إقامة مستثمر جديدة على الشركة نفسها. وأثارت الواقعة تساؤلات بشأن سبب إلغاء الإقامة الأولى، خصوصًا أن إعادة إصدار إقامة جديدة توحي بأن الشركة لم تكن قد فقدت أهليتها القانونية.
وتطرح الحالة سؤالًا جوهريًا حول إمكانية إلغاء إقامة المستثمر مع بقاء الرخصة التجارية والشركة فعالتين. فالإقامة الشخصية والرخصة التجارية مساران قانونيان منفصلان، وقد يتأثر أحدهما بقرار إداري أو أمني من دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى تصفية الشركة أو وقف نشاطها.
وتوضح الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ أن إلغاء تصريح الإقامة خدمة رسمية تخضع لمتطلبات وإجراءات محددة. وتشمل إقامة المستثمر أو الشريك مستندات مرتبطة بالرخصة التجارية والكيان الذي صدرت الإقامة على أساسه، لكن الصفحة الرسمية لا تشرح الحالات الفردية المثارة في الشهادات المتداولة.
طالع من هنا: إلغاء تصاريح الإقامة
وفي حالات أخرى، تحدث أصحاب شركات عن إلغاء إقامات مجموعات من العاملين لديهم بصورة متزامنة. وقال مستثمر مصري إن الإجراء طال نحو 30 موظفًا في شركته، بينهم مهندسو بترول وفنيون وقباطنة وعاملون في النقل البحري، رغم أن بعض الإقامات كانت لا تزال سارية.
وتعني إعادة استخراج إقامة بديلة، متى كان ذلك ممكنًا، تحمل رسوم جديدة وتكاليف إدارية وفحوص وإجراءات إضافية. أما إذا تعذر الإصدار، فقد تفقد المنشأة موظفين ذوي خبرة في وقت قصير، ما يهدد العقود ومواعيد التسليم واستقرار العمليات اليومية.
ومع ذلك، لا تكفي الشهادات المتداولة وحدها للجزم بأن القرارات صدرت ضمن حملة موحدة، فقد ترتبط بعض الحالات بوضع المنشأة أو الكفيل أو الرخصة أو تحويل الرواتب أو مخالفات إدارية، بينما قد تخضع حالات أخرى لمراجعات مختلفة لم تعلن تفاصيلها.
موظفون عالقون خلال الإجازات
لا تقتصر الشكاوى على المستثمرين، إذ قال مصريون إنهم اكتشفوا إلغاء إقاماتهم أثناء وجودهم في مصر لقضاء الإجازة السنوية. وتحدث آخرون عن تأجيل السفر والامتناع عن مغادرة الإمارات خشية عدم تمكنهم من العودة إلى وظائفهم وأسرهم.
وتشمل الروايات المتداولة موظفين في قطاعات مختلفة، بينهم مهندسون ومشرفون ومدرسون وعاملون في شركات كبيرة أو منشآت مرتبطة بالنفط والخدمات. ويقول بعضهم إن تصاريح العمل والإقامات كانت سارية عند المغادرة، قبل أن يتغير وضعها بصورة مفاجئة.
ويضع إلغاء الإقامة أثناء وجود صاحبها خارج الدولة المتضرر أمام سلسلة من المشكلات، تبدأ بتعذر العودة إلى عمله، ولا تنتهي عند فقدان الدخل والسكن والتأمين الصحي والحسابات المرتبطة بوضعه القانوني، فضلًا عن انفصال بعض أفراد الأسرة المقيمين في الإمارات.
كما يواجه صاحب العمل ارتباكًا بشأن وضع الموظف وعقده ومستحقاته، وما إذا كان يمكن إصدار إقامة جديدة له أو يتعين إنهاء العلاقة الوظيفية. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما لا يتوافر تفسير مباشر يحدد سبب الإلغاء أو المستند المطلوب لتصحيح الوضع.
وفي المقابل، لا توجد بيانات إماراتية منشورة تحدد عدد المصريين الذين ألغيت إقاماتهم خلال الفترة الأخيرة، كما لا يوجد إعلان رسمي يؤكد استهداف الجنسية المصرية. ولذلك فإن استخدام أرقام مثل آلاف الحالات يظل بحاجة إلى بيان رسمي أو إحصاء موثق يوضح الحجم الحقيقي للظاهرة.
وتعلن السلطات الإماراتية دوريًا إجراءات لتنظيم أوضاع المقيمين ومخالفي قوانين الدخول والإقامة، وتشمل فئات وجنسيات متعددة. وفي يونيو 2026، أعلنت الهيئة الاتحادية السماح لفئات من المخالفين بمغادرة الدولة خلال مهلة محددة مع إعفائهم من الغرامات، في سياق معالجة أوضاع قانونية مختلفة.
