كشفت شكاوى مرضى التأمين الصحي في مصر عن نقص عدد من الأدوية الحيوية داخل منافذ وصيدليات الهيئة، خاصة أدوية الأنسولين والأعصاب والجلطات، ما وضع ملايين المنتفعين أمام أزمة علاجية متصاعدة، في ظل اعتماد المنظومة على توفير علاج منتظم لفئات واسعة.
كما أن الأزمة لا تتعلق فقط بتفضيل بعض المرضى للدواء المستورد، بل ترتبط بقدرة المنظومة على ضمان توافر العلاج الموصوف طبيًا دون انقطاع، خاصة للمرضى الذين لا يملكون القدرة المالية على شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة.
لزيادة الضغوط، تأتي هذه الأزمة رغم تأكيدات رسمية بأن مصر تنتج نحو 91% من احتياجاتها الدوائية عبر 180 مصنعًا و1000 خط إنتاج، بينما لا تزال تعتمد على استيراد أكثر من 80% من المواد الفعالة اللازمة للتصنيع.
وبالتالي، يطرح نقص الأدوية داخل التأمين الصحي تساؤلات حول كفاءة إدارة التوريد والمخزون والتوزيع، خصوصًا أن المنظومة تخدم نحو 57 مليون مواطن يعتمد كثير منهم عليها بشكل أساسي للحصول على علاجاتهم الدورية.
كما أن المرضى الذين يواجهون نقص الأنسولين وأدوية الأعصاب والجلطات لا يملكون رفاهية الانتظار، لأن تأخر الجرعات أو توقف العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد استقرار حالتهم الصحية.
ومن ثم، تحولت أزمة النواقص من مشكلة إمداد دوائي إلى معاناة يومية للأسر التي تجد نفسها أمام خيارين صعبين، إما شراء العلاج بأسعار مرتفعة أو انتظار توفره داخل منظومة التأمين.
علاوة على ذلك، أثار عضو مجلس النواب بسام الصواف تساؤلات حول أسباب النقص، مطالبًا الحكومة بالكشف عن حقيقة الأزمة وما إذا كانت مرتبطة بالإنتاج أو الاستيراد أو التعاقدات أو سوء إدارة المخزون.
لذلك، فإن استمرار نقص بعض الأصناف الحيوية يضع منظومة التأمين الصحي أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية الفئات التي أنشئت من أجل خدمتها وتوفير العلاج المناسب لها.
غير أن وزارة الصحة تؤكد أن المشكلة لا ترتبط بنقص المادة الفعالة، وإنما بما تصفه بثقافة الاعتماد على أسماء تجارية مستوردة رغم وجود بدائل محلية متاحة.
أزمة توفير العلاج
كما أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن الصناعة المحلية قادرة على توفير بدائل دوائية متعددة، لكن انتظام الإمداد يحتاج إلى تخطيط دقيق بين الإنتاج والاستهلاك.
وبناءً على ذلك، فإن توفير البديل المحلي لا يكفي وحده، بل يتطلب ضمان ثقة المرضى والأطباء وجودة مستمرة وتوافر الكميات المطلوبة داخل منافذ التأمين الصحي.
ومن ناحية أخرى، يرى الدكتور محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية بمركز الحق في الدواء، أن حق المريض لا يقتصر على وجود بديل فقط، وإنما يشمل توفير العلاج المناسب بصورة منتظمة.
لذلك، فإن غياب بعض الأدوية الحيوية داخل التأمين الصحي يثير مخاوف من تحول العلاج إلى عبء مالي إضافي على المرضى محدودي الدخل.
كما أن أزمة الأدوية المزمنة تحتاج إلى آليات رقابة أكثر وضوحًا، تشمل متابعة المخزون والتعاقدات وسلاسل التوريد لمنع ظهور فجوات مفاجئة في الاحتياجات الأساسية.
مخاوف المرضى
علاوة على ذلك، أوضح الدكتور أسامة رستم، نائب رئيس غرفة صناعة الدواء سابقًا، أن سوق الدواء المصري يواجه تحديات مرتبطة بالمواد الخام وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن ثم، فإن الاعتماد الكبير على المواد الفعالة المستوردة يجعل أي اضطراب خارجي قادرًا على التأثير في توافر بعض الأصناف داخل السوق المحلية.
كما أن المرضى المصابين بأمراض مزمنة يتحملون العبء الأكبر من أي خلل في التوريد، لأن علاجاتهم لا يمكن تأجيلها أو استبدالها دون إشراف طبي.
وبالتالي، فإن الأزمة الحالية تكشف الحاجة إلى بناء منظومة أكثر قدرة على التنبؤ بالاحتياجات، بدل التحرك بعد ظهور النقص واشتداد شكاوى المواطنين.
غير أن استمرار الجدل حول الأنسولين يكشف فجوة بين التصريحات الرسمية حول زيادة الإنتاج وبين شكاوى المرضى الذين يبحثون عن العلاج داخل منافذ التأمين الصحي.
لذلك، يطالب متابعون للملف بإعلان بيانات واضحة حول حجم المخزون المتاح ومدد التغطية لكل دواء حيوي لمنع انتشار القلق بين المرضى.
فاتورة يدفعها المرضى
كما أن استمرار النقص يدفع بعض المواطنين إلى شراء أدوية من خارج المنظومة بأسعار قد تفوق قدراتهم، ما يضيف أعباء مالية على أسر تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وبناءً على ذلك، فإن حل الأزمة يحتاج إلى إجراءات عاجلة تشمل تحسين التوريد وتطوير نظم التخزين وتعزيز الرقابة على توزيع الأدوية داخل جميع منافذ التأمين الصحي.
علاوة على ذلك، فإن نجاح أي خطة للاعتماد على التصنيع المحلي يتطلب ضمان الجودة والتوافر المستمر، حتى لا يشعر المريض بأنه يدفع ثمن التحول الصناعي من صحته.
ومن ثم، تبقى أزمة الأدوية الحيوية داخل التأمين الصحي ملفًا حساسًا يرتبط مباشرة بحياة ملايين المواطنين، ويحتاج إلى حلول تتجاوز التصريحات المؤقتة.
كما أن استمرار غياب العلاج في الوقت المناسب قد يحول النقص الدوائي إلى أزمة إنسانية أوسع، خاصة بين أصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يستطيعون الانتظار.