طالع من هنا: الهوية والجنسية : السماح لمخالفي قانون دخول وإقامة الأجانب بمغادرة الدولة مع إعفائهم من جميع الغرامات المترتبة
كما قد يؤدي فرض حظر على منشأة إلى تعقيدات تمس إقامات العاملين لديها، مع وجود آليات لرفع الحظر ترتبط بالرخصة والحسابات والعقود وتحويل الرواتب. غير أن هذا الاحتمال لا يفسر تلقائيًا جميع الحالات، خصوصًا شهادات المستثمرين الذين استخرجوا إقامات جديدة على الشركات ذاتها.
الإقامة منفصلة عن الشركة
وفق القواعد المنظمة لتأسيس الشركات في الإمارات، لا يعني إلغاء إقامة مالك الشركة تلقائيًا إلغاء الرخصة أو تصفية الكيان القانوني. فلكل مسار إجراءاته، ويمكن أن تستمر الشركة في نشاطها إذا ظلت الرخصة مستوفية للشروط ولم يصدر قرار بوقفها أو إلغائها.
وتسمح الإمارات للمستثمرين الأجانب بامتلاك الشركات بنسبة تصل إلى 100 بالمئة في معظم الأنشطة الاقتصادية، مع استثناءات لبعض القطاعات ذات الأثر الاستراتيجي. ويؤكد ذلك أن ملكية الشركة لا تعتمد بالضرورة على استمرار نوع محدد من الإقامة الشخصية للمستثمر.
وتوضح الخدمات الحكومية وجود إجراءات مستقلة لإلغاء الرخص التجارية وتصفية الشركات، ما يفرض التمييز بين فقدان الإقامة وبين فقدان ملكية المشروع. لكن بقاء الشركة لا يلغي الأضرار العملية التي قد يتعرض لها المستثمر إذا تعذر عليه دخول الدولة أو إدارة نشاطه بصورة مباشرة.
وتمنح الأنظمة الإماراتية فترات سماح متفاوتة بعد انتهاء الإقامة أو إلغائها. وتصل المدة إلى 180 يومًا لبعض حاملي الإقامات الذهبية والخضراء والزرقاء، وإلى 90 يومًا للمهن المهارية من المستويات الأولى والثانية والثالثة ولملاك العقارات.
وتبلغ فترة السماح 60 يومًا للإقامات الصادرة بوجود ضامن أو مستضيف، بينما تنخفض إلى 30 يومًا بالنسبة إلى فئات أخرى. ويظل تحديد الفترة المناسبة مرتبطًا بنوع الإقامة ووضع صاحبها، وليس بمجرد كونه موظفًا أو مستثمرًا.
وتكتسب الشكاوى أهمية أكبر بسبب حجم الوجود الاقتصادي المصري في الإمارات، إذ تشير معطيات متداولة إلى تسجيل نحو 4873 شركة مصرية في عضوية غرفة تجارة دبي، ما يضع المصريين بين الجنسيات صاحبة الحضور الملحوظ داخل مجتمع الأعمال.
وتقول غرفة دبي العالمية إن مكتبها التمثيلي في القاهرة يعمل على تعريف الشركات المصرية بالسوق الإماراتية وتوفير المعلومات والخبرات التشغيلية وفرص الوصول إلى شركاء في دبي، بما يعكس مستوى العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
ويجعل هذا الحضور أي اضطراب واسع في إقامات المستثمرين أو موظفي الشركات مسألة تتجاوز الحالات الفردية، لما قد يترتب عليه من تكلفة مالية وتعطل للأعمال. لكن تقدير الأثر الاقتصادي يظل سابقًا لأوانه في غياب أرقام رسمية تحدد عدد المتضررين وطبيعة كل حالة.
وتحتاج الأزمة إلى توضيح رسمي يجيب عن الأسئلة الأساسية، وهي عدد الإقامات الملغاة وأسباب الإلغاء والفئات المتأثرة وآلية الاعتراض أو التصحيح، وما إذا كانت الإجراءات مرتبطة بالمنشآت أو الكفلاء أو مراجعات فردية تخص أصحاب الإقامات.
وحتى صدور هذا التوضيح، تبقى الشهادات المتداولة مصدر القلق الرئيسي بين المصريين في الإمارات، بينما يظل الحذر واجبًا من تحويلها إلى استنتاج جماعي غير مثبت. فالمشكلة موثقة في حالات فردية متعددة، لكن نطاقها الحقيقي وأسبابها النهائية لا يزالان بحاجة إلى كشف رسمي واضح.

